ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
المصدر: المركز العربي لدراسة السياسات في واشنطن العاصمة، كتبه “جورجيو كافيرو”**
أثار قرار إسرائيل في ديسمبر 2025 الاعتراف بإعلان أرض الصومال (صوماليلاند) الانفصالي للاستقلال قلقاً بالغاً لدى المملكة العربية السعودية؛ إذ ترى الرياض أن وحدة الأراضي الصومالية ركيزة أساسية لأمن البحر الأحمر وخليج عدن. ومن المنظور السعودي، فإن الدعم الإسرائيلي والإماراتي لـ “أرض الصومال” يهدد مصالح الرياض والاستقرار الإقليمي على حد سواء. وقد خلقت التقارير الواردة حول الخطط الإسرائيلية لإنشاء وجود عسكري وتأمين الوصول إلى الموانئ في الإقليم المنفصل حالة من عدم الارتياح في السعودية بشأن التفتت وحتى الفوضى على طول ممرات التجارة البحرية الرئيسية المحيطة بشبه الجزيرة العربية.
ولمواجهة هذا التهديد المحتمل، تعمل المملكة العربية السعودية على تعزيز علاقاتها الدفاعية مع مقديشو. وتدعم كل من مصر وقطر وتركيا -التي تعتبر أيضاً الحفاظ على وحدة الأراضي الصومالية أمراً حيوياً- موقف الرياض بقوة في الدفاع عن وحدة الصومال. وتكشف هذه الاصطفافات عن مدى التصدع الذي أصاب تحالف السعودية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، في ظل توسيع أبوظبي وتل أبيب نفوذهما عبر تقديم الدعم لجهات فاعلة من غير الدول في البلدان الهشة. وتسلط التوترات بشأن “أرض الصومال” الضوء على صراع معقد بين مختلف القوى الإقليمية في الشرق الأوسط وهي تتنافس على النفوذ في خليج عدن والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، على خلفية الصراعات المستمرة في السودان واليمن.
الأمن في القرن الأفريقي
يتمتع القرن الأفريقي بموقع استراتيجي بين المحيط الهندي وقناة السويس، ويتحكم في الوصول إلى خليج عدن والبحر الأحمر، مما يجعله يقع على واحد من أهم طرق التجارة في العالم. وتفسر هذه الجغرافيا المصالح الراسخة للمملكة العربية السعودية وبقية أعضاء مجلس التعاون الخليجي في هذا الجزء من أفريقيا. وتكتسب الصومال أهمية خاصة لأنها تتيح لهذه القوى فرصاً لبسط نفوذها في جميع أنحاء القرن الأفريقي وعبر ممرات التجارة التي تربط قارات متعددة. وفي هذا السياق، ترى القيادة السعودية أن التدخل الإسرائيلي والإماراتي في جمهورية “أرض الصومال” المعلنة من جانب واحد يمثل تهديداً رئيسياً لمصالح الرياض في الدفاع عن السلامة الإقليمية للصومال.
وفي 26 ديسمبر 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف رسمياً باستقلال “أرض الصومال”. وسرعان ما أدانت منظمات دولية هذه الخطوة المثيرة للجدل، ومنها الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، ومجلس التعاون الخليجي، ومنظمة التعاون الإسلامي. واستجابت الرياض على الفور، حيث استثمرت نفوذها لحشد تنديد إقليمي واسع بخطوة تل أبيب. وقد سلط رد الفعل السعودي الضوء على حساسية الرياض تجاه سيادة الصومال وتماسك أراضيه، فضلاً عن تصميمها على العمل مع مقديشو لإحباط الأجندات الخارجية الرامية لتقسيم الدولة.
وفي 9 فبراير 2026، اتخذت الرياض خطوة ملموسة للدفاع عن الصومال بتوقيع مذكرة تفاهم للتعاون العسكري مع مقديشو. ويهدف هذا الاتفاق إلى تعزيز التعاون الدفاعي الثنائي عبر تطوير الدعم الفني والتدريب وتطوير القوات، لكنه لم يصل إلى حد معاهدة رسمية للدفاع المشترك. ووصفت مقديشو الاتفاق بأنه دليل على التزام المملكة العربية السعودية بوحدة الأراضي الصومالية.
وفي ضوء الحملات العسكرية الإسرائيلية التي أعقبت 7 أكتوبر 2023، خلص معظم أعضاء مجلس التعاون الخليجي إلى أن إسرائيل -وليس إيران- هي التي تشكل التهديد الأخطر للأمن الخليجي. ونظراً للقرب الجغرافي الشديد لـ “أرض الصومال” من شبه الجزيرة العربية، يرى المسؤولون السعوديون أن احتمال تغلغل إسرائيل بشكل أكبر في الأراضي الصومالية وعمقها الاستراتيجي يمثل تهديداً خطيراً. وكان الهجوم الإسرائيلي على قطر في 9 سبتمبر 2025 قد أكد هشاشة الخليج تجاه عدوان تل أبيب العابر للحدود؛ حيث وقعت هذه الضربة الإسرائيلية غير المسبوقة رغم وجود المقر الميداني للقيادة المركزية الأمريكية في قاعدة العديد الجوية بقطر، مما أثار تساؤلات حول جدوى الضمانات الأمنية الواشنطنية لدول مجلس التعاون الخليجي. كما تعززت المخاوف السعودية بشأن خطط تل أبيب المستقبلية في “أرض الصومال” من خلال التقارير الأخيرة حول عزم إسرائيل إنشاء قاعدة عسكرية هناك، بالإضافة إلى تصريح رئيس الإقليم في 6 فبراير 2026 بأن إدارته الانفصالية “لا تستبعد إمكانية منح شركة إسرائيلية ميناءً” في المنطقة.
وترى الرياض أن اعتراف إسرائيل بـ “أرض الصومال” يعزز احتمالات تقوية الحركات الانفصالية الأخرى في العالمين العربي والإسلامي. وقد أصبحت السعودية أكثر حساسية تجاه التفتت في الجوار، كما تجلى في عملياتها العسكرية في أواخر عام 2025 ضد المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي في اليمن (المدعوم من أبوظبي)، ودعمها للقوات المسلحة السودانية في الحرب الأهلية، وتأييدها للرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع في جهوده لاستعادة سلطة الدولة المركزية. ومن الواضح أن قيادة المملكة ترى في النزعات الانفصالية تهديداً كبيراً للاستقرار الإقليمي. وتركز السعودية اليوم على دفع رؤية 2030 لتحقيق التنمية الاقتصادية والتنويع، وهو ما يتطلب استقراراً في الداخل وفي دول الجوار؛ ولذلك يرى المسؤولون السعوديون في الدعم الإسرائيلي والإماراتي للتجزئة تهديداً لرؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
- اليمن على مفترق طرق: تفكك “الانتقالي” وبروز “إقليم الشرق” يكسر ثنائية الشمال والجنوب
- صفقة أم حرب؟ 5 حقائق صادمة خلف الكواليس حول المواجهة الأمريكية القادمة مع إيران
العامل الإماراتي والتصدعات الجيوسياسية
لم تعترف الإمارات رسمياً باستقلال “أرض الصومال”، بل حافظت على قدر من الغموض تجاه المسألة؛ حيث رفضت أبوظبي التوقيع على بيان مشترك لجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي يدين الاعتراف الإسرائيلي بـ “أرض الصومال”، لكنها أصدرت في يناير 2026 بياناً مشتركاً مع الاتحاد الأفريقي دفاعاً عن “سيادة الصومال وسلامة أراضيه وأمنه واستقراره”. وعلى مر السنين، ضخت الإمارات استثمارات ضخمة في “أرض الصومال” دون مراعاة لسيادة مقديشو، وقد يكون موقفها قد ساهم في قرار تل أبيب الاعتراف باستقلال الإقليم في ديسمبر 2025.
أثار هذا الموقف غضب القيادة في مقديشو؛ ففي 12 يناير 2026، أعلن مجلس الوزراء الصومالي إلغاء جميع اتفاقيات الدفاع والأمن وعمليات الموانئ مع الإمارات. وصرح وزير الدفاع، أحمد معلم فقي، بأن القرار استند إلى أدلة تفيد بأن الإمارات تقوض السيادة والوحدة الوطنية والاستقلال السياسي لجمهورية الصومال.
ويجب قراءة القطيعة بين مقديشو وأبوظبي في السياق الأوسع لتصدع التحالف السعودي الإماراتي؛ فعبر خطوط صدع إقليمية متعددة، برز احتكاك بين السعودية وما ظهر كـ “محور تفتيت” إماراتي إسرائيلي. وبعد أن أصبح اليمن بؤرة توتر رئيسية بين الرياض وأبوظبي في أواخر 2025 وأوائل 2026، بات ملف “الصومال – أرض الصومال” الآن مركز تنافسهما الاستراتيجي.
وتظهر التوترات بين القوتين الخليجيتين بوضوح في عدة ساحات؛ إذ ينتقد العديد من السعوديين، والعرب عموماً، الإمارات لكونها “مفرطة في التودد” للحكومة الإسرائيلية بينما تواصل الأخيرة حرب الإبادة في غزة وسرقة الأراضي وعنف المستوطنين في الضفة الغربية. كما أعرب مسؤولون سعوديون عن قلقهم بشأن مزاعم اصطفاف أبوظبي مع تل أبيب فيما يتعلق بالدروز في جنوب غرب سوريا. وترى السعودية في دعم أبوظبي لقوات الدعم السريع السودانية تهديداً للحكومة في الخرطوم وللأمن في حوض البحر الأحمر بشكل عام.
ومع تعرض وحدة الأراضي الصومالية لهجوم من إسرائيل والإمارات، فمن المرجح أن تسبب قضية “أرض الصومال” مزيداً من الاحتكاك في العلاقات السعودية الإماراتية. ولا شك أن الإمارات ستواصل سياستها الخارجية الحازمة في خليج عدن والبحر الأحمر والمتوسط، بدعمها لمختلف العناصر الانفصالية واصطفافها المتزايد مع إثيوبيا في القرن الأفريقي. وفي المقابل، يرجح أن الرياض ترى في التحركات الإماراتية في “أرض الصومال” تهديداً خطيراً لمصالح أمنها البحري.
- لماذا يهدد اعتراف إسرائيل بـ “أرض الصومال” بمزيد من زعزعة الاستقرار في البحر الأحمر؟
- محاور البحر الأحمر: أسمرة في معسكر الرياض والقاهرة.. وأديس أبابا رهان أبوظبي

الاصطفافات الإقليمية
لمواجهة المحور الإماراتي الإسرائيلي، عززت السعودية تنسيقها مع مصر وقطر وتركيا، التي تشاركها ذات التصورات تجاه التهديدات القادمة من أبوظبي وتل أبيب.
ونظراً لأهمية البحر الأحمر وقناة السويس للاقتصاد المصري، تدرك القاهرة حجم المخاطر عندما يتعلق الأمر بالأمن البحري في هذه المياه. وتلتقي مصالح مصر عقلانياً مع المصالح السعودية في مواجهة السياسات الإماراتية تجاه الصومال والسودان وإسرائيل.
ويعد تعاظم الروابط الاقتصادية والعسكرية والسياسية بين الإمارات وإثيوبيا عاملاً مهماً في هذه المعادلة؛ حيث سهلت أبوظبي الروابط بين “أرض الصومال” وإثيوبيا، بما في ذلك تأمين وصول أديس أبابا إلى البحر الأحمر. وقد أدى هذا التدخل إلى تفاقم التوترات الناجمة عن النزاع المستمر بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة، مما زاد من مخاوف القاهرة بشأن أمنها المائي. لذا، تبدي مصر تمسكاً راسخاً بدعم الصومال ومعارضة الدعم الإثيوبي والإماراتي لـ “أرض الصومال”.
ويساعد هذا السياق في تفسير حماسة القاهرة لتوقيع اتفاقيتها الدفاعية مع الصومال عام 2024، واصطفافها الوثيق مع موقف الرياض. وقد تشهد الأشهر المقبلة مزيداً من المؤسسية لإطار أمني ثلاثي (سعودي-مصري-صومالي) يهدف ليس فقط لحماية استقرار البحر الأحمر، بل لموازنة السياسات الإثيوبية-الإسرائيلية-الإماراتية في الصومال والسودان.
من جانبها، أدانت قطر بشدة اعتراف تل أبيب بـ “أرض الصومال”، وأبرمت اتفاقية دفاع مع الصومال قبل أسابيع قليلة من إضفاء الطابع الرسمي على الاتفاق الدفاعي بين الرياض ومقديشو. ويركز الاتفاق القطري مع الصومال على التدريب العسكري وتبادل الخبرات وتطوير القدرات الدفاعية وتعزيز التنسيق الأمني بهدف تدعيم الاستقرار الإقليمي.
وتؤكد علاقة الدوحة بمقديشو مدى تقارب قطر والسعودية في القضايا الأمنية الإقليمية الرئيسية، بعد مرور خمس سنوات فقط على استئناف العلاقات الدبلوماسية وإنهاء حصار الدوحة. ويتضح هذا التوافق أيضاً في الدورين القطري والسعودي في التأكيد على وحدة الأراضي السورية، التي يرى بعض المسؤولين السعوديين أنها مهددة بدعم إسرائيلي وإماراتي مزعوم للجماعات الدرزية الانفصالية. وبينما ستحرص قطر على تجنب الظهور بمظهر الساعي لتهميش الإمارات أو عزلها، فإن التوازي بين موقفي الدوحة والرياض يعكس مخاوفهما المشتركة حيال استراتيجيات أبوظبي الداعمة للتقسيم.
كما سارعت تركيا للانضمام إلى السعودية في إدانة اعتراف إسرائيل بـ “أرض الصومال” بشكل لا لبس فيه. وكان الدعم التركي للحكومة الصومالية المعترف بها دولياً مهماً في جهود مقديشو لبسط سيادتها والوقوف في وجه المبادرات الأجنبية الرامية لتقسيم البلاد. ومع احتفاظ تركيا بوجود عسكري وشراكات مؤسسية في الصومال، تظل أنقرة شريكاً حيوياً لمقديشو. وقد يؤدي الالتزام التركي بالدفاع عن وحدة أراضي الصومال إلى تقريب أنقرة والرياض جيوسياسياً في وقت تشهد فيه التوترات التركية الإسرائيلية ذروتها.
- وحدها في قمرة القيادة.. كيف تعيد السعودية صياغة التوازنات اليمنية؟
- تحقيق حصري: صندوق عدن الأسود.. كيف سقطت إمبراطورية “أبو سعيد الإماراتي” في قبضة السيبرانية السعودية؟
- حصري- سقطرى.. ماذا وجد الفنيون السعوديون عقب “الطرد المفاجئ للإمارات”؟
التداعيات الأوسع على الاستقرار الإقليمي
توضح التوترات الناجمة عن ملف “الصومال – أرض الصومال” تحولات كبيرة في المشهد الجيوسياسي للخليج والقرن الأفريقي. فمع تزايد القلق من الانخراط الإسرائيلي والإماراتي مع “أرض الصومال”، منحت الرياض الأولوية للدفاع عن التماسك الإقليمي للصومال. وتبرهن شراكات الرياض مع أنقرة والقاهرة والدوحة على جهود السعودية للتصدي للمحور الإماراتي الإسرائيلي. وتبرز هذه الاصطفافات رؤية تعتبر تماسك الدول الهشة مثل الصومال، والسيطرة على الممرات البحرية الحيوية، ومنع السوابق الانفصالية، ضرورات قصوى للرياض.
وفي المقابل، يتبنى المحور الإماراتي الإسرائيلي نهجاً بديلاً يقوم على استغلال قوى التفتت لبسط النفوذ في الدول الهشة بالمنطقة. وهكذا تنعكس التوترات بين السعودية وشراكة “أبوظبي-تل أبيب” بطرق معقدة، مسلطة الضوء على التداخل بين السيادة الوطنية والأمن الإقليمي والنفوذ الأجنبي. ورداً على ذلك، من المرجح أن تعمق السعودية تعاونها مع الجهات الفاعلة التي تدعم رؤيتها لهيكل أمني إقليمي يحترم الحدود المعترف بها دولياً، والسيادة الوطنية، وسلطة الحكومات المركزية.
______
** جورجيو كافيرو الرئيس التنفيذي والمؤسس لمؤسسة Gulf State Analytics
The post لماذا قررت السعودية مواجهة التحالف الإسرائيلي الإماراتي في الصومال؟.. مركز دراسات يجيب appeared first on يمن مونيتور.