"المزوّر" لستيفان لودُفيتشي: الرسم ذريعة لحكي تاريخ
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
يعمل توني (بياترو كاستيلّيتو)، رسام إيطالي شاب، بجدّ. يستخدم 400 ضربة بالفرشاة على اللوحة، لكن النتيجة مخيّبة، لأن اللوحات التشخيصية (Figuratif Art) لا تباع. هكذا افتُتح "المزوّر" (Il falsario)، لستيفان لودُفيتشي، عن الرسم، بتوصيف واقع فني تجاري: تباع اللوحات الرمزية والتجريدية والمفاهيمية، لا تلك التي يمكن للكاميرا تقديمها. لا تباع اللوحات التشخيصية، بعد أن قضت الكاميرا على رسم البورتريهات. لذلك، الناقد الفني شارل بودلير ضد الكاميرا. يحتاج السوق إلى لوحات طليعية، كالتي ظهرت في بداية القرن الـ20. هذه مرحلة الفن الأكثر مفاهيمية في التاريخ. مرحلة أنتَجت أكبر تراكم من التنظير للفن، وأكبر عدد من المدارس الفنية، من التكعيبية إلى السريالية. تباع اللوحات الطليعية أفضل من غيرها. إذاً، ينبع الحلّ من المشكلة. يجب إعادة إنتاج لوحات تباع. لم يكن بطل الفيلم يحب الإسباني بابلو بيكاسو. لذا، بدأ نسخ لوحات مواطنه أميديو موديلياني، الذي يكره بيكاسو أيضاً. يُروى أن موديلياني سأل بيكاسو: كيف تمارس الحب مع مُكعّب؟ تتمدّد الوطنية لتكتسح كل المجالات. يستنسخ توني لوحات رسام إيطالي. النسخ مدخل إلى تعلم الفن. يرسم وينسخ لوحات، والنتيجة أنّ اللوحة تصير "نسخة طبق الأصل" (عنوان فيلم لعباس كياروستامي، 2010). فُتحت المتاحف، كاللوفر بباريس، ليتعلّم طلبة الرسم استنساخ اللوحات الأصلية. لتفسير ذلك، يكرّر الرسام: كل فنان لص. حرفياً أم مجازياً؟ ما العلاقة بين النسخة والأصل؟ علاقة محاكاة. "الفن محاكاة، والمحاكاة لا توجد إلا بالنسبة إلى مشاهد يقارن النسخة والأصل". (موسوعة لالاند، ص. 621). يرفع تشارلي تشابلن من قيمة المقارنة: "الطبيعة عادية، والمحاكاة أكثر إثارة للاهتمام" (قصة حياتي، ص. 282). مشكلة الرسام أنه يحاكي من دون أن يبدع. هذا يقلّص مساحة موهبته. ما مقاس موهبته؟ كان الرسم ذريعة لحكي تاريخ مدينة في مرحلة عصيبة، في إيطاليا السبعينيات، حيث مافيا المخدرات ومافيا الفن ومافيا السياسة: منظمة الألوية الحمراء الشيوعية تقاتل ضد القمصان السوداء الفاشية. في هذا السياق المشحون، يروي "المزوّر" مسار كاهن ورسام وعامل يقصدون روما. ثلاثة أصدقاء شبان يغامرون في مسارات مختلفة. جمعتهم الصداقة، وفرّقتهم المصالح والأهواء. ثلاثة غير متجانسين معاً، لديهم سؤال محدّد: ما أنت مستعد لفعله لتحقّق حلمك؟ فنان فقير يحركه طموح عال في بيئة خطرة. انتقل من تزوير اللوحات إلى تزوير أخطر. يغتني الفنانون، الذين يندمجون في مافيات العاصمة، شرط أن يتخلّصوا من دفقات الفضول والشجاعة المفاجئة. تمضي الأيام، وتفرض قوانينها على الناس من دون أن تعبأ بمحنهم وأحزانهم. كل فرد يبحث عن نجاته أولاً. ماذا يكون الرسام من دون يديه؟ ما بدا للرسام الشاب فرصةً للاستفادة، صار متاهة دموية. في هذا السياق، قتل بيار باولو بازوليني في منتصف سبعينيات القرن الماضي. حينها، كتب الروائي ألبرتو مورافيا أن "المجتمع الذي يقتل شعراءه مجتمع مريض". لربط ماضي إيطاليا بحاضرها، وصلت سليلة القمصان السوداء الأيديولوجية جورجيا ميلوني إلى رئاسة حكومة إيطاليا عام 2022، أي بعد قرن من وصول الحركة إلى حكم إيطاليا (La Marche sur Rome, 1922). في هذا السياق، صار أبناء الفلاحين الفقراء شيوعيين في العاصمة. لكن القضية النضالية لا تطعمهم، لذا يتورطون في سرقات مالية يشرعنها النضال. لا فرق بين الرفيق والمافيوزي سوى الشعارات. تستخدم الشعارات السياسية للتغطية على الجرائم المالية، لنشر البرافدا (الحقيقة الشيوعية). طغت الجريمة على الفن في الفيلم، لأن نتفليكس تعرف ما يطلبه المشاهدون. هكذا، ربما يكون "المزوّر" نسخة من أفلام سابقة. لتقديم روما 1970، اعتمد ستيفان لودُفيتشي راوياً خارجياً لتمرير معلومات لا تقدمها الكاميرا. تُدخل الأفلام، الخفيفة فنياً، المَشاهد في السياق بمقدمات خطابية. هذه مشكلة الرسام ومشكلة الفيلم، ليس فيهما جانب اختزال، ومفاهيم كبيرة. النحت والاقتضاب ثمرة ذهنية تركيبية، تقول الكثير في عدد قليل من الصُور والكلمات واللقطات. يقول ثيو أنجيلوبولوس إن "النحت حذفُ عناصر (تكون) خارج منطق الحبكة". لا يمكن حكي كل ما جرى. هذا عمل تنجزه كاميرا المراقبة في مصرف. بما أنه لا يمكن حكي كل شيء، فلا بُدّ من النحت والقصّ والاختزال والحذف، للمحافظة على الجوهري الدال. يحتاج كل رسام وسينمائي إلى ثقافة بصرية عميقة. لا فن من دون اختزال ونحت ومفاهيم. أين يلتقي الرسم والمسرح والسينما؟ في فضاء اللوحة والركح والديكور، ومصدر الضوء في اللقطة. تحدث مارسيل بروست عن مشاهد جداريات البندقية، وعن "الخط المنظور في المنحوتات" (رواية "الشاردة"، ص. 187). في الفيلم، نكتشف التاريخ الفني لروما بفضل مشهدين: في الأول، تتبَع الكاميرا كاهناً في مقره، ما يسمح برؤية الرسم الديني على جداريات الكنيسة. وفي الثاني، يقف الرسام قبالة صرح Coupole de Santa Maria del Fiore، الذي بناه فيلبو برونولوسكي، مكتشف المنظور، الرؤية. بمثل هذه المشاهد الفنية، تحتل الأفلام الإيطالية موقعاً كبيراً في برامج تعليم فن السينما. تعلّمنا سينما المنظور والرؤية، و"الرؤية تضفي دلالة".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية