عربي
تتصدّر قضايا الهجرة واللجوء المشهد السياسي والاجتماعي في النمسا منذ بدء العام الحالي، وسط حراك قوي نحو تشديد القوانين، وارتفاع وتيرة الترحيل، وتصاعد تأثير القوى اليمينية القومية داخل تحالف الحكم وفي البرلمان.
وأعلن وزير الداخلية النمساوي غيرهارد كارنر، في يناير/ كانون الثاني الماضي، أنّ بلاده شهدت العام الماضي أعلى معدل ترحيل منذ بدء الإحصاءات، الذي تجاوز 14 ألفاً، بمتوسط نحو 40 شخصاً يومياً، طوعاً أو قسرياً، وشمل ذلك لاجئين ومهاجرين انتهت طلباتهم أو صدرت في حقهم إدانات جنائية، وأيضاً رعايا دول تُعتبر "آمنة نسبياً" في إطار سياسة صارمة لتقليص الهجرة غير النظامية وتعزيز الأمن الداخلي، في وقت يستمر الجدل بشأن معايير السلامة في بلدان المنشأ وحقوق اللاجئين.
وتشير الإحصاءات إلى أنّ نحو نصف المرحّلين تورطوا بجرائم، بينما اختار آخرون المغادرة طوعاً ضمن برامج العودة المدعومة من الدولة. بينما انتقدت منظمة العفو الدولية في 12 فبراير/ شباط الجاري السياسات النمساوية المتشدّدة.
ومدّدت الحكومة النمساوية قرار تجميد لمّ شمل عائلات اللاجئين المعترف بهم وحاملي بطاقات الحماية الفرعية حتى 2 يوليو/ تموز المقبل، استناداً إلى المادة 36 من قانون اللجوء. ودعم القرار ائتلاف يضم الحزب الشعبي المحافظ والحزب الاجتماعي الديمقراطي وحزب "نيوس" الليبرالي، وأيضاً حزب الحرية اليميني المتشدّد الذي طالب بتسريع عمليات الترحيل. وذكرت الحكومة أن السماح بلمّ الشمل في هذه المرحلة سيزيد الضغط على المدارس والسكن والخدمات الاجتماعية، خاصّة في البلديات الصغيرة التي استقبلت تدفقات قياسية منذ عام 2022.
واستند التمديد إلى دراسة تحليلية أجرتها وزارة الداخلية لأثر لمّ الشمل، والتي حذرت من أنّ تدفق المزيد من الوافدين سيُجهد المدارس والخدمات الاجتماعية والإسكان. وكان التجميد فُرض للمرة الأولى في 3 يوليو/ تموز 2025، ولم تمنح منذ ذلك الحين إلّا استثناءات إنسانية قليلة، وأكد وزير الداخلية كارنر أن "الضغوط الهيكلية لم تتغيّر جوهرياً"، وأصرّ على أن هذا الإجراء ضروري لحماية النظام العام والأمن القومي.
بالنسبة إلى أصحاب العمل ومديري شؤون النقل، يُزيل التمديد حالة عدم اليقين قصيرة الأجل في شأن سفر العاملين، لكنه يُطيل أمد التحديات التي تواجه الموارد البشرية، إذ لا يستطيع الموظفون الجدد ذوو الوضع المحمي إحضار أزواجهم أو أطفالهم، ما يُعقّد عملية توظيف الكفاءات والاحتفاظ بهم على المدى الطويل. ويتعين على الشركات مراعاة ارتفاع تكاليف رعاية الأسر المشتتة، والاستعداد لتغيّرات مفاجئة في السياسات في حال نقضت المحاكم القرار، وبدأت منظمات غير حكومية فعلاً دراسة إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية أمام المحكمة الدستورية النمساوية ومحكمة العدل الأوروبية.
عموماً توازن الحكومة النمساوية الحالية بقيادة المستشار كريستيان شتوكر بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وتتشدّد نسبياً في الهجرة، في وقت يظل حزب الحرية اليميني القومي المعارض خارج السلطة لكنّه يؤثر بوضوح في النقاشات السياسية حول الأمن واللجوء.
وأثار تعليق لمّ الشمل اعتراضات لدى منظمات حقوقية وأحزاب، مثل حزب الخضر، التي اعتبرت أنه يقوّض حقوق الإنسان ويزيد العبء النفسي على اللاجئين المعترف بهم، خاصة الأسر من سورية وأفغانستان التي تنتظر لمّ شمل أفرادها.
ويقود حزب الحرية النمساوي اليميني القومي الضغط على الحكومة لتشديد سياسة الهجرة، ويُطالب بإلغاء الحماية عن اللاجئين السوريين وتسريع ترحيل المرفوضين إلى بلدان المنشأ، مستفيداً من القواعد الجديدة للاتحاد الأوروبي، التي أقرها البرلمان في 2 فبراير الجاري للسماح بترحيل المهاجرين عبر "دول ثالثة آمنة". وتعكس هذه التوجّهات تناغماً بين اليمين القومي النمساوي والاتجاهات الأوروبية نحو تطبيق سياسة أكثر تشدداً، ما يُبرز التأثير القومي على الصياغة التشريعية في فيينا، رغم اعتراضات جماعات حقوق الإنسان على المخاطر المحتملة للمرحَّلين.
وصيف العام الماضي أثارت النمسا جدلاً واسعاً حين رحّلت لاجئاً سورياً إلى بلاده، ما جعلها أول دولة أوروبية تفعل ذلك منذ سقوط نظام الأسد. وحصل ذلك بعدما سحبت وضع السوري كلاجئ بسبب ارتكابه جرائم جنائية. وأكدت وزارة الداخلية حينها أن "الخطوة جزء من نهج هادئ وعادل في التعامل مع ملفات اللجوء والترحيل"، لكن ذلك لم يمنع انتقاد منظمات حقوقية دولية الخطوة، وسماح المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بترحيل رجل إلى سورية، رغم استمرار تصنيف الأمم المتحدة سورية دولةً غير آمنة للعودة. وطالبت منظمة العفو الدولية بإعطاء سلامة الأشخاص الباحثين عن حماية أولوية في تقييمات الترحيل، وحذّرت من أن "هذه السياسات متهوّرة ومتسرّعة".
وعلى الصعيد الاجتماعي، يشعر نحو 100 ألف لاجئ سوري يُقيمون في النمسا وغيرهم من طالبي اللجوء بعدم الأمان حيال مستقبلهم في النمسا، إذ يواجهون خطر إلغاء صفة اللجوء وخسارة فرص لمّ الشمل، حتى إذا كانوا قد اندمجوا وتعلّموا اللغة الألمانية، ما يثير مخاوف من تردّي أوضاعهم النفسية والاجتماعية.
وعموماً تتشكل الحكومة الحالية في النمسا من ائتلاف معقّد يجمع أحزاباً وسطية ويمينية قوية، ما يؤثر في مسارات سياسة الهجرة. ويميل حزب الشعب النمساوي لتبني نهج واقعي قائم على الأمن وتنظيم الهجرة، بينما يضغط حزب الحرية بطابع يميني قومي لتنفيذ مزيد من الإجراءات الصارمة، مثل ترحيل طالبي اللجوء المرفوضين بسرعة، ورفع معايير قبول اللجوء، وتصنيف المزيد من الدول بأنها "آمنة".
وطرح بعض السياسيين من التيار اليميني القومي مفهوم "الهجرة العكسية نحو بلاد المنشأ"، والذي يهدف إلى تسريع عودة المهاجرين الذين يعتبرون إقاماتهم غير مبرّرة أو انتهت صلاحية طلبات لجوئهم، إضافة إلى توسيع قائمة الجرائم والمخالفات القانونية التي تبرّر سحب صفة اللجوء.
ويُنظر إلى هذه التوجهات بأنها استغلال للنفوذ السياسي لتيارات اليمين في النمسا، خاصّة مع زيادة القلق الشعبي من الضغوط على الخدمات العامة والأسواق، ما يدفع الطبقة السياسية إلى تبنّي سياسات هجومية في مواجهة الهجرة غير النظامية.
ولا تُعزل تطورات النمسا عن الاتجاه العام في أوروبا، إذ أقرّ البرلمان الأوروبي في 10 فبراير قواعد جديدة لتسريع رفض طلبات اللجوء وترحيل المهاجرين إلى دول مصنّفة بأنها "آمنة"، ما يعكس صعود مشاعر معارضة الهجرة لدى بعض دول الاتحاد، وتتيح القواعد أيضاً إنشاء مراكز للعودة خارج الاتحاد، إذ يُمكن للمهاجرين الذين استنفدوا كل السبل القانونية أن يُنقلوا إليها أثناء إعادة النظر في وضعهم.
من جهتها، تسعى النمسا بالتعاون مع دول أوروبية أخرى إلى إنشاء مراكز ترحيل في بلدان ثالثة، مثل أوغندا ودول في آسيا الوسطى، بهدف إعادة هيكلة سياسات العودة والمعالجة. ويشهد المجتمع النمساوي انقساماً واضحاً بين من يرون أن السياسات الصارمة ضرورية لحماية الموارد الاجتماعية ومراكز العمل، وبين من يعتبرون أن هذه الأساليب تتهم اللاجئين ظلماً وتُخاطر بحقوقهم الأساسية. وتظهر استطلاعات للرأي أن العديد من المواطنين يطالبون بسياسات أكثر صرامة، لكن أصواتاً تُبرز أهمية الاندماج واحترام الإنسانية في التعامل مع مطالب اللجوء.
وفي كل الأحوال تقف النمسا عند مفترق طرق في سياسات الهجرة، إذ تجمع بين تشديد القوانين وترحيل آلاف الأشخاص وتعليق حقوق اجتماعية، مثل لمّ شمل العائلات، في ظل ضغوط من الأحزاب اليمينية القومية التي تؤثر في تشكيل السياسات. وبينما تستجيب فيينا للاتجاهات الأوروبية نحو تشديد نظام الهجرة والعودة يبقى الجدل حول تأثير هذه الإجراءات على حقوق الإنسان والاندماج الاجتماعي محتدماً، ما يجعل هذه القضية إحدى الأكثر إثارة للنقاش في السياسة والمجتمع النمساوي.
