الرشادبرس_ مقالات
بقلم-الشيخ الدكتور /محمد بن موسى العامري _رئيس الهيئة العليا لإتحاد الرشاداليمني
قاعدة ربانية ، تحكم الأمم ، والحضارات ، كما تحكم الأفراد ، ليس هناك خلود دائم ولابقاء لأحد ، ومن تأمل القرآن الكريم تجلى له هذا المعنى المتكرر في سير وأحداث الأمم السابقة ، وفي بديع سردية القرآن الكريم للأمم في علوها وانحسارها إشارات واضحة ، إلى عوامل الفناء والهلاك ، في ثنايا قصصهم ، لاستلهام الدروس والعبر ، كما في سورة هود – على سبيل المثال – حكاية لعدة أمم ابتدأها بقوم نوح ، فعاد ، فصالح ، فلوط ، فشعيب ، فموسى ، وفي جميعها يذكر القرآن نهايتهم وهلاكهم وعوامل الفناء فيهم ، وفي عصرنا الحاضر ، دروس وعبر ، متعددة ، ومن بينها قيام حركة الثورة الخمينية ، في إيران عام 78- 79 من القرن الماضي ويومها أتذكر هلل كثير من الناس ، وكبروا وتعاطفوا معها ، وظنوها بوابة النجاة ، لإنقاذ المسجد الأقصى وتحرير فلسطين من الي هـود ، وحسبوا أن عهد الإنكسار قد ذهب وولى ، وجاء مجد الأمة على أيدى ملالي طهران ومرجعية الولي الفقيه – آية الله الخميني – القادم من منفاه في فرنسا ، حاملاً راياته السود ، من قلب طهران ، بعد الإطاحة بنظام الشاه محمد رضا بهلوي ، وفي تلك الفترة التي أتذكرها تماماً لم يكن أحد يستطيع نقد هذه الثورة الهائجة ، إلا القليل جداً من الناس ، ذوي الفقه والبصيرة ومعرفة السنن الربانية التي تحكم الأمم والشعوب ، وبعض من كتبوا ناقدين – لشدة سطوة الثورة الخمينية واغترار كثير من الناس بها – تحاشوا كتابة أسمائهم الحقيقية على أغلفة مصنفاتهم ككتاب – وجاء دور المجوس – والصراع العربي الإسرائيلي – وأمل والمخيمات الفلسطينية – وجاهر بالنقد العالم الباكستاني – إحسان إلاهي ظهير- وكانت نهايته مأساوية بتفجير قنبلة وضعها الشيعة في مزهرية وهو يلقي إحدى محاضراته في الباكستان – لاهور – عام 1407هـ قتل وجرح فيها عدد من علماء باكستان وبقي هو جريحاً ونقل بأمر الملك فهد – رحمه الله- للعلاج في المملكة ثم توفي لشدة إصابته ودفن بالبقيع رحمه الله.
واليوم نشهد أفول هذه الثورة وانهيار بنيانها ، وذهاب قياداتها وأركان حكمها ، وعلى رأسهم المرشد الأعلى – على خامئني – وهي نتيجة طبيعية ، ضمن سنة الله في هلاك الأمم العاتية والمتغطرسة ، وقد حذر في بدايات الثورة الخمينية عدد من العلماء والمفكرين من عواقبها ، وخداعها وعقائدها وأطماعها ، مسترشدين في ذلك كله بخلفياتها العقدية وبتاريخها وأطوارها عبر القرون وهي قراءة تاريخية وسننية وضرورية لمعرفة هذه الطوائف المغالية والمتطرفة ، التي تعيد انتاج نفسها كلما وهن عظم الأمة وخارت قواها .
يتحدث كثير من الناس اليوم – بغفلة أو خداع – متوجسين من فناء دولة الرفض ، وآثار ذلك على مستقبل المنطقة مؤكدين أن ذلك سيولد فراغاً لاستغلاله وملئه من قبل الصهوينية العالمية وحلفائها من الصليبين وأن حاجز الصد ومحور المقاومة قد تلاشى لصالح القوى الاستعمارية الأخرى – كما يزعمون – وهنا لا بد من وقفات حول هذه الأطروحات التي تعيدنا إلى مربع البدايات للثورة الخمينية .
أولاً :- الذين يتحدثون عن ذلك ، لديهم عزلة أو شبه قطيعة مع تاريخ الفرق الباطنية والرافضة ، ودورها في الخيانات وزراعة الفتن ، ويكفي تدليلاً على ذلك أن هذه الطوائف لم تقم يوماً بأي مشهد حضاري أونصرة للإسلام عبر تاريخها ! والمدون كله المتواتر خلاف ذلك ، مابين غدر ، وتآمر ضد المسلمين ، وواقع الحال شاهد على أضغانهم وأحقادهم ، من خلال تخبطهم وإرسال صواريخهم ، وأسلحتهم ، ومسيراتهم على العواصم العربية ، رداً على الحرب الدائرة عليهم من قبل الدولة اليهـ ودية بحجة القواعد الإمريكية – زعموا- والجميع يعلم أنهم يعدون العدة لاحتلال عواصم المسلمين وفي مقدمة ذلك المقدسات الإسلامية .
ثانياً :- ويغفل هؤلاء عن مراحل الثورة الخمينية منذ نشأتها وأنها في غالب الأطوار متحالفة مع الصهـ يونية ومتخادمة معها ، وهو أمر مكشوف يعرفه المتابعون والمطلعون على سياساتها ، وقد كانت الدولة العبرية -إسرااائيل – تمدهم بالسلاح وأنواع الدعم اللوجستي ضد صدام حسين – رحمه الله – في الحرب العراقية الايرانية ، وهو أمر موثق لا يمكن نكرانه ، وكانوا جسر العبور للصليبية وحلفائها في غزو أفغانستان ، ولم تطأ إمريكا بأقدامها العراق وتحتلها إلا بتحالف مكشوف مع نظام ملالي طهران الذين كانوا مطية وأدوت التمكين لاحتلال العراق وأسند إليهم الإمريكان مهمة التنكيل بأهل السنة وعلمائهم وقياداتهم في العراق كما حصل في سجون الإحتلال في العراق وفي عملية شنق الرئيس صدام حسين استفزازاً في يوم إلأضحى المسلمين على أيديهم .
ثالثاً :- حينما خرجت إيران عن المسار المرسوم لها ، وتجاوزت سقفها المتخادم حصلت حالة الفراق مع حلفائها وشعروا أنها قد أدت دورها واستنفذت مهمتها ، ومالت كلياً إلى المعسكر الشرقي وأنه قد حان الوقت لتقليم أظافرها ، وأن خدمتها لم تعد ضرورية ، وهي أحوال ومحطات طبيعية ومعهودة في تصارع الحلفاء وتنافرهم ، بسبب اختلاف مصالحهم وتوسع أطماعهم ، وتدافعهم على مواقع النفوذ ، ضمن سنة الصراع والاستدراج الالهي للماكرين .
رابعاً :- الذين يشفقون من توسع الأطماع الصهـ يونية والصليبية في ظل انقراض مشروع ولاية الفقيه يغفلون عن دور الفزاعة الإيرانية في المنطقة لابتزاز حكامها ودفعهم للتطبيع مع العدو وأن ذلك الدور التخادمي لولاه لما حصلت المسارعة لمشاريع التطبيع فالفضل فيه يعود إلى مشاريع توسع النفوذ الإيراني التدميري في المنطقة ، وأطماعها وتمكين مليشيا الخراب التي زرعتها إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن .
خامساً :- وفي ما يتعلق بالمشروع اليهـ ودي والصليبي ، في المنطقة لاريب أنه مشروع خراب وهلاك ، وأنه العدو الأزلي والتاريخ والواقع يشهدان بذلك ولا يحتاج تدليل عليه لكن أدواته متعددة ومتنوعة ومن بينها صناعة الطوائف الضالة والمنحرفة وإسنادها ودعمها ، لإضعاف شوكة الأمة ، وهو ما حصل مع دولة الرافضة في مراحلها الأولى قبل استنفاذ مهمتها والاستغناء عن خدماتها .
ختاماً :-
قوة هذا المشروع الاستعماري ليست في مجرد انحسار المشروع الصفوي الرافضي ، فكلاهما قد أثخن في جراح الأمة ، وما فعله الصفويون الرافضة في لبنان والعراق وسوريا واليمن من الجرائم والانتهاكات والقتل والتهجير والتدمير فوق ما فعله الصهاينة في فلسطين بكثير ، وإنما تكمن قوة المشروع الصهـ يوني والصليبي في تفرق المسلمين واختلاف كلمتهم وذهاب ريحهم وانشغال بعضهم ببعض ، وفقدان الثقة في ما بينهم ، وحينما يأذن الله بأفوله لن يكون على أيدي طوائف الخيانة والضلالة ، ولن يكون لهم شرف الإسهام في ذلك ، ولن يكون إلا على إيدٍ طاهرة تستحق أن يتنزل عليها النصر الإلاهي وهو ثابت شرعاً وقدراً متى ما راجعت الأمة الإسلامية حساباتها – دولاً وجماعات وأفراداً – ومفتاح ذلك في عودة الأمة إلى هويتها الإسلامية الأصيلة ولزوم منهجها القويم والأخذ بسنن الله وتدابير ومقومات النصر والتمكين ، وهي عملية بنائية وتراكمية قد لا تأتي فجاةً نظراً لكثرة الأوجاع التي أصابت الأمة في مختلف مجالات الحياة لكن ذلك كائن وفق سنة الله ، وتبدل الأيام قادم لا محالة وما تتمتع به أمة العلو والفساد في الأرض – المشروع الصهـ يوني والصليبي – أيضاً له أجل ونهاية وإرهاصات ذلك بادية لمن يأخذ الأمور وفقاً لمعطياتها وسننها ولكل أمة أجل .
رئيس الهيئة العليا لإتحاد الرشاداليمني
وقفة مع أحداث إيران { الجارية } { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ }
أخبار ذات صلة.