عربي
السمراء فاطمة، ابنة اليرموك، جميلة الملامح، ذكّرتني بالوطن حين التقيتها على أعتاب منزلها المدمَّر في مخيّم اليرموك. ملامحها تحمل ذاكرة لم تعشها، وعبارة محفورة على جدار بيتها تقول: "إن عدتم عدنا". فالعودة، عند فاطمة، ليست احتمالًا مؤجَّلًا، بل يقين لا محالة منه، كما هي حال كلّ الفلسطينيين. ليست العودة إلى المخيّم وحده، بل أعمق من ذلك؛ إلى فلسطين ذاتها، حيث لم يتداعَ الانتماء يومًا، ولم يضعف الإيمان بالرجوع.
ماذا تعني العودة لأهالي اليرموك؟ وهم الذين تبدّلت مفاتيحهم وتكاثرت، فلم يعد المفتاح واحدًا. مفتاح بيت في حيفا أو طبريا، صار مفتاحين: لبيت مفقود هناك، وبيت مدمَّر هنا. النكبة الأولى لم تتوقّف، والتغريبة الأولى صارت تغريبات مُتلاحقة من فلسطين إلى سورية، ومن حصار خانق دام أكثر من عام، إلى دمار طاول أكثر من 70% من البنية التحتية للمخيّم، ثم نزوح معظم سكانه داخل سورية وخارجها. ومع ذلك، لم تتبدّد الرغبة، ولم يخفت الإيمان بالعودة.
عادت فاطمة من جرمانا إلى المخيّم قبل أربعة أعوام. تجلس اليوم أمام منزلها، تشعل نارًا لأنّها لا تملك ثمن مدفأة، وتعيش على فتات مساعدات لا تكفي لحياة كريمة، ولا تقوى معها على العمل. فكيف يقوى الأمل على الصمود وسط كلّ هذه الأحوال؟
قهوتنا فوق الركام
بعينين ممتلئتين حبًّا وترحيبًا، وبفنجان قهوة على كومة من الركام بمحاذاة منزلها، استقبلتنا فاطمة بكرمٍ يفيض رغم شحّ الإمكانيات. ففنجان القهوة في اليرموك ليس بنًّا وماءً وموقدًا فحسب؛ إنه روح ورسالة وحبّ ومقاومة. ثم شاركتنا قصّتها بفضول صادق وسعة صدر.
فنجان القهوة في اليرموك ليس بنًّا وماءً وموقدًا فحسب؛ إنه روح ورسالة وحبّ ومقاومة
ضحكتها أضاءت وجهها حين سمعت لهجتي وتعرّفت إلى فلسطينيتها؛ فحضر فنجان القهوة، وحضر الحبّ مضاعفًا. شعرنا بانتماء خاص، ذلك الذي يختبره الفلسطيني حين يلتقي فلسطينيًا آخر؛ حيث يتحوّل الانتماء أحيانًا من مكان إلى أشخاص يشبهونك في الدم والمعاناة.
فاطمة في الثامنة والخمسين من عمرها. جاءت إلى المخيّم طفلة مع عائلتها، فلم ترَ فلسطين، لكنها رأت اليرموك؛ كان المخيّم ذاكرتها الأولى. فيه بنت بيتًا وعائلةً وجيرانًا وأحلامًا واستقرارًا. المخيّم عندها ليس مجرّد مكان سكن، بل هو المكان الوحيد الذي استطاعت الانتماء إليه، هوية جديدة للفلسطينيين. فقد شكّلت المخيّمات الفلسطينية، ولا سيما اليرموك، حالة انتماء خاصة؛ سُمّيت مدارسها وشوارعها بأسماء مقاومين ومدن وقرى فلسطينية، وزُيّنت جدرانها بشعارات تبعث الأمل بالعودة، ومفاتيح تُرسّخ في الذاكرة بيوت النكبة. وكما يقول أهل المخيم: اليرموك فلسطين أخرى.
حين يصبح العجز مدعاة للفرح
مع فنجان القهوة، حضر حديث الحصار. بقيت فاطمة في المخيّم خمسة أشهر عانت خلالها التجويع والقصف وصعوبة الوصول إلى الدواء؛ "كان الدواء أغلى من الذهب"، كما تقول. خرجت لاحقًا بسبب شلل زوجها وحاجته إلى العلاج. وتروي بمرارة ممتزجة بامتنان: "لو ما كان مشلول ما كنا طلعنا… خلاصنا كان من خلال عجزه". في قلب المعاناة، يصبح العجز أحيانًا سببًا للنجاة.
يعيش الفلسطيني دومًا على أمل الرجوع، خاصة مع صعوبة الانتماء خارجه
لم تنتهِ المعاناة بالخروج. اعتُقل ابنها لتخلّفه عن الخدمة، وتُنقّل بين سجون متعدّدة، نهجٌ اعتمده النظام السابق لمنع وصول أيّ خبر إلى الأهالي. انتهى به المطاف في صيدنايا، في القسم الأحمر الأشدّ قسوة، حيث تعرّض لأشكال مختلفة من التعذيب حتى خرج كهيكل عظمي. ما زال متأثّرًا جسديًّا ونفسيًّا. خلال اعتقاله، لم تعرف فاطمة أين ابنها؛ كان أملها أن تعرف عنه أيّ شيء، حتى لو كان خبر موته. خرج بعد سنتين ونصف سنة، وبقي الجرح مفتوحًا.
بعد النجاة… أمل لا ينكسر
بين ألم فقد البيت والمخيّم، واختفاء الابن، ووفاة الزوج، لم تتخلَّ فاطمة عن الأمل بالعودة إلى اليرموك. فالفلسطيني يعيش دومًا على أمل الرجوع، خاصة مع صعوبة الانتماء خارجه. لجأت كغيرها إلى جرمانا، التي احتضنت نازحين كُثُرًا خلال الأزمة السورية، حيث تتقاطع هموم النزوح والبطالة والتضخم ومخاطر الأمن بين لاجئي فلسطين والسوريين على السواء.
تملك فاطمة منزلها، لكنها تقيم عند الجيران. البيت ما زال غير صالح للسكن بعد أكثر من ثلاث سنوات على عودتها. تلقت مساعدة واحدة لإعماره، قرابة ألف دولار من "أونروا"، لم تكفِ سوى لترميمات جزئية: بعض النوافذ وتوصيلات كهرباء. بقي المنزل غير مؤهّل للحياة.
تمضي أيامها بالتجوال في حارات المخيّم، التي صارت كتلًا من الركام؛ ما كان بيتًا وحديقة ومدرسة، وحتى مقبرة، دُمّر. تدعم ابنها وتفخر بتخلّفه عن الخدمة، لكنه يعاني آلامًا جسدية من آثار التعذيب، ولا تملك كلفة علاجه. تقول إنّ آخر مساعدة فعلية وصلتها كانت قبل أكثر من عام ونصف عام.
ومع كلّ ذلك، تظلّ العودة أملًا مستمرًّا ومتجدّدًا: اليوم إلى اليرموك، وغدًا إلى فلسطين.
وإن عدتم… عدنا.