مأرب في رمضان.. مدينة تصوم على إرث التاريخ وتفطر على دفء القبيلة
أهلي
منذ 5 ساعات
مشاركة

يمن مونيتور / وحدة التقارير / عبدالله العطار

في مأرب، لا يعلن هلال رمضان مجرد بداية شهر الصوم، بل يستدعي تاريخاً عريقاً يمتد من أطلال السد القديم إلى تفاصيل الحياة اليومية. هذه المحافظة الواقعة شرق البلاد، والمترامية الأطراف تحولت خلال سنوات الحرب إلى ملاذ لملايين النازحين من مختلف المحافظات اليمنية، يعيش سكانها رمضان بطابع خاص؛ تلتقي فيه روحانية الشهر الكريم بقيم التكافل القبلي، ويواجه الناس ظروف النزوح بصبر وإصرار، متمسكين بالأمل رغم الأوجاع.

طقوس رمضانية بنكهة مأربية

منذ الليلة الأولى، تتبدل ملامح المدينة…الأسواق الشعبية تزدحم قبيل الغروب، وتفوح روائح “الشفوت” والمعصوبة والجمري و”السلتة”  بينما تتعالى أصوات الباعة وهم يعرضون منتوجاتهم الرمضانية.

وتحرص كثير من الأسر على إعداد أطباق تقليدية تتوارثها الأجيال، فتجتمع العائلة حول مائدة الإفطار في مشهد يختزل معنى الألفة.

قبيل أذان المغرب، يسود سكون مهيب، لا يقطعه إلا دعاء الصائمين ،وما إن يصدح الأذان حتى تتوحد المساجد والبيوت على  تمر الافطار وسفره الممتدة ،وتتوالى الأطباق، في بساطة لا تخلو من كرم فطري اشتهرت به مأرب، وتمتلئ الصفوف بالمصلين، وسط أجواء إيمانية مهيبة.

روح التكافل

أبرز ما يميز مأرب في رمضان هو اتساع موائدها؛ فالمدينة التي استقبلت موجات النزوح تحولت إلى نموذج حيّ للتكافل،حيث تنتشر موائد الإفطار الجماعي في الأحياء والمخيمات والمساجد، ويتسابق الأهالي ورجال الأعمال والمؤسسات على دعم الأسر الأشد احتياجا.

فلا يسأل الضيف من أين أتى، بل يستقبل بعبارةٍ واحدة: “حياك الله”.
وفي الأحياء السكنية، تتبادل الأسر الأطباق قبيل المغرب، في عادة اجتماعية تعزز أواصر القربى.
كما تُنظَّم أمسيات رمضانية ثقافية وقبلية، تتلى فيها القصائد، وتُستعاد سير الأجداد، ويناقش فيها الشأن العام في إطار من الود والتشاور.

تلاقي العادات في مائدة واحدة

رغم أن لرمضان طقوسا متشابهة في معظم المحافظات اليمنية، فإن لمأرب خصوصيتها الواضحة، فهي مدينة تجمع بين الأصالة القبلية والانفتاح الاجتماعي؛ إذ يعيش فيها أبناء مختلف المحافظات في نسيجٍ واحد.

هذا التنوع أضفى على رمضان طابعا جامعا، حيث تتلاقى العادات الصنعانية والتهامية والجنوبية في مائدةٍ واحدة.

كما تتميز مأرب بامتدادها الجغرافي المفتوح، ما يجعل لياليها أكثر صفاء وهدوءا، وكان من العادات المعروفة من قبل حرص بعض الأهالي على إقامة إفطارات في البر او خارج البيوت ليفطر المارون معهم، مستحضرين روح البادية بما تحمله من بساطة وصفاء.

كما يتوقف المشهد الرمضاني في مأرب عند ذاكرة رجالها المهتمين بالتراث، ممن عايشوا تفاصيل الأمس، واستعادوا صوره في ذاكرة الحنين.

ما الذي يميز مأرب عن غيرها؟

يرى علي الحواني، مدير عام إذاعة مأرب المحلية وأحد الرواة لتراث مارب …يقول في وادي عبيدة، أن خصوصية رمضان المأربي كانت أكثر وضوحا في الماضي، قبل أن تتداخل العادات بفعل النزوح والتحولات الاجتماعية.

ويقول إن من أبرز ما كان يميز ليالي الشهر الكريم في مأرب الألعاب الشعبية التي تقام عقب صلاة التراويح؛ حيث كانت القرى تضج بضحكات الأطفال والكبار وهم يمارسون ألعابا تقليدية مثل “الغميضة” و”ليلة حل” وغيرها من الألعاب التي سبقت  زمن  التلفزيون والهواتف ،حيث كانت الأزقة مسرحا مفتوحا للبراءة، والبيوت متقاربة كقلوب أهلها، غير أن هذه المظاهر – كما يأسف الحواني – انحسرت كثيرا جدا، حتى كادت تنقرض.

ويستعيد الحواني صورة التجمعات الرمضانية القديمة، حين كان أهل القرية الواحدة – عشرة بيوت أو خمسة عشر – يجتمعون على مائدة واحدة، هذا يحمل الشوربة، وذاك يأتي بالشفوت، وآخر بالعصيد أو خبز الشعير، فتكتمل المائدة بجهود الجميع، ويصبح الإفطار طقسا جماعيا تتجسد فيه روح التكافل بأبهى صورها.

كما يشير إلى عادة اجتماع أفراد البيت الكبير عند كبير الأسرة طوال الشهر؛ حيث يرمضون جميعا في منزل الجد أو الجدة، كل يأتي بما تيسر من طعامه ونفقته، فيتحول البيت الكبير إلى خيمة جامعة للأبناء والأحفاد.

ولا يغفل الحواني عن عادة الزيارات الليلية بعد العشاء، حين يحمل الأقارب ثلاجات من القهوة الملبنة”  قهوة كانت تصنع من حليب الإبل يضاف إليها الملح”، أو البُن أو القشر، ويتنقلون بين بيوت الخالات والعمات والأرحام، في مشهد يعزز صلة الرحم ويجعل من رمضان موسما للمحبة قبل أن يكون موسما للطعام.

تجهيز المنازل أرتبط بتطهير الروح

من جانبه، يوضح الباحث في التراث المأربي مسعد عكيزان أن رمضان في مأرب لا يختلف في جوهره عن بقية المجتمعات اليمنية، وإن كانت هناك تمايزات بسيطة تفرضها الخصوصية الثقافية للمكان. ويشير إلى أن الاستعداد للشهر يبدأ بتنظيف البيوت وغسل الأثاث، في طقسٍ رمزي يعكس تطهير المكان كما تُطهَّر الروح بالصيام.

أما المائدة الرمضانية، فيؤكد عكيزان أن القهوة – خاصة قهوة البن – تعد عنصرا أساسيا في الفطور والسحور، إلى جانب التمر الذي يتصدر السفرة كما في سائر المدن اليمنية.

ويضيف كان من المألوف قديما أن تذبح المواشي يوميا في بيوت المقتدرين، أو أن يخصص المربّون جزءًا من ماشيتهم للشهر الكريم، غير أن هذه العادة تراجعت كثيرا مع تدهور الأوضاع الاقتصادية، فاكتفت الأسر بما تيسر من اللحم أو بما يتاح من بدائل.

ويلفت عكيزان إلى أن السهر حتى السحور يظل من أبرز ملامح رمضان في مأرب؛ إذ تمتد المجالس إلى ما بعد منتصف الليل، ولا يخلد كثير من الناس للنوم إلا بعد صلاة الفجر، في انسجام مع إيقاع الشهر الذي يقلب نظام الحياة ويمنح الليل حضوره الخاص.

بهذا التفصيل، تتكامل شهادة الحواني بوصفه شاهداً على التحولات الاجتماعية، مع رؤية عكيزان بوصفه باحثاً يقرأ العادات في سياقها الثقافي، لتتشكل صورة متعددة الأبعاد لرمضان في مأرب، بين ما كان وما لا يزال حاضراً في الذاكرة والممارسة.

مأرب احتضنتنا كأهل

أما أم محمد، نازحة من إحدى المحافظات، فتؤكد بالقول أن “مأرب احتضنتنا كأهل، ولم نشعر يوما بالغربة،..في رمضان تحديدا، تتضاعف المبادرات، ويحرص الجيران على مشاركتنا الإفطار، وكأننا أسرة واحدة.

ويضيف الشاب عارف محمد: رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، يظل الناس هنا حريصين على إحياء العادات الرمضانية. قد تقل الإمكانات، لكن الروح باقية.

لا يمكن الحديث عن رمضان في مأرب دون الإشارة إلى التحديات؛ فالحرب أثقلت كاهل المدينة، ورفعت من معدلات الفقر والبطالة، وضاعفت الأعباء على الخدمات، ومع ذلك، تظل مأرب محافِظة على نبضها المتماسك، تستقبل الشهر الكريم بقلب مفتوح، وتحول معاناتها إلى دافع للتضامن المتزايد.

في مأرب، لا يقاس رمضان بوفرة الموائد وحدها، بل بعمق الروابط الإنسانية. هنا، يصوم الناس عن الطعام، لكنهم لا يصومون عن الأمل. تتعانق في لياليها روح التاريخ مع نبض الحاضر، ويكتب على ترابها فصل جديد من حكاية الصبر اليمني… هكذا تبقى مأرب، مدينة تصوم على إيقاع التاريخ، وتفطر على وعد متجدد بالحياة.

The post مأرب في رمضان.. مدينة تصوم على إرث التاريخ وتفطر على دفء القبيلة appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية