تونس تعود إلى تنفيذ أحكام الإعدام
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
تعيش الأوساط الحقوقية في تونس حالة صدمة، وقد تجد نفسها مدعوة إلى القيام من جديد بحملات أخرى ضد تنفيذ حكم الإعدام. صرّح رئيس الدائرة الجناحية لدى محكمة الاستئناف في العاصمة أنّ رئيس الدولة قيس سعيد دعا إلى تنفيذ عقوبة الإعدام بخصوص الجرائم التي "تمسّ الأمن العام للبلاد والجرائم الإرهابية بصفة عامة"، وأبدى حرصه الشديد على ذلك. بدأت هذه القضية منذ مطلع الاستقلال عندما انفجر الصراع بين جناحَي الحزب الدستوري، وتحوّل إلى نزاع مسلّح ذهب ضحيته عديدون من مناضلي الحزب. ومع اغتيال صالح بن يوسف وحدوث المحاولة الانقلابية حسب توصيف الرئيس بورقيبة لها، صدرت أحكام بالإعدام ضد متهمين عدّة، وتبيّن للجميع إيمان الرئيس القوي بأنّ الإعدام هو "العلاج الجذري لمقاومة الجرائم بمختلف أنواعها"، وكان يردّد المثل التونسي "قصّ الرأس تنشف العروق". لهذا عرف عهده بالتشدّد في تنفيذ أحكام الإعدام. ويروى أنه بعد عملية قفصة التي قامت بها مجموعة من القوميين العرب، قام ياسر عرفات بتشجيع من صدّام حسين بمحاولة إقناع الرئيس بورقيبة بالعفو على المُورَّطين في تلك الأحداث، فكان رده بعد خروج الزعيم الفلسطيني التعجيل بتنفيذ الإعدام في 16 من المحكوم عليهم. ونجح المناهضون لعقوبة الإعدام في عهد الرئيس بن علي في جعله يتوقف عن تنفيذ الأحكام، فكان آخر حكم جرى تنفيذه في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 1991. ...أما اليوم فقد تحرّك من جديد "الائتلاف التونسي المناهض عقوبة الإعدام"، واعتبر أن ما جرى الإعلان عنه "سيكرّس انتكاسة خطيرة لالتزامات تونس الدولية"، ورأى فيه "تطوّراً بالغ الخطورة في ما يتعلّق بموقف تونس من الحق في الحياة". ويذكر في هذا السياق أنّ المحاكم التونسية أصدرت، بين عامَي 2015 و2025، ما لا يقل عن 268 حكماً بالإعدام. وبحلول نهاية 2024، كان ما لا يقل عن 166 شخصاً، بينهم ثماني نساء، قد حُكم عليهم/نّ بالإعدام. فالقانون التونسي يتضمن 58 مادة تنصُّ على تطبيق عقوبة الإعدام، مُوزّعة بين المجلة الجنائية وقانون القضاء العسكري. بناءً عليه؛ يتوقع أن يتجدّد الاشتباك بين تونس والشبكة الدولية لحقوق الإنسان، خصوصاً بعد أن سحبت وزارة الخارجية التونسية إعلانها بقبول اختصاص المحكمة الأفريقية في تلقّي الشكاوى المقدّمة من الأفراد والمنظّمات غير الحكومية. وهو ما اعتبره "الائتلاف" خطوةً أخرى لسياسة "الانسحاب المتتالي من الآليات الدولية والإقليمية لحماية حقوق الإنسان، وعامل قلق وانشغال متزايداً بشأن الوضع العام لحقوق الإنسان في تونس، وحول كيفية استغلال وتوظيف عقوبة الإعدام في هذا السياق السياسي". أخطر ما ورد في هذا البيان اعتقاد هذا الائتلاف بأنّ "اللجوء إلى مثل هذا الخيار الشعبوي لن يكون مُجدياً في مكافحة الجريمة، بما في ذلك الجرائم الإرهابية، ما لم تُعالَج أسبابها العميقة وتُجتثّ جذورها الاجتماعية والاقتصادية والفكرية. بل أثبتت التجارب أنّ عقوبة الإعدام غالباً ما تُوجَّه في الواقع ضد الفئات الفقيرة والمهمّشة، وضد المعارضين والمخالفين السياسيين، كما شهدت تونس نفسها خلال الفترة الاستعمارية، وكذلك خلال عهدَي بورقيبة وبن علي، تحت ذريعة "التآمر على أمن الدولة". هنا مربط الفرس. لا يتعلق الأمر بمكافحة جرائم الحق العام فحسب، وإنما الخوف كلّ الخوف من عدم التمييز بين تلك الجرائم التي لا يبرّرها الحقوقيون، ولا يُضفون عليها شرعية بقدر ما يطالبون بالقضاء على أسبابها، وبين المعارك السياسية التي لا تخلو منها أي مرحلة، والتي يجري تحويلها إلى مجال لتصفية الحسابات، ويجري الاعتماد على عقوبة الإعدام لحسم الصراعات بين السلطة معارضيها. سيتفاعل التونسيون إيجابيّاً من هذه العودة إلى تنفيذ الإعدام، نظراً إلى تعدّد الجرائم البشعة. وصاحب القرار سيكسب سياسياً وانتخابياً، لكن ذلك لن يعالج الظاهرة من جذورها. قد يلبي الرغبة في الانتقام لكنه لا يلامس العمق، وإن بقيت الأسباب فستعيد إنتاج السلوك نفسه، والأهم إبعاد الصراعات السياسية عن هذا الحقل الملغّم.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية