“نبدأ أنا وأطفال القرية تجهيز ألعابنا منذ يوم الشعبانية لاستقبال شهر رمضان حتى يصل وقد أعددنا كل ألعابنا لوقت العصر وما بعد العشاء وصلاة التراويح”، هكذا استهل الطفل الريفي مراد صامد (12 عاما) حديثه عن ألعاب رمضان، وقد بدت على وجهه ملامح الفرح والسعادة.
وتعد الألعاب الرمضانية ذاكرة شعبية تعكس روح الاجتماع والفرح في المجتمع اليمني، حيث يشارك فيها الأطفال والكبار معا، بوصفها جزءا من الموروث الثقافي الغني للريف اليمني، الذي يمتاز بطقوسه الفريدة التي ارتبطت بالشهر الكريم وتحافظ على تقاليد الأجداد وتنقلها إلى الأجيال الجديدة.
يشرح الشاب الريفي مهيوب الصبري تفاصيل استقبال شهر رمضان في قريته، ويقول إن الأهالي يستقبلون الشهر الكريم بطقوس عفوية حيث تتزين الحارات بحركة الأطفال وضحكاتهم، وتتعالى أصوات الأناشيد بعد صلاة العشاء، فيما يتشارك الجميع، صغارا وكبارا، أوقات اللعب والسمر.
مواضيع مقترحة
- ‹اللحوح› أيقونة المائدة الرمضانية في ريف اليمن
- رمضان في الريف.. بين دفء الماضي وقسوة الحاضر
- رمضان في ريف اليمن: تكافل اجتماعي وأهازيج تراثية
يوضح الصبري لـ”ريف اليمن”، أن الأطفال والكبار يستعدون مبكرا عبر تجهيز ألعاب تقليدية مثل الدريهة، الضمنة، الكيرم، ولعبة الورق(البطة)، إلى جانب تعليق الحبال على الأشجار، وحمل الفوانيس، وترديد الأناشيد الرمضانية في الأحياء بعد صلاة العشاء.
وأشار الصبري إلى أن شهر شعبان يمثل موسم الانتظار والترقب لرمضان، حيث تتصاعد مشاعر الشوق يوما بعد آخر حتى حلول الشهر الكريم، الذي يمتلئ بالأنشطة الجماعية والسهرات الرمضانية واللعب المشترك بين الصغار والكبار.

يلفت أن الحرب أثرت على ملامح هذه الطقوس، وأضعفت مظاهر الفرح والاستعداد، إذ تسببت الظروف الاقتصادية الصعبة في تراجع الألعاب الشعبية والعادات الرمضانية، وأصبح الأطفال يتحملون أعباء تفوق أعمارهم، مع زيادة أعداد الأيتام ومعيلي الأسر، ما انعكس سلبا على حقهم في الفرح واستقبال رمضان كما في السابق.
أبرز الألعاب الرمضانية
فوانيس رمضان
تُعد الفوانيس من أبرز مظاهر استقبال هلال رمضان. ويقول مراد صامد إنه يحمل فانوسه المضيء يوميًا ويتجول بعد العشاء مع أصدقائه في الحارة من بيت إلى بيت، ثم يعودون لشراء الجعالة والبدء بلعبة الورق المعروفة بـ”البطة” حتى منتصف الليل.
لعبة الكيرم
تُعد من أشهر الألعاب الشعبية في رمضان، حيث يلعبها أربعة أشخاص على طاولة خاصة، ويتنافسون للفوز بالعجلات الملونة؛ فالعجلة الصفراء تُحسب عشرة ريالات، والسوداء خمسة ريالات، والحمراء خمسين ريالًا. وتُعتبر هذه اللعبة جزءًا من التراث الرمضاني في الريف اليمني، ويشارك فيها الصغار والكبار.
الدريهة (الأرجوحة)
تُعد من أبرز الطقوس التراثية في الريف اليمني، وترتبط بمواسم الفرحة كالحج أو استقبال رمضان. ويتم تجهيز الأرجوحة بتعليق الحبال على الأشجار القوية وربطها بإحكام لضمان السلامة، ويتأرجح عليها الأطفال والكبار ذهابًا وإيابًا وفق قدرتهم، وغالبًا ما يتم إعدادها قبل أيام من رمضان ليستمتع بها الجميع، بمن فيهم النساء والشباب، لقضاء وقت الصيام.

الدومينو أو الضومنة
تتكون من أحجار منقوشة بنقاط سوداء، ويشارك فيها أربعة لاعبين، وتمارس في الريف اليمني بعد مجالس الذكر أو في أوقات العصر والليل خلال رمضان، وتُعد جزءًا من الطقوس الاجتماعية التي تجمع بين المتعة وروح المشاركة، وهي أكثر شيوعًا بين كبار السن.
ذاكرة وهوية
تشكل هذه الألعاب فضاء اجتماعيا يلتقي فيه الفرح البسيط بالذاكرة الجماعية، وتتوارثه الأجيال ليصبح جزءا من هوية المكان وروحه الثقافية.
يؤكد الصحفي المهتم بالتراث الشعبي فهمي الصبري أن الألعاب الشعبية المرتبطة بشهر رمضان تمثل جزءا أصيلا من الذاكرة الثقافية، مشيرا إلى أن الأطفال يقبلون على شراء لعبة “البطة الورقية” قبل حلول الشهر، ويتشاركون اللعب بها مع أقرانهم والكبار.
وأضاف في حديثه لـ”ريف اليمن” أن المراجيح تعد من أكثر الألعاب انتشارا بين مختلف الفئات العمرية، حيث يقضي الصائمون أوقاتهم على المراجيح المعلقة على الأشجار، بينما تمارس لعبة الضومنة بعد صلاة العشاء.

كما أشار إلى أن الحكايات الشعبية التي ترويها الجدات للأطفال تمثل جانبا مهما من التراث الرمضاني، إذ يسردن القصص والحزايات التي تنمي خيال الأطفال وترسخ فيهم القيم الاجتماعية.
وشدد الصبري على أن هذه المظاهر ليست مجرد وسائل ترفيه، بل تعبر عن منظومة ثقافية متكاملة تعكس روح المجتمع وقيم التكافل والترابط بين الأجيال، داعيا إلى توثيق هذه الطقوس وإحيائها عبر الإعلام والمؤسسات الثقافية والتعليمية، لضمان نقلها إلى الأجيال القادمة وحمايتها من الاندثار.
للنساء نصيب
لم تغب النساء عن هذه الطقوس، إذ تحتفظ نساء الريف اليمني في ليالي رمضان بألعاب شعبية توارثنها جيلا بعد جيل، أبرزها “الأكوار”، و”التباره” (الوقل)، و”الغماية” (الغميضة).
وتقول فاطمة محمد (50 عاما): “كنا ننظم أوقاتنا للعب بعناية؛ من صباح رمضان بالدريهة عبر تعليق الأحبال على الأشجار، إلى عصر التباره، ثم نبدأ بعد العشاء لعبة الغماية، وفي المساء نجتمع في البيت لأداء لعبة الكراكر، وهي ما تعرف بالأكوار في كثير من المناطق”.
وأوضحت أن لعبة الأكوار تعتمد على السرعة وخفة اليد، حيث تنثر خمس أحجار صغيرة على الأرض، وتقوم إحدى الفتيات بقذف حجر إلى الأعلى ثم تلتقط حجرا آخر قبل أن يعود الأول إلى يدها، مع تصعيد مستوى التحدي تدريجيا.

أما لعبة الوقل (التباره) فتقوم على رسم مربعات متلاصقة مرقمة على الأرض، تقفز خلالها اللاعبات على قدم واحدة وفق ترتيب الأرقام مع رمي حجر، دون ملامسة الخطوط الفاصلة، وفيما يتعلق بالغماية، فهي لعبة يقوم فيها أحد اللاعبين بإغماض عينيه والعد حتى رقم معين، بينما يختبئ الآخرون، ومن يكتشف يخرج من اللعبة، أما من يصل إلى نقطة الأمان فيعد فائزا.
بدورها، قالت الصحفية المهتمة بالشؤون الاجتماعية سامية الصامتي إن الألعاب الشعبية في رمضان تمثل مساحة اجتماعية مهمة لإحياء الروابط بين أفراد المجتمع، خصوصا بين النساء والفتيات في الأحياء القديمة والأرياف اليمنية.
وأضافت لـ”ريف اليمن”، أن شهر رمضان يشكل فرصة لاستعادة الموروث الشعبي، حيث تعود الألعاب التقليدية للظهور في الساحات والحارات بعد صلاة التراويح، في أجواء يغلب عليها الطابع الأسري وروح المشاركة.
وأكدت أن هذه الألعاب تسهم في تعزيز قيم التعاون والصبر وروح الفريق، وتشكل بديلا صحيا عن الانشغال المفرط بالأجهزة الحديثة، مشيرة إلى أن الحفاظ عليها هو حفاظ على جزء من الهوية الثقافية المحلية، داعية إلى توثيقها وتنظيم فعاليات مجتمعية تضمن استمراريتها كجزء من الذاكرة الاجتماعية.