عربي
أصبح معلوماً لدى إيران، إلى حدٍّ كبير، أنّ حلمها النووي غدا بعيداً جداً، وقد يكون خارج حدود المنال خلال نصف قرن قادم، فقد تلقى برنامجها النووي ضرباتٍ موجعةً في هجمات الـ12 يوماً التي شنّتها إسرائيل بمشاركة أميركا٬ وحطّمت فيها جزءاً كبيراً من منشآت نووية إيرانية أساسية في نطنز وفوردو ومركز أصفهان النووي، واستهدفت الهجمات شخصيات علمية إيرانية تدير البرنامج. شكلُ التموضع العسكري الحالي حول إيران ولهجة الرئيس الأميركي ترامب يوحيان بكتابة خاتمة لهذا البرنامج، فترامب يُظهِر تصميماً وتصلّباً شديدَين ينمّان عن نية لاستخدام كل هذا الحشد الكبير إذا تعطلت المفاوضات، ولم تصل إلى النقطة التي تريد الولايات المتحدة بلوغها، وهي الفصل الأخير في حياة المشروع النووي. أدركت إيران هذه النقطة، وبدا ذلك من تمسّكها بالمفاوضات٬ وحرصها على البقاء فيها دليلاً على أنها تريد تجنّب ما حدث معها في يونيو/ حزيران الماضي، فتكراره سيتجاوز الحطام الذي خلفه هجوم الأيام الـ12، وخريطة الأهداف طويلة جداً٬ ومع الحشد الأميركي الهائل الذي يتكدّس في المنطقة قد يتجاوز الأمر المنشآت ليشمل شخصياتٍ رئيسيةً في النظام الإيراني.
تأرجحت سياسة ترامب مع إيران ما بين التهديد العسكري والدخول الفعلي في التفاوض، ولم يُبدِ أي تهاون في الطريقَين٬ فقد حافظ على نقل قواته مع حشدٍ مسلّح تضمن حاملات طائرات حديثة وضخمة إلى الجوار، مع وجود 40 ألف جندي أميركي في قواعد مجاورة٬ والتزم خطاباً عسكرياً قوياً، وفي الوقت نفسه، أرسل وفوده إلى مفاوضات منظمة انتقل فيها من مسقط إلى جنيف، وتلميحاته الكثيرة في تفضيله الحلول الدبلوماسية لم تقلل أبداً من عزمه العسكري، وخروج تصريحات متفائلة أخيراً من الطرفَين والوصول إلى مفاوضاتٍ ذات طابع تقني يعني أنّ السياسي ربما جرى تجاوزه، والبنود الرئيسية قد جرى التوافق بشأنها، ومن عادة التقنيين أن يهتموا بالتفصيلات وإقرار بروتوكولات التنفيذ.
وكانت إيران قد استنفذت الكثير من أسلحة المبادرة التي عملت عليها عقوداً، فقد فقدت حليفتها، حركة حماس في غزة الكثير من القدرات التي يمكنها أن تزعج إسرائيل بعد حرب طويلة خاضتها الأخيرة ضدّ بقعة صغيرة من الأرض، وتقلص حجم حزب الله وفقد تأثيره الإقليمي، وأصاب عطب كبير قدرته المحلية٬ ويبدو أن الطريق ممهّدة لزوال خطره على إسرائيل كلياً، أما سقوط بشار الأسد في سورية فقصم ظهر إيران سياسياً، ثم تعرُّضها لهجوم داخل أراضيها جعل نظام الملالي يحسّ بخطر وجودي٬ وأصبح مطلوباً منه التصرّف "بحكمة" الخاسر، وقد ترافق ذلك كله مع رغبة الجميع بتجنّب حرب كبرى والاستعداد للتنازلات٬ ولكن على دفعات وفي أطول وقت متاح٬ مع المحافظة قدر الإمكان على ماء الوجه٬ وهي نقطةٌ تدركها أميركا٬ ويمكن أن نجد لها أثراً في أيّ اتفاق قد يحدث.
ظهرت إيران جادّة في تجنّب المواجهة، غير أنها بوغتت فجر أمس باندلاع هذه المواجهة. وقد ابتلعت، في الوقت نفسه، حلمها النووي، ولكنها حريصة في ما يبدو على بعض الشكليات الرمزية التي يمكن تسويقها إعلامياً، كالسماح لها بالتخصيب لأغراض سلمية وبكمياتٍ ضئيلةٍ وتحت رقابة شديدة ومباشرة، وهو إجراءٌ يبعدها جداً عن ممارساتها النووية السابقة، إذ كانت كثافة التخصيب تحدُث بنسب تقترب من حد الوصول إلى السلاح النووي، في الوقت نفسه، تخوض إيران معركة الرمق الأخير لإنقاذ ما يمكن من برنامجها للصواريخ الباليستية، محاوِلةً التمسّك به بشدّة بعد أن خسرت معركتها النووية، فهي من دون برنامج نووي وصواريخ باليستية ستتحوّل إلى حالة من الانكفاء المحلي الذي لا يناسب طموحاً إيرانياً ظلّ نظامها يبنيه على طول عمر الجمهورية الإسلامية، وقد وصل في مرحلةٍ ما ليشمل دولاً إقليميةً عديدة، ومدّت طهران أذرعاً إلى أفريقيا وأميركا اللاتينية، لكن ذلك كله تآكل بالتدريج. وبعد انتهاء أزمتها الحالية سواء باتفاق دبلوماسي أو بهجوم أميركي٬ فلن نرى تلك الإيران مرة أخرى.

أخبار ذات صلة.
«إنديان ويلز»: فيلس يطيح بأوجيه ألياسيم
الشرق الأوسط
منذ 7 دقائق