سبتمبر نت/ مقال – أيوب الكهالي
تحل علينا الذكرى الخامسة لإحدى الملاحم البطولية المصنفة ضمن الوقائع التاريخية الفريدة والأقرب لقصص الخيال التي لا يكاد يستوعبها العقل البشري بأحداثها وتفاصيلها المثيرة والنادرة، في ليلة ملتهبة وعصيبة تعرضت قلعة الجمهورية وحصنها المنيع مأرب لإحدى الاختبارات الصعبة والحساسة والحاسمة التي ستحدد مصير وترسم مستقبل وتوجه مسار.
حينها شنت مليشيا الحوثي الإرهابية هجوماً كبيراً استهدف جبل البلق الغربي ما وضعه على المحك بل جعله في عداد المناطق الواقعة بيد المليشيات بنسبة كبيرة جداً بوضع عسكري وميداني شبه محسوم، لكن لأنها مأرب ولأنها تتسلح بأبطال خارقين ممن يقلبون التوقعات ويغيرون الوقائع ويعكسون مجرى السيل مهما كان حجمه وقوته، فقد كان الوضع مغاير.
العميد عبدالغني شعلان قائد قوات الأمن الخاصة أحد أبرز أولئك الدروع حماة القلعة والظهر الذي تستند عليهم الجمهورية شعر بخطورة الموقف وصعوبة الوضع ورأى بأن المسألة تحتاج لعمل فدائي بطولي استثنائي للحفاظ على البلق في حضن الجمهورية.
ولأن الأمر يمس الجمهورية بالصميم وينال من شموخ مأرب بتاريخها العريق فقد قرر العميد شعلان الانطلاق دون تردد نحو مهمة شبه مستحيلة وهدف أقرب للخيال.
ذهب وأطلق نداء البطولة من عرين الأبطال ميدان قوات الأمن الخاصة مخاطباً قواته بأن الوضع حرج للغاية ويتطلب عزيمة صلبة لا تقهر وانه متجه لخوض غمار معركة جمهورية فريدة فمن أراد أن يأتي معي فليأتي ومن أراد البقاء فليبقى.
هبّ رجال قوات الأمن الخاصة هبة رجل واحد بقادتهم وأفرادهم وانطلق الجميع خلف القائد المغوار شعلان، وصل الجميع ووجدوا البلق يستغيث ويكاد يخرج خارج نطاق الجمهورية.
ولأن الهدف كان واضح وبدون أي خيارات أخرى فقد احتزم شعلان حاملاً سلاحه وبدأ ملحمة الصعود الفدائية كالشهب الذي يخترق السماء وسط كثافة السحب التي تمطر رصاصاً غزيراً يغطي كل شبر من المكان.
صعد شعلان وكان جبلاً يصعد جبل وقد كانت كل خطوة صعود شعلانية تمثل عشر خطوات سقوط لفلول المليشيا التي تهاوت أمام القائد وقواته برغم تمركزها وعدتها وعتادها في مشهد مذهل لا يستوعبه العقل.
استمر القائد شعلان بخوض المعركة البطولية يشق الصخر وينثر الرمل ويخترق الرصاص لا يأبه ولا يبالي ولا يتردد ولا يخاف حتى امتطى صهوة البلق معانقاً الجمهورية ورافعاً راية النصر الذي عمّده بدمه الزكي رافضاً إلا أن يدون قصة بطل أسطورية ليس لها نظير استطاع من خلالها ان يجمع بين أغلى وأسمى هدفين ناضل وضحى وسعى لأجلهما – النصر والشهادة معا.
ارتقى شهيداً جبلاً شامخاً على قمة جبل بعد أن حقق نصراً جمهورياً مؤزراً ختم به قصة بطل يمني صلب واضعاً اسمة في قائمة الشرف بين أعتى من أنجبته هذه البلد.
معركة البلق كانت موقف من فصيل المستحيلات ولذلك احتاجت لعزيمة رجال من الفصيل النادر، وقد كان شعلان وقواته أهلاً لها.
تلك الملحمة لم تكن الأولى ولا الوحيدة للشهيد العميد عبدالغني شعلان، بل كانت الأخيرة ومسك الختام لقائمة لا حصر لها من الملاحم والبطولات والتاريخ الزاخر بالمواقف الرجولية الفريدة للذود عن الوطن وترابه.
الرحمة والمغفرة والخلود للشهيد العميد عبدالغني شعلان ورفاقه الشهداء ومن سبقهم وسار على دربهم في مختلف ربوع الوطن .