صادق هيسان.. حكاية مخرج إذاعي بدأت من نافذة المطبخ
أهلي
منذ 4 ساعات
مشاركة

أصحاب الجلالة – أعد حلقاتها لـ”يمن ديلي نيوز” عدنان الشهاب: عمل طباخاً مع المقاومة في مأرب، منذ الأشهر الأولى للمقاومة، اختطفته جماعة الحوثي المصنفة إرهابيا، ليقرر بعدها العودة الى مأرب لينتقم لحريته وكرامته، يؤمن بأن حرية الإنسان هي أغلى ما يملكه، وأن الاعلام رديف البندقية.

درس صادق مرشد هيسان، المولود عام 1990، المرحلة الابتدائية والثانوية بقرية النجارية، عزلة جبل حُرَيم، مديرية حزم العدين محافظة إب، وعاش طفولته بين الاجتهاد الدراسي والعمل الشاق في بيئة ريفية جبلية، حيث كان يقضي الصباح في المدرسة، بينما يخصص وقت المساء للعمل ومساعدة أسرته.

تضمنت مهام صادق الطفولية رعاية الغنم وحماية المحاصيل الزراعية، مثل الذرة الشامية) من القرود التي كانت تنزل بكثرة في مواسم الحصاد.

يحب الرياضيات ويتعلم بالملاحظة

رغم مشقة العيش والصعوبات التي واجهها في القرية، كان صادق طالباً متميزاً جداً، حيث كان يحقق المركز الأول في جميع الصفوف الدراسية، وكانت الرياضيات مادته المفضلة، لم يتمكن من اكمال دراسته الثانوية بسبب الظروف المادية والعمل المبكر.

أظهر صادق منذ صغره قدرة عالية على التعلم والملاحظة، وهي الموهبة التي ساعدته لاحقاً في إتقان المهن التي عمل بها مثل الطبخ والخبازة والعمل في الإذاعة.

نشأ صادق تحت توجيه والده، الذي كان جندياً في الجيش، كان يحثه على الاعتماد على نفسه؛ ويرفض أخذ أي مبلغ مالي منه، ويشجعه دائماً بقوله: “ابنِ مستقبلك”.

وصف صادق عيشة القرية بأنها كانت مليئة بـ”المعاناة والصعوبات”، خاصة في توفير لقمة العيش، وهو ما دفعه لاحقاً لمغادرتها والبحث عن عمل في مأرب. يقول “إن الوضع كانا من الأسباب الرئيسية التي أثرت على استمراريته في اكمال دراسته”.

مأرب.. المحطة الأولى

في العام 2009، غادر صادق القرية باتجاه مأرب، وعمل في أحد المطاعم الشعبية، كعامل “مباشر” لمدة ثلاثة أشهر، وبفضل سرعته في التعلم، انتقل سريعاً ليصبح “معلم طباخ” متخصصاً في الأكلات الشعبية، كما تعلم مهنة الخبازة خلال أسبوع واحد فقط؛ حيث كان يراقب الخباز ويحل محله عند غيابه حتى أتقن المهنة تماماً.

تمكن خلال عام من جمع تكاليف بناء بيت له في القرية. حالياً، البيت غير مسكون ومغلق وقد ذكر بمرارة أنه بدأ يخرب نتيجة الإهمال وطول فترة غيابه.

في عام 2011، وبعد ان جهز البيت، قرّر صادق الزواج من ابنة خالته، وهي فتاة درس معها في القرية وكانت تربطه بها معرفة سابقة، حيث كانت شقيقته صديقة مقربة لها وتنقل له أخبارها.

حاول والد الفتاة “تعكير” الشرط ووضع عراقيل أمام صادق، غير أن صادق قبل كل الشروط، ودفع المهر 600 ألف ريال، وهو مبلغ اعتبره كبيراً مقارنة بما كان يدفعه الآخرون (حوالي 400 ألف ريال)، وذلك لأنه كان معجباً بالفتاة، ومصراً على الزواج منها، وهو ما كان حيث تزوج واستقر في بيته.

مع المقاومة منذ الأشهر الأولى

في عام 2015، ترك العمل بالمطاعم، وانتقل للعمل مع المقاومة بالأجر اليومي كطباخ في معسكراتهم وجبهاتهم، (معسكر مدرسة القوات الخاصة، وجبهة “المشجح”)، حيث كان يطبخ كميات كبيرة من الطعام للمقاتلين، وقد أحدث لهم نقلة نوعية ومميزة في نوع الأكل والطباخة وتجهيزه بالوقت المحدد، ثم اقترح عليه أحد الضباط أن يضم اسمه للجيش فوافق.

استمر صادق في عمله مع المقاومة لأشهر، قبل أن يطالبهم بالسماح له بالسفر إلى القرية، في البداية رُفض طلبه خوفاً من تعرضه في الطريق لأي مخاطر، واحتمالية تعرضه للاختطاف.

لم يكترث صادق لهذه التحذيرات كثيراً؛ لاعتقاده أن هويته وعمله مع المقاومة غير معروف لأحد، حيث يقضي معظم وقته في المعسكر.

كان دافعه الأكبر للسفر هو رؤية ابنه البكر “محمد” الذي يبلغ من العمر ثلاثة أشهر وهي المرة الأولى التي سيراه، مما جعله يقطع إجازة رسمية ويقرر السفر رغم كل المخاوف.

اختطافه في ذمار

في نقطة التفتيش التي اشتهرت بـ”أبو هاشم” في مدينة رداع محافظة البيضاء، اثناء المرور، أقنعهم بأنه مجرد طباخ (مستدلاً بآثار الطبخ على يديه)، لكن تم الإبلاغ عنه من قبل مسافرين معه في السيارة بأنه جندي، كان قد تحدث معهم في الطريق عن عمله في المعسكر.

طاردت ثلاثة أطقم عسكرية، السيارة التي كان يستقلها، كان ذلك قبل المغرب بدقائق، لم يكن يعرف ما الذي يحدث، حاصرت الأطقم السيارة، ثم اقتيد إلى البحث الجنائي بمدينة ذمار.

مراسل ناطق التحالف (العسيري)

بدأت التحقيقات معه بعد المغرب واستمرت في أوقات متأخرة (الساعة 2 فجراً)، أثناء التحقيق تعرض لـ التهديد، السب، والإهانات اللفظية، واتهموه بأنه “داعشي” ومراسل للناطق الرسمي باسم التحالف، “أحمد عسيري”.

صادر الحوثيون كل ممتلكاته، بما في ذلك هاتفه الجديد وملابسه، ولم يسترد منها شيئاً.

ظروف السجن المركزي

قضى صادق ثلاثة أشهر وعشرة أيام في السجن المركزي بمدينة ذمار، وُضع في غرفة ضيقة مع حوالي 80 إلى 90 سجيناً، كان احتجازه مع أشخاص يعانون من اضطرابات عقلية (مجانين) هو أقسى أنواع التعذيب النفسي الذي واجهه، كانت الحمامات تفتقر للأبواب والخصوصية، وكان السجن مليئاً بالروائح الكريهة.

كان الطعام سيئاً جداً، حيث كان الرز المقدم في الغداء يحتوي على الحصى، وعانى صادق من جوع شديد، لم يستطع الأكل بسبب قلة النظافة ورداءة الطباخة، وهو أسلوب تستخدمه جماعة الحوثي لتعذيب المختطفين، كما يقول صادق.

بوفية في السجن

وبسبب معاناته وجوعه، اقترح على مشرف السجن الذي يمتلك بقالة في السجن أن يحول جزءا منها الى “بوفيه” لبيع الوجبات الخفيفة والمشروبات للسجناء، وعرض عليه أنه سيتولى الطباخة، أُعجب “المشرف” بالمقترح طمعا في زيادة الدخل.

في البوفية الجديدة اشتغل صادق طباخاً لمدة شهر ونصف، وهو ما ساعده على إثبات مهنته الأصلية كطباخ وتحسين ظروف معيشته داخل السجن.

بعد معاملة ومواعيد عدة ومماطلة، أُفرج عن صادق بوساطة، وخرج وهو يشعر أن “الحرية أغلى من كل شيء” بعد أن فقد كل مدخراته ومقتنياته.

النقمة والرغبة في المواجهة

بعد خروجه من السجن شعر صادق بأنه “ميلاد جديد” له، أصبح يؤمن إيماناً مطلقاً بأن الحرية هي أغلى ما يملكه الإنسان.

خرج بروح “ناقمة” جداً بسبب حجم الإهانة والذل الذي تعرض له أثناء الاختطاف والتحقيق.

وصف صادق الجماعة بأنها “فاسدة”، وعناصرها بـ”الجبناء” واستدل بحادثة كيف فزعوا وصاحوا عندما تركوه في غرفة التحقيق وكان فيها بندقية آلية، وتعالت أصواتهم “الداعشي” “الداعشي”، يقول صادق إنه تظاهر بالهدوء وعدم الاهتمام بالأمر.

قرر صادق أن النضال ضد الحوثيين واجب مقدس، وهو ما دفعه للعودة الى مأرب ليس من أجل المال كما كان قبل اختطافه بل من أجل مواجهة الحوثيين.

العودة الى مأرب

مكث صادق في قريته بعد الإفراج عنه مدة ثلاثة أشهر تقريباً، وكان يعاني من “تنمر” المجتمع، ما دفعه لاعتزالهم بشكل كامل، فقد كان يخطط للعودة إلى مأرب.

لم يخبر أحداً بنيته السفر، حتى عمه الذي كان ضامناً له، وذلك لتجنيب عمه أي إحراج أو مسؤولية أمام الحوثيين، في الطريق استخدم وسائل للتمويه حتى تمكن من تجاوز نقاط تفتيش الحوثيين.

بمجرد وصوله مأرب، يقول إنه خضع للتحقيق لدى الاستخبارات للتأكد من هويته وقصة هروبه، كان المطبخ الذي أسسه للمقاومة قد انتهى وفشلوا في الحفاظ عليه، ليتم توزيعه للعمل في “فرن” المعسكر.

العمل في الاذاعة

أثناء عمله بـ “الفرن” ليلاً، عمل صباحاً طباخاً لدى إذاعة (صوت الوطن)، ثم انتقل للعمل كحارس، وخلال فترة حراسته، كان يراقب المخرجين والمهندسين بدقة ليتعلم كيفية تشغيل وإطفاء الأجهزة والتعامل مع برامج الصوت.

استغل فترات حراسته لمراقبة المخرجين والمهندسين وتعلم كيفية تشغيل الأجهزة، بدأ من الصفر تقنياً؛ حيث تعلم أساسيات الكمبيوتر، النسخ واللصق، ثم اعتمد بشكل مكثف على مقاطع اليوتيوب لتعلم المونتاج والإخراج.

استغل صادق وقت فراغه ليجلس بالأستوديو ويلاحظ عمل الفنيين، ولأنه سريع التعلم من الملاحظة الدقيقة، تمكن من فهم معظم أساسيات العمل، وحين يتغيب أحدهم يستغل ذلك في تغطية مواقعهم ولو بأمور بسيطة.

أول عمل فني

في أحد الأيام وبسبب تغيب المخرج، كلفه المدير الجديد للإذاعة، محمد الجماعي، بتجهيز “فلاش” لذكرى 14 أكتوبر؛ يقول صادق “إنه سهر صادق حتى الفجر” ليتعلم ذاتياً كيفية دمج الصوت مع الموسيقى باستخدام برنامج “أدوبي”، ونجح في ذلك ونجح في تجهيز الفلاش الذي بثته الإذاعة حينها.

التدرج الوظيفي والتطوع في العمل

في البداية عمل صادق في الإذاعة في مجال “الجدولة الإذاعية” لأكثر من سنة، وكان خلالها يراقب عمل المخرجين بجواره ليتعلم منهم.

بعدها عمل كمخرج متطوع (بدون مقابل) لمدة عام كامل بدلاً عن أحد زملائه ليتمكن من ممارسة العمل الفني وإتقان التعامل مع “المكسر”، وانتهى به المطاف كمخرج محترف في واحدة من أهم الإذاعات المجتمعية اليمنية في مأرب وهي إذاعة الاتحادية التي تبث بموجات الـ FM وأصبح اسم صادق هيسان، على مسامع سكان المدينة بشكل يومي.

يذكر صادق أن بعض المخرجين في الإذاعة لم يكونوا متعاونين في تعليمه، ويرفضون العمل أمامه، لكيلا يعرف كيف يستخدمون الأجهزة أو البرامج، والبعض كان “يضيق” إذا حاول التعلم منهم، ويقدمون له معلومات بسيطة لا تكفي لإتقان المهنة، ما دفعه للملاحظة الصامتة، والاعتماد الكلي على اليوتيوب لتجاوز هذا الحاجز.

الأشخاص الذين شجعوه

يذكر صادق أن الأشخاص الذين شجعوه أثناء بداية عمله في العمل الفني بالإذاعة هو، المهندس خليل التويج، الذي شجعه وسمح له بالتواجد في الاستوديو ومراقبة العمل، كما أن باسم الشراجي، شجعه تقنياً من خلال تعليم المبادئ الأساسية للحاسوب، مثل اختصارات النسخ واللصق، وغيرها، مما مكنه من البدء في التعلم الذاتي.

والشخص الثالث هو مدير الإذاعة محمد الجماعي، فقد منحه الثقة بتكليفه بأول عمل إخراجي (فلاش 14 أكتوبر)، مما ساعده على كسر حاجز الخوف من برامج المونتاج.

نظرة مختلفة للحياة

يقول صادق إنه لم يكن بهذه الرؤية للحياة قبل اختطافه، كان يرى من نفسه شخصاً عادياً تقتصر همته على العمل والحصول على المعاش.

لم يكن يدرك ما الذي يحدث في البلاد وما أسباب الحرب، ولا يعرف عن الحوثيين أي شيء، لكن بعد خروجه من السجن رأى أن مواجهة الحوثيين واجبة وأن لا معنى للحياة والكرامة في ظل سيطرة هذه الجماعة على البلاد.

يرى صادق في “الميكروفون” والإذاعة وسيلة فعالة لكشف جرائم الحوثيين، فهو لا ينظر لعمله الإذاعي كمجرد وظيفة، بل كقضية وجودية للرد على من وصفهم بـ “الفاسدين” والذين حاولوا كسر إرادته داخل المعتقل.

سلسلة حلقات “أصحاب الجلالة” :

الحلقة الأولى: عبدالملك السامعي رحلة صحفي عايش الرعب والحرية وأعاد الحياة لصحيفة الجيش اليمني

الحلقة الثانية: عبدالملك السامعي.. رحلة مخرج صحفي تنقل بين 14 مؤسسة حكومية وحزبية ومستقلة

الحلقة الثالثة: فاطمة الخالدي.. حكاية إعلامية إذاعية ودرامية تصارع التهميش وأزمة الجنسية

الحلقة الرابعة: جبر صبر.. حكاية صحفي بدأ مسيرته من الأهرام المصرية

الحلقة الخامسة: إياد المصقري.. إعلامي ولد بقلب المعركة عايش زهو الانتصار ووجع الانكسار

الحلقة السادسة: فهد العيال: من البندقية إلى الكاميرا … حيث كانت الكلفة أفدح

الحلقة السابعة: وديع عطا.. سيرة صحفي صاغته مدرسة يحيى علاو واحتراف حميد شحرة (1-2)

الحلقة الثامنة: مابين الناس والمنفى.. محطات مفصلية في مسيرة وديع عطا الإعلامية (2-2)

الحلقة التاسعة: محمد الأشول.. حكاية نجاح ولدت من رحم التحديات وبدأت بفكرة إعلان لـ”كاك بنك”

الحلقة العاشرة: عبدالحميد الشرعبي.. شاهِدُ الحروب وراويها الرسمي من وادي النشور إلى مأرب

ظهرت المقالة صادق هيسان.. حكاية مخرج إذاعي بدأت من نافذة المطبخ أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية