عربي
بعد بدء العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران صباح أمس السبت، بدأت موجة قلق تجتاح المجتمع الإيراني وتعمقت مع الإعلان الرسمي عن اغتيال المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي. ولم تمر سوى ساعات قليلة على العدوان حتى بدأت شوارع المدن الكبرى، وعلى رأسها العاصمة طهران، تشهد زحمة مرور غير مسبوقة، وسعى المواطنون، مدفوعين بالهلع، إلى ملء خزانات وقود سياراتهم، وتهافتوا على المخابز لتأمين قوت يومهم، مشكلين طوابير طويلة امتدت لساعات. لم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد ليشمل المتاجر الكبرى حيث سارع البعض إلى شراء وتخزين المواد الغذائية الأساسية، في مشهد يعكس حالة الترقب والتوجس من تداعيات الأحداث واستمرارها.
في غمرة هذا الاضطراب، حاولت مختلف الأجهزة الحكومية طمأنة المواطنين بشكل متواصل، مؤكدة وجود خطط مسبقة وبرامج طوارئ جاهزة، وأن احتياجات البلاد الأساسية مؤمنة لأشهر قادمة. ورغم حالة الهلع والذهاب إلى المتاجر لكن لم تسجل حالات نقص حتى الآن للسلع الأساسية.
خطة طوارئ
في ظل هذه الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، أصدر النائب الأول للرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، اليوم الأحد، تعليمات فورية للوزراء والمحافظين ورؤساء اللجان الحكومية، مؤكداً أهمية استمرار إدارة شؤون البلاد دون انقطاع، وضمان استمرارية الخدمات العامة، والحفاظ على استقرار الأوضاع المعيشية للمواطنين. وشدد في تصريحاته على أن "الحكومة لن تتوقف تحت أي ظرف من الظروف، وستستمر عمليات تقديم الخدمات للمواطنين بشكل متواصل ومنسق على مدار الساعة".
وفي هذا السياق، قالت المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، أمس السبت، إن "طهران، مستفيدة من تجربة حرب يونيو/حزيران الماضي اقتصادياً"، قد "أقرت خطة طوارئ شاملة تتضمن إجراءات محددة للأجهزة التنفيذية والوزارات للتعامل مع ظروف الحرب"، وأكدت أن "كل جهود الحكومة تنصب على تأمين الاحتياجات الضرورية للمواطنين، ولا يوجد ما يدعو للقلق".
وأوضحت مهاجراني في مقابلة مع وكالة "إرنا" الحكومية أن "الحكومة قد قامت بتشكيل لجان عمل مسبقة وأقرت خطة للطوارئ تحدد بوضوح مهام كل جهاز تنفيذي ووزارة خلال فترات الأزمات". وأضافت أن "تفويض صلاحيات استثنائية قد تم لبعض الوزراء، وهناك تنسيق وثيق مع المحافظين الذين أثبتوا كفاءتهم في إدارة شؤون محافظاتهم".
وأشارت مهاجراني إلى أن وزارة النفط قد اتخذت ترتيبات لنشر محطات وقود متنقلة على طول الطرق الرئيسية، وبالأخص على مخارج طهران، لتقليل صعوبات الحصول على الوقود. واعترفت بأن "قلق المواطنين مفهوم وطبيعي، لا سيما بالنظر إلى طبيعة الجرائم والنزعة العدوانية التي يبديها الكيان الصهيوني وأميركا"، مؤكدة أن "وزارات النفط، والداخلية، والزراعة، والصحة، وجميع الوزارات المعنية، تعمل بجدية فائقة لضمان تلبية احتياجات الشعب وتسيير الأمور بكفاءة". وأكدت أن الرئيس مسعود بزشكيان والنائب الأول قد أصدروا بالفعل التوجيهات اللازمة بهذا الشأن.
إغلاق بورصة طهران
وفي خطوة احترازية، أعلن المتحدث باسم منظمة البورصة والأوراق المالية، أمير لعلي، عن تعليق تداولات سوق الأسهم لمدة أسبوع كامل، وأوضح أن سوق رأس المال ككل لم يتم إغلاقه بالكامل، وأن التفاصيل المتعلقة بتعليق تداولات البورصات الأخرى، بما في ذلك المعاملات المادية في بورصة السلع أو إصدار وإلغاء صناديق الاستثمار الثابت، سيتم الإعلان عنها لاحقاً.
الأسعار في وقت الأزمة
وشهدت الأسعار ارتفاعات كبيرة في ظل غياب رقابة فعالة وقت الأزمة. ووفقاً لتقرير نشره موقع "اقتصاد 24" الإيراني، فقد فُتحت جبهة ثانية في أزقة ونوافير العاصمة، استهدفت بشكل مباشر معيشة المواطنين. كما أغلقت بعض المتاجر أبوابها لحمايتها من القصف. وشكّل المواطنون القلقون من انقطاع سلسلة توريد الطحين طوابير امتدت في بعض المناطق المركزية والشرقية للعاصمة لعشرات الأمتار، وكان الهجوم على المخابز بمثابة ردة الفعل الأولى والأكثر وضوحاً على الشعور المتزايد بالقلق.
طوابير الوقود
وامتد الارتباك إلى محطات الوقود، وتشكلت صفوف أمامها امتدت لكيلومترات واحتلت نصف عرض الشوارع الرئيسية، وأدت عملياً إلى صعوبة حركة مركبات الطوارئ. وزرعت شائعات استهداف البنية التحتية للتكرير، هلعاً شديداً في نفوس أصحاب السيارات، لدرجة أن الكثيرين كانوا مستعدين لقضاء ساعات طويلة في الازدحام المروري لملء خزاناتهم بالوقود، خشية أن يصبح شبه معدوم في الغد، وهو ما لم يحصل اليوم الأحد. هذا الوضع، إلى جانب الازدحام المروري الذي تشكل على الطرقات، دفع إلى تحويل بعض المسارات باتجاه الشمال بعد إغلاق العاصمة طهران وتعطيل المدارس والجامعات.
ضمان استمرارية الإمدادات
في ظل هذه الظروف، أكد القائم بأعمال وزير الصناعة والتعدين والتجارة لشؤون التجارة، محمد صادق مفتح، الجهود المبذولة لضمان استمرارية توفير الخبز. وأشار إلى أن حصص الطحين المخصصة للمخابز قد زادت، وأن المخابز ملزمة بمواصلة الخبز وتلبية طلبات المواطنين حتى آخر لحظة.
وأضاف مفتح أن هناك تنسيقاً وثيقاً مع شركات نقل وتوزيع الطحين والسلع الأساسية، وأن الحكومة تعمل على تأمين احتياجات المواطنين من الخبز. وشدد على أنه لا يوجد أي نقص في السلع بالأسواق، وأن خططاً قد وُضِعت لتوزيع جميع السلع التي يحتاجها المواطنون، وأن المتاجر والسلاسل التجارية الكبرى مفتوحة وتعمل على تلبية احتياجاتهم. كما أشار إلى أنه تم اتخاذ ترتيبات خاصة لتوفير وقود الديزل للشاحنات من خلال ثلاث محطات وقود في محافظة طهران، بالتعاون مع وزارة النفط. وحث المواطنين على عدم القلق بشأن توافر السلع، وشراء احتياجاتهم اليومية فقط.
الجمارك تفعّل العمل على مدار الساعة
في خطوة استباقية، أصدر رئيس الجمارك الإيرانية، فرود عسكري، اليوم الأحد، تعميماً موجهاً إلى جميع مديري ومراقبي الجمارك في البلاد، يحدد آلية العمل في ظل الظروف الحالية. وأكد فيه ضرورة استمرار تقديم الخدمات الجمركية ليلاً نهاراً في جميع الجمارك التنفيذية الكبرى، وذلك لخدمة الشحنات الصادرة والواردة والترانزيت.
وشدد التعميم على أهمية المراقبة المستمرة للمخازن والمستودعات، وإعطاء الأولوية في تخليص البضائع الخطرة، وتسريع إجراءات التخليص الجمركي للإعلانات الجارية، خاصة تلك المتعلقة بالسلع الأساسية. كما طالب مديري الجمارك بتنظيم جداول مناوبات الموظفين لضمان استمرارية العمل، والتواصل المستمر مع المتعاملين الاقتصاديين لتسريع تخليص البضائع، والإبلاغ عن أي صعوبات تواجه عملية تخليص البضائع لضمان تسهيلها وتسريعها.
وأضاف التعميم أنه تم الحصول على تصريح تخليص لجميع السلع الأساسية بنسبة 100%، وأن "هناك جهوداً مستمرة للحصول على تصريح يسمح بتخليص 90% من قيمة البضائع مع بقاء 10% في الجمارك لحين تسوية حقوق الاستيراد". وختم التعميم بتأكيد ضرورة الالتزام بالإعلانات الرسمية الصادرة عن العلاقات العامة للجمارك واللجنة المركزية فقط.
غرفة التجارة: لا نقص في السلع
من جهته، أكد رئيس غرفة تجارة إيران، قاسم نوده فراهاني أن وضع السلع الأساسية يُرصَد باستمرار، وأنه بالتنسيق مع الغرف التجارية والاتحادات في جميع أنحاء البلاد، لا يوجد أي نقص في السوق. وأوضح فراهاني في حوار خاص مع التلفزيون الإيراني أن عملية تأمين وتوزيع السلع الأساسية تسير بشكل طبيعي في جميع أنحاء البلاد.
وأضاف أنه في صباح اليوم الأحد، تم تقييم وضع توريد السلع بالتشاور مع مختلف الاتحادات والغرف التجارية؛ لافتاً إلى أن التوزيع يتم بسرعة ولا توجد مشكلة في السوق. وأكد أن مخزونات السلع الأساسية كافية، والمتاجر مفتوحة لتلبية احتياجات الناس وتوزيع السلع. وعند سؤاله عن نقص البطاطس، أوضح أن المشكلة التي حدثت أمس السبت بسبب الشراء المفرط من المواطنين قد تم حلها بالتعاون مع وزارة الزراعة، وأن البطاطس متوفرة بكثرة الآن.
وشدد فراهاني على أن الغرف التجارية في خدمة الشعب دون أي انقطاع أو عطلة، وتعمل على تلبية احتياجات المواطنين. وأشار إلى أن مراقبة الأسواق تتم باستمرار، لا سيما في المحافظات التي تستقبل عدداً كبيراً من المسافرين، مؤكداً أن الغرف التجارية، مستفيدة من خبرتها في حرب الـ12 يوماً الماضية لا تزال بجانب الشعب، ولا يوجد ما يدعو للقلق.
وزير النفط: مخزونات الوقود وفيرة
وشدد وزير النفط الإيراني، محسن باك نجاد، اليوم الأحد على أن مخزونات الوقود والطاقة كافية، وينبغي على المواطنين ألّا يشعروا بأي قلق في هذا الصدد. وصرح خلال تجمعات شعبية في طهران حداداً على المرشد الإيراني الأعلى، بأن البلاد "تواصل متابعة شؤونها وأنشطتها وفقاً لروتينها العادي، على الرغم من الاعتداءات الوحشية التي شنها الكيانان الصهيوني والأمريكي المجرمان".
ونقل موقع "شانا" التابع لوزارة النفط، عن باك نجاد قوله، "في مجال الطاقة وتأمين الوقود، المخزونات كافية، وعلى المواطنين ألا يقلقوا، إذ إن شؤون البلاد تسير بشكل طبيعي في هذا القطاع". وأضاف "إنه على الرغم من استمرار العدوان فإن الأمور التنفيذية في البلاد تتقدم وفقاً للإجراءات العادية، وحتى هذه اللحظة، لا توجد أي مشكلة في قطاع الطاقة.
