محمد العلائي
بعد دخول أهل اليمن في الدولة والدعوة الإسلامية دون قتال ومشاركتهم في الفتوحات، استيقظ داخلهم الوعي الشديد بعظمة ممالك اليمن القديمة -سبأ وحمير- والشعور المرّ بفداحة زوالها.
حينها فقط استعاد الماضي الآفل والمنسي، للبلاد التي جاءوا منها، كل ألقه وحضوره.
رأى اليمني المترحل صروح وعروش ومدن الآخرين،
وربما التفت إلى نفسه وقال: كان لنا في الماضي شيء من هذا، ولم نهتم!
ظهرت هذه الانتباهة مبكراً، من خلال شعر حسان بن ثابت على سبيل المثال.
وكلما أوغل اليمني في أسفاره وغربته في المكان، زادت حاجته إلى السفر بخياله في الزمان رجوعاً إلى اللحظات الثمينة المفقودة التي أضفى عليها الغياب والبُعد رونقاً وجمالاً وأبّهة أكبر ربما مما كان لها في الواقع.
وفي بلاط مملكة الإسلام العربية، تحولت قصص ملوك اليمن القدامى إلى مادة للمسامرة والمثاقفة في مجالس معاوية على لسان عبيد بن شرية الجرهمي، أول إخباري مختص برواية قصص التبابعة.
وفي خضم التحزب القحطاني العدناني، أصبحت العودة الملحمية إلى ماضي اليمن سلاحاً رمزياً لا غنى للتيار القحطاني عنه، وذلك لتعديل كفّته قليلاً أمام عظمة وجلال الحاضر "العدناني" بفضل الإسلام، رسالة ودولة.
تحولت الصدمة إلى نوبات تذكّر جارفة،
وتحول التذكّر إلى استيهام شعري سجالي دافق الخيال، واختلط الخبر بالأسطورة الأدبية، والرواية التاريخية بالدعاية السياسية.
وكما يقول جواد علي، فقد لوّن اليمانيون تأريخهم القديم بألوان زاهية جميلة من القصص والحكايات والأخبار، فوضع عبيد بن شرية الجرهمي كثيراً من القصص والأشعار عن العرب الأولى وعن القحطانيين،
ووضع يزيد بن ربيعة بن مفرغ، وهو شاعر متعصب لليمن، قصص تُبع.
ثم جاء وهب بن منبه صاحب كتاب "التيجان في ملوك حمير" وفعل الشيء نفسه.
واستمرت السلسلة على نفس النهج وصولاً إلى الهمداني في الإكليل والدامغة، ثم نشوان الحميري في "القصيدة الحميرية".
كان ذلك بمثابة هجرة جماعية ذهنية من "حاضر لا يخصنا" إلى السؤدد والعز والمجد الزائل في "الماضي الذي يخصّنا".
أصبح التاريخ قصيدة متصلة تتردد في جنباتها -بالتناوب- مشاعر الفخر والحسرة والرثاء، وما يرتبط بذلك من مبالغة وتهويم عاطفي.
لكن لم يحاول أحد من مؤلفي "الملحمة اليمنية" أن يقدم تعليلاً واحداً رداً على هذا السؤال: لماذا ضاع الذي ضاع؟
كان يخيّم على فكرهم ما يشبه التسليم بالقضاء والقدر، ويبدو أن الاعتقاد الجديد بأن الله "يعطي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء"، أعفاهم من جهد التعليل والتفسير العقلي لحوادث التاريخ وتقلباته،
وتركوا "لماذا؟" معلّقة دون رد إلى اليوم.
لكن حتى الملاحم والأساطير لا تخلو من قيمة تاريخية.
المستشرق الروسي بيتروفيسكي في كتابه "ملحمة عن الملك أسعد الكامل"، أشار إلى إمكانية استخدام الملاحم كمرجع من مراجع الدراسة التاريخية لليمن.
ورغم تأكيده على أن الملاحم ظاهرة أدبية أكثر منها طفرة علمية، إلا أنه لم ينفي أنها تحتوي على كثير من المعلومات التاريخية الدقيقة، (بيتروفيسكي، "ملحمة عن الملك أسعد الكامل"، ص5).
قال بيوتروفيسكي إن القسم الأعظم من أساطير وحملات أسعد الكامل البعيدة ارتبط بدرجة كبيرة بالأغراض والأهداف الثقافية والسياسية للقحطانيين وذلك لتمجيد الماضي ولجعل ملوكهم أبطالاً اسطوريين.
ويتابع قائلاً: "إن القصص عن غزوات الأقطار البعيدة لا يمجد في الحقيقة اليمنيين القدماء فقط بل يُقلل من أهمية الفتوحات الإسلامية، إذ أنها حسب ما يريد القحطانيون ليست سوى تکرار لفتوحات حميرية سالفة.
تعتبر ملحمة الفتوحات الإسلامية مصدراً من مصادر الأساطير عن حملات أسعد خارج شبه الجزيرة العربية".
هل بيوتروفيسكي على صواب؟
لنعتبر كلامه فرضية من بين فرضيات.
وليس هذا المستشرق أول من شكك في الغزوات والفتوحات الكبرى المنسوبة في "الملحمة اليمنية" إلى بعض ملوك سبأ وحمير، فقد سبقه ابن خلدون في مقدمته.
أخبار ذات صلة.