استهداف إيران لدول المنطقة يشبه فتح صندوق باندورا؛ نعرف كيف فُتح، لكن لا أحد يستطيع الجزم بكيفية إغلاقه. طبيعة الرد الإيراني بدت أقرب إلى خطوة لخلط الأوراق وترحيل الأزمة إلى الخارج، أكثر من كونه رد مُعاير ومحسوب ضمن خطة، وهو ما يوحي بأن طهران ربما تلقت ضربة مؤلمة في عمق بنيتها.
القراءة الأولية تشير إلى أن إيران استعادت بعض دروس المواجهات السابقة، حين أدى توسيع نطاق الاستهداف الإقليمي — كما حدث في قصف قطر سابقًا — إلى خلق ضغوط سياسية أسهمت في تهدئة التصعيد. هذه المرة يبدو أنها راهنت مجددًا على دفع دول الخليج للضغط باتجاه وقف الحرب، عبر نقل التوتر إلى محيطها المباشر. ومع ذلك، فإن حجم ونوعية الرد يوحيان بأن الخسارة التي تلقتها كانت كبيرة، حتى وإن لم تتضح أرقامها الحقيقية بعد.
في المقابل، تتحدث الصحافة الإسرائيلية عن عملية واسعة النطاق، شاركت فيها 200 طائرة واستهدفت 500 موقع داخل إيران، كما شاركت الولايات المتحدة بعدد غير معلن من الطائرات، إلى جانب ضربات صواريخ كروز نُفذت من منصات بحرية.
حيث شملت الأهداف بنى عسكرية ومنشآت قيادية .. إضافة إلى مكان المرشد الذي استهدف 30 غارة حيث يعتقد أنه قتل، إضافة إلى مقتل وزير الدفاع وعلي شمخاني وعدد من قادة الصف الأول. كما تم تأكيد مقتل السكرتير العسكري لخامنئي، وصهر المرشد، وزوجة نجله خلال القصف، فيما أُفيد بحدوث تعطيل في منظومات الربط بين منصات الصواريخ ومراكز القيادة والسيطرة وفروع الجيش الإيراني.
على الجانب الآخر، تمت عمليات اختراق سيبراني واسعة، بما في تطبيقً صلاة إيراني وبث رسائل موجهة للعسكريين تحثهم على الانشقاق، وأخرى موجهة للمواطنين تدعوهم للنزول إلى الشارع.
وفي السياق ذاته، وجّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رسالة مباشرة إلى الشعب الإيراني دعاهم فيها إلى “النزول إلى الشارع لاستكمال المهمة”، في مؤشر على أن المعركة تُدار أيضًا على مستوى الحرب النفسية وليس فقط في الميدان العسكري.
طهران بدورها كانت تحسب لسيناريو الضربات القيادية، إذ وضعت هيكلًا احتياطيًا للقيادة وفوّض المرشد صلاحياته لدائرته المقربة، في محاولة لضمان استمرارية القرار تحت الضغط. لكن ما يبدو أنه أربك الحسابات الإيرانية هو عنصر التوقيت والمباغتة، حيث أفادت الصحافة الإسرائيلية بأن قرار شن العملية اتُّخذ بصورة مفاجئة عقب ورود معلومات استخبارية عن اجتماعات لقادة إيرانيين، وهو ما اعتبرته تل أبيب وواشنطن نافذة مواتية لتوجيه ضربة قاصمة وهو ما جرى بالفعل.
مع ذلك، تدرك واشنطن وتل أبيب أن إسقاط النظام الإيراني بضربات جوية وحدها أمر بالغ الصعوبة، خاصة في ظل استعدادات النظام الايراني لهذه الحرب. الرهان، على ما يبدو، يتجه نحو استراتيجية مركبة تعتمد على ضربات متواصلة لعدة أيام، بالتوازي مع ضغط نفسي وإعلامي ومحاولات لإشعال اضطرابات داخلية.
صحيح أن إسرائيل وأمريكا هما من أشعلتا الحرب، واستعدت لها، وهذا جزء تحت سيطرتهما بشكل كبير. لكن ما ليس تحت سيطرتهم، وما لن يستطيع أحد التحكم فيه بسهولة، هو مسار الحرب بعد انطلاقها، وطريقة تطورها، ومدتها، والنتائج النهائية التي ستنتهي إليها.
هذا المشهد يذكرني بحديث هتلر مع أحد مساعديه قبل إطلاق عملية بربروسا ضد روسيا حيث قال: “بداية كل حرب أشبه بفتح غرفة مظلمة، لا أحد يعلم ما يختبئ فيها”. الزمن أثبت صحة كلامه، فقد كانت عملية بربروسا نقطة تحول رئيسية في الحرب العالمية الثانية وأحد الأسباب الأساسية لهزيمة ألمانيا.
المشهد لا يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات، والمؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة حساسة من تاريخها، اسرائيل تصر على إسقاط النظام، والنظام يصر على جر المنطقة معه إلى أتون الحرب. والسؤال الآن.. إذا سقط النظام الإيراني، هل تمتلك الدول العربية الإرادة والقدرة والإمكانات لملء الفراغ الاستراتيجي الذي ستتركه إيران في موازين القوى الإقليمية؟
وهل يمكنها منع إسرائيل من استغلال هذا الفراغ وفرض هيمنة شبه مطلقة على الشرق الأوسط؟
الواقع يشير إلى أنه ليس هناك قوة مجهزة ومستعدة لملئ الفراغ الإقليمي الذي سينشأ سوى اسرائيل.. وليس هناك قوة تستطيع مواجهتها سوى المملكة على شرط أن تتظافر الجهود العربية وتتكتل بشكل حقيقي خلف المملكة.
The post فتح صندوق باندورا في الخليج… قراءة في اشتعال الحرب ومآلات ما بعد التصعيد appeared first on يمن مونيتور.