عربي
بعد الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، صباح اليوم السبت، ثمة سؤال مقلق شغل المراقبين والكونغرس والمعنيين بالشؤون الخارجية في واشنطن، بقدر ما انشغلت أميركا طوال الساعات العشرين الماضية في متابعة التطورات الميدانية. وهو من شقين: لماذا الاعتداء؟ وماذا بعد؟
الأول، بدت حيثيات الإدارة بشأنه ضعيفة ومفتعلة. لا تحظى بتأييد سوى 21% من الأميركيين. بل بدت بمثابة حرب الغير. حرب إسرائيل. ثم إنها "غير قانونية"، وجرى وضعها في مرتبة لزوم ما لا يلزم. فلا "خطر محدق" يستدعي عملية عسكرية من هذا العيار، ولا الأحوال تسمح بترتيب أعباء مالية على الخزينة التي تعاني من العجز، وعلى المستهلك الذي يعاني من الضيق. والرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي كان من المفترض في لحظة حرب من هذا النوع أن يخاطب الأميركيين لشرح الدوافع والدواعي، اكتفى ببعض الإطلالات على وسائل التواصل من دون تعليل قرار الضربة العسكرية.
الثاني، "لا أحد يعرف" ماذا بعد، على حد تعبير بريت مكغيرك، مسؤول سابق في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض. جوابه يختصر مجمل القراءات في هذا الخصوص. فما حصل وضعه المراقبون في خانة "المقامرة"، بل في خانة "الرعونة". لا الأهداف محددة ولا خطط لليوم الثاني. وعندما يكون الوضع بهذا الشكل يصبح من الصعب استشراف الآتي. ولأن الأمر كذلك، فإنه من غير المستبعد أن تكون غاية الضربة أكثر من "تسجيل مكسب" سياسي، بتعبير المعلق دافيد روثكوف. من البداية دعا الرئيس ترامب الإيرانيين إلى السيطرة على السلطة بعد الإطاحة بقيادة النظام، لكن التغيير لا يتحقق "من غير السيطرة على الأرض"، كما أن البديل غير جاهز، وليس لحركة الاحتجاج غير المنظمة قدرة على أن تنهض بمثل هذه المهمة. وبالتالي فالمتوقع أن تجري عملية انتقال السلطة وفق آلياتها ومن ضمن تركيبتها. والمرجح انتقالها إلى المتشددين في النظام، وفق تقدير وكالة الاستخبارات (سي آي إيه)، لكن دخول البلد في فوضى أمر غير مستبعد، لا سيما أن العمليات قد تستمر عدة أسابيع. كما من غير المستبعد، بل من المرجح، انتشار هذه الفوضى ومشتقاتها الأمنية في المنطقة بما يهدد استقرارها. ويبدو أن هذا الخطر كان خارج حسابات واهتمامات واشنطن ونتنياهو. وفي أحسن الحالات كان مسألة هامشية، بالإضافة إلى ذلك، يبقى هاجس التورط حاضراً، خاصة لو سارت الأحداث بصورة تفرض متابعة العملية العسكرية لتجنّب الأسوأ غير المنظور. تجربة العراق ما زالت ماثلة في الذهن، ولو مع اختلاف ظروف الحربين. الشرق الأوسط صار يعني الغرق في الرمال. وهذا جزء من رفض الضربة والتخوف من تداعياتها.
وفي المقابل، ثمة جانب آخر مقلق، وهو الخشية من تحول خيار القوة إلى حالة من الانفلات العسكري الذي بدأت ملامحه تطل منذ عملية فنزويلا، والذي كاد يتكرر في غرينلاند، والآن في إيران، خاصة أنه جرى في هذه الحالات تجاوز الكونغرس المطلوب على الأقل إبلاغه مسبقاً، حتى ولو كانت العملية لا تستغرق أكثر من شهر. حالة إيران كانت تستدعي، بموجب الدستور، موافقة مسبقة من الكونغرس، لكون الغرض المعلن تغيير النظام الذي يعتبر بمثابة "إعلان حرب". وهذا الإعلان منوط حصراً بالكونغرس، ولو أن رؤساء ما بعد الحرب العالمية الثانية تجاهلوا هذا الموجب. بعد الذي جرى منذ فنزويلا، حصل نوع من الصحوة يشدد على هذا الشرط الملزم لتطويق التمادي مؤخراً في الخيار العسكري الذي تحول إلى بديل للدبلوماسية حيثما تيسر ذلك، وأحياناً عن عمد، كما حصل بالأمس، عندما جرى نسف جلسة المفاوضات التي كان مقرراً عقدها الأسبوع القادم وبموافقة الطرفين. وقد صار هذا الخيار موضع نقد صارم من جانب جهات مؤثرة (مثل البودكستر الشهير تاكر كارلسون والأستاذ الجامعي جيفري ساكس)، خاصة عندما يجري اللجوء إليه لمصلحة إسرائيل.
