عربي
يطلق الفلسطينيون على طائرات الاستطلاع الإسرائيلية اسم "الزنانة"، وهو وصف مشتق من الصوت المزعج الذي تصدره بينما تحلق فوق رؤوسهم. هذا الصوت الذي لا يُرى مصدره في غالبية الأحيان يُسمع بوضوح، وقد تحول إلى جزء من تفاصيل الحياة اليومية، حتى بات كثيرون يصفونه بأنه "مصدر الإزعاج الذي لا ينام".
وتحلق طائرات الاستطلاع الإسرائيلية فوق قطاع غزة على مدار الساعة تقريباً، سواء في أوقات الحرب أو خلال فترات التهدئة، في إطار عمليات المراقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية، لكن وجودها لا يقتصر على كونها وسيلة مراقبة، فصوتها يُسمع بوضوح في الأحياء السكنية والمخيمات، وحتى داخل المنازل، خصوصاً عندما تحلّق على مستويات منخفضة، وفي كثير من الأحيان، يصبح هذا الصوت هادراً في الليل عندما تهدأ ضوضاء الشوارع، ليعلو طنين "الزنانة" مذكراً السكان بأن الاحتلال يراقبهم.
وعادة ما يرتبط تحليق هذه الطائرات المسيّرة بعمليات عسكرية أو قصف مباشر، لكن أثرها لم يعد يتوقف على إطلاق الصواريخ أو تنفيذ الهجمات، بل يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، فالكثير من الفلسطينيين يربطون صوت "الزنانة" باحتمال وقوع قصف مفاجئ، ليصبح الصوت نفسه مؤشراً نفسياً على خطر وشيك، ما يجعل السكان يعيشون في حالة ترقب دائم.
تقول الفلسطينية أم خالد لظن (42 سنة)، من حي الشاطئ غربي مدينة غزة، وهي تشير بيدها إلى السماء: "أحاول أحياناً تجاهل الصوت، وأقول لنفسي إنها مجرد طائرة، لكنها لا تسمح لنا بالتجاهل، فصوتها يدخل إلى كل مكان، ويوقظ الأطفال من نومهم، ويجعلهم يخشون تجدد القصف". وتضيف لـ"العربي الجديد": "ننام على صوت الزنانات ونصحو عليه، وفي الليل يكون الصوت أقسى، لأن كل شيء صامت، لتبدو كأنها تحوم فوق رؤوسنا مباشرة، ورغم وقف إطلاق النار، لم نشعر أن الحرب انتهت، لأن الطائرات لم تغادر السماء. الأطفال يربطون بين صوت الزنانة والموت، وكلما اشتد الصوت، يختبئون في زاوية الخيمة".
بدوره، يقول الفلسطيني شعيب حماد (31 سنة) من مخيم النصيرات لـ"العربي الجديد": "الغريب أننا اعتدنا سماع الصوت، لكننا لم نعد نحتمله، فأن يصبح جزءاً من يومياتنا أمر يثير أعصابنا. الصوت بحد ذاته أصبح أداة ضغط نفسي، وكأنهم يريدون أن يقولوا لنا إنهم موجودون دائماً. أعمل من المنزل، وأحياناً لا أستطيع التركيز بسبب الطنين المتواصل. أشعر وكأن هناك عيناً تراقبني طوال الوقت، حتى في لحظات الهدوء، عندما يختفي الصوت فجأة، أشعر بالخوف لأنني أعتقد أن شيئاً سيحدث".
وتحولت "الزنانة" من مجرد وسيلة استطلاع إلى رمز للسيطرة، إذ يشعر الأهالي أنهم تحت المراقبة المستمرة، وأن تفاصيل حياتهم اليومية مكشوفة بالكامل، وأن الحرب لم تنته فعلياً، وأن الخطر لا يزال قائماً.
افتتحت المعلمة سمر أبو عودة (35 سنة) مركزاً لتعليم الأطفال بمجهودها الشخصي، وتقول لـ"العربي الجديد" عن أثر "الزنانة" على طلابها: "خلال الحصص الدراسية نضطر أحياناً إلى رفع أصواتنا بسبب الطنين، والأطفال يسألونني: لماذا لا تتوقف؟ لاحظت أن الكثير من الأطفال يرسمون الطائرات المسيّرة في دفاترهم، حتى في مواضيع لا علاقة لها بالحرب، وأحد طلابي رسم بيتاً وفوقه طائرة كبيرة، وعندما سألته لماذا؟ قال: لأنها دائماً فوق بيتنا".
ويزرع صوت التحليق المستمر شعوراً بعدم الأمان، إذ لا يقتصر تأثير طائرات الاستطلاع على الجانب العسكري، بل يمتد إلى التأثير النفسي العميق، وأظهرت تقارير حقوقية أن الصوت المستمر للطائرات يخلق حالة دائمة من القلق، ويعيد إلى الأذهان ذكريات الهجمات والقصف، حتى في غياب أي هجوم.
ويؤكد مختصون في الصحة النفسية أن صوت "الزنانة" يؤدي إلى اضطرابات النوم والأرق المزمن، مع صعوبة التركيز لدى الطلاب، وحالات توتر دائم، إلى جانب شعور مستمر بوجود تهديد وشيك، كذلك فإن التعرض المستمر لهذا الصوت يحفز الجهاز العصبي على البقاء في حالة استنفار، ما يؤدي إلى إنهاك نفسي طويل الأمد، خصوصاً لدى الأطفال والنساء وكبار السن.
ويبين المختص في علم النفس المجتمعي، أحمد الحاج، أن الصوت المستمر لطائرات الاستطلاع يشكل ضغطاً نفسياً حقيقياً، حتى من دون وقوع قصف فعلي. ويقول لـ"العربي الجديد": "الصوت المتكرر وغير المتوقع يُبقي الجهاز العصبي في حالة استنفار دائمة، والإنسان بطبيعته يحتاج إلى فترات من السكون كي يستعيد توازنه النفسي، لكن هذا السكون شبه غائب في قطاع غزة".
ويتابع الحاج: "عندما يرتبط الصوت بتجارب سابقة من القصف والخسارة، فإنه يتحول إلى محفز للصدمة، ومجرد سماعه قد يعيد مشاهد مؤلمة إلى الذاكرة، خصوصاً لدى الأطفال والناجين من القصف. نحذر دوماً من الآثار بعيدة المدى لهذا الأمر، مثل اضطرابات النوم المزمنة، والقلق العام، وفرط اليقظة، والمشكلات السلوكية لدى الأطفال، فصوت الطائرات المسيّرة ليس مجرد ضجيج، بل رسالة مستمرة تبقي المجتمع في حالة توتر، وهذا أحد أشكال الضغط النفسي الجماعي".
وبالنسبة إلى سكان غزة، لم تعد الحرب مرتبطة بدوي الانفجارات فقط، بل بصوت الطائرات المسيّرة الذي يسبقها، أو يحل مكانها، وهذا الصوت المستمر أصبح جزءاً من الحياة اليومية، يدخل إلى البيوت من دون استئذان، ويُربك التفكير، ويمنع الشعور بالأمان، ما يخلق بيئة مرهقة تجعلهم يعيشون في حالة توتر دائم، وكأن الحرب مستمرة.
