عربي
إلى جانب كلّ ما يقاسيه الفلسطينيون في قطاع غزة من أزمات، ولا سيّما بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة، يأتي مرض السرطان ليفاقم معاناة المصابين به. ويتعاظم مرض السرطان في غزة ليتخطّى كونه تشخيصاً لحالة صحية "خبيثة"، ويصير رحلة يومية مليئة بالألم والانتظار والقلق بالنسبة إلى آلاف المرضى الذين يواجهونه، بمختلف أنواعه ومراحله، في ظلّ ظروف صحية معقّدة. ويبدو بالتالي الألم الجسدي مضاعفاً، وسط المخاوف المستمرّة من نقص الدواء وتأخّر العلاج، في واقع يهدّد حياتهم ويرهقهم نفسياً.
تفيد تقديرات صحية فلسطينية بأنّ ثمّة أكثر من 11 ألف مريض مصاب بالسرطان في قطاع غزة المنكوب، من بينهم نحو ثمانية آلاف مريض يحتاجون إلى علاج منتظم، فيما تُسجَّل سنوياً نحو ألفَي حالة مستجدّة. كذلك يحتاج مئات المرضى، بصورة عاجلة، إلى تحويلات طبية لتلقّي العلاج في خارج القطاع، خصوصاً الذين يعانون من حالات متقدّمة في سرطان الدم وسرطان العظام وسرطان الرئة على سبيل المثال، إلى جانب آخرين يحتاجون إلى علاج إشعاعي لا يتوفّر في غزة بصورة كاملة.
وتكثر شكاوى مرضى السرطان في قطاع غزة وسط الحصار الإسرائيلي المتواصل وتدمير المنظومة الصحية فيه خلال الحرب الأخيرة التي استمرّت أكثر من عامَين، فهؤلاء يواجهون تحديات يومية، بسبب النقص المسجّل في أدوية أساسية، وتأخّر إدخال العلاجات الكيميائية، ومحدودية الإمكانيات الطبية؛ فكلّ تلك العوائق تجعل رحلة العلاج أشدّ خطورة، فيما يجد المرضى أنفسهم في مواجهة دائمة مع الخوف من تدهور حالاتهم الهشّة أساساً.
العيش بين جلسة علاج وأخرى في غزة
الفلسطينية أم خليل عواد، البالغة من العمر 48 عاماً، من مرضى قطاع غزة الذين يجرجرون أوجاعهم الجسدية والنفسية؛ فقد سبق أن شُخّصت بسرطان الثدي. أينما ذهبت هذه المرأة تحمل معها ملفّها الطبي، كأنّما هو جزء من حياتها اليومية. وتحكي لـ"العربي الجديد" عن وجعها، بصوت هادئ يخفي خلفه سنوات من الألم. وتؤكد: "أعيش بين جلسة علاج وأخرى، لكنّ أصعب ما نواجهه هو عدم معرفتي إذا كان العلاج متوفّراً أم لا". تضيف: "أحياناً، أذهب إلى المستشفى وأعود من دون أن أتلقّى الجرعة (اللازمة من العلاج)، وهو ما يجعلني أشعر بأنّ المرض يسبقني خطوة".
تتوقّف أم خليل قليلاً عن الكلام، قبل أن تتابع حديثها لـ"العربي الجديد" وفي عينَيها خوف وشيء من الأمل. وتقول: "الخوف ليس فقط من المرض، بل من توقّف العلاج. في كلّ يوم أفكّر في هذا الاحتمال، وأخشى أن أفقد فرصتي في الشفاء". وتتابع: "نحن نتمسّك بالأمل، لكنّ القلق لا يغادرنا".
بدوره، يخبر الفلسطيني محمود عيد، البالغ من العمر 55 عاماً، أنّه مصاب بسرطان القولون. ويصف تجربته في قطاع غزة لـ"العربي الجديد" بأنّها معركة مستمرّة مع الألم وعدم اليقين، مؤكداً أنّ "المرض مؤلم، لكنّ الانتظار أصعب". ويشير إلى أنّ "العلاج يؤجَّل أحياناً بسبب نقص الدواء، وهو أمر يجعلنا نشعر بأنّ حياتنا معلّقة". بالنسبة إليه "نحن لا نملك رفاهية الانتظار، لأنّ المرض لا ينتظر أحداً". ويتابع محمود، بنبرة متعبة: "في كلّ مرّة أذهب فيها (إلى المستشفى) لتلقّي العلاج، أخاف من أن يُقال لي إنّ الدواء غير متوفّر"، مشدّداً على أنّ "هذا الخوف يعيش معنا في كلّ يوم، ويجعلنا نشعر بعدم الأمان".
القلق "رفيق" مرضى السرطان في غزة
وهكذا يلازم القلق مرضى السرطان في قطاع غزة فيزيد إلى ألمهم الجسدي وجعاً نفسياً كبيراً. ولا تخفي الفلسطينية إسراء أبو سمرة، البالغة من العمر 35 عاماً والمصابة بسرطان الغدد اللمفاوية، أنّ القلق صار جزءاً من حياتها. وتخبر "العربي الجديد" أنّها تفكّر دائماً في العلاج، وفي احتمال توفّره أم لا، مشدّدةً على أنّ "الخوف من المستقبل صعب جداً؛ أنا لا أعرف ما الذي سيحدث غداً". تضيف إسراء: "أحاول أن أكون قوية، إنّما الخوف كبير في داخلي؛ كلّ مريض سرطان يعيش هذا الشعور، لأنّ العلاج هو الأمل الوحيد لنا".
من جهتها، تشهد الفلسطينية سمر الشنطي، البالغة من العمر 41 عاماً، التي تعاني من سرطان الدم، هذا الواقع المؤلم. وتقول لـ"العربي الجديد" إنّ "أكبر معاناة أعيشها هي الخوف من انقطاع العلاج. هذا الشعور يرافقني طوال الوقت، لأنّ حياتي تعتمد على توفّر الدواء". وتتابع سمر بصوت يحمل كثيراً من الألم: "ليس من السهل أن تعيش وأنت لا تعرف إن كنت ستتمكّن من مواصلة العلاج. نحن نحارب المرض، لكنّنا نخاف من خسارة المعركة بسبب نقص الإمكانيات".
وفي حين تكثر هواجس مرضى السرطان في قطاع غزة، تبيّن الآراء الطبية أنّ العلاج المنتظم يمثّل عاملاً حاسماً في احتمالات الشفاء أو السيطرة على المرض. بالنسبة إلى أهل الاختصاص، فإنّ أيّ تأخير في تلقّي جرعات العلاج قد يؤدّي إلى مضاعفات خطرة لدى مريض السرطان أو تراجع في حالته الصحية، كذلك فإنّ مرضى كثيرين يحتاجون إلى خدمات غير متوفّرة محلياً من قبيل العلاج الإشعاعي المتخصّص وأنواع من العلاج المناعي.
وسط كلّ ذلك، يتأرجح مرضى السرطان في قطاع غزة ما بين الألم والأمل، ويبدون متمسّكين بالحياة على الرغم من كلّ التحديات، ومتشبّثين بفرصة العلاج خيطَ نجاة أخير، لكن بين جلسات العلاج والانتظار، تبقى مخاوفهم حاضرة في كلّ لحظة، ليس فقط من المرض، إنّما من أن يصير العلاج حلماً بعيد المنال.
On #WorldCancerDay take a look at how the disease affects patients in Gaza, where the health system has been devastated by hundreds of attacks. https://t.co/3JFWxusZRi pic.twitter.com/HO9k5TFFHl
— UN News (@UN_News_Centre) February 4, 2026
11 ألف مريض في غزة محرومون من العلاج
تجدر الإشارة إلى أنّ منظمات صحية محلية في قطاع غزة كانت قد حذّرت أخيراً، بمناسبة اليوم العالمي للسرطان الذي حلّ في الرابع من فبراير/ شباط المنصرم، من أنّ نحو 11 ألف مريض فلسطيني في غزة محرومون من العلاج التخصصي والتشخيصي، في حين ينتظر أربعة آلاف مريض ممّن لديهم تحويلات للعلاج إلى خارج القطاع منذ أكثر من عامين فتح المعابر حتى يتسنّى لهم السفر للعلاج، وفقاً لما جاء في تقرير صادر حينها عن مكتب الأمم المتحدة في جنيف.
وبيّنت الأمم المتحدة، في تقريرها الذي أتى تحت عنوان "نحن نموت ونريد حلاً: مرضى السرطان في غزة عالقون بانتظار العلاج خارج القطاع"، أنّ أعداد مراجعي أقسام الأورام في مستشفيات قطاع غزة تشهد تزايداً مستمراً، في وقت تعاني فيه هذه الأقسام من نقص حاد في الإمكانيات الطبية اللازمة لتلبية الاحتياجات الأساسية للمرضى، الأمر الذي يفاقم معاناتهم ويجعل مصير المرضى الذين شُخّصوا حديثاً مجهولاً.
وأفاد مكتب الأمم المتحدة بأنّ منظمة الصحة العالمية تدعم إجلاء المرضى ومرافقيهم من قطاع غزة، بالتزامن مع إعادة فتح معبر رفح بصورة محدودة، مبيّناً أنّ أكثر من 18 ألف مريض، من بينهم أربعة آلاف طفل ينتظرون إجلاءهم من القطاع لتلقّي العلاج في الخارج. ونقل، في تقريره، عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أنّ وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة أفادت، في أواخر يناير/ كانون الثاني الماضي، بوفاة أكثر من 1200 مريض أثناء انتظار إجلائهم الطبي من القطاع، وأنّ نحو أربعة آلاف مريض بالسرطان مسجّلون على قوائم الانتظار الحرجة للإجلاء الطبي.

أخبار ذات صلة.
غضب قبلي يتصاعد في رداع ضد الحوثيين
الشرق الأوسط
منذ 4 دقائق
صرخة في المضيق !
العربي الجديد
منذ 11 دقيقة