عربي
تأتي السريّة وعدم مكاشفة الشعب السوري، سواء خلال العقود ومنح الفرص الاستثمارية أو التسويات المالية مع رجالات النظام السابق، إضافةً ضاغطة للاحتقان الذي يلف الشارع الآن، جراء عدم العدل في منح الفرص واستئثار أعضاء "جبهة النصرة سابقاً" بالمناصب والمواقع التنفيذية، الخدمية والاقتصادية بعد العسكرية والأمنية.
إلى جانب سبب مباشر ومحق، وهو تردي الواقع المعيشي للسوريين الذين لم يتغيّر حالهم، بل زادوا فقراً وعوزاً بسبب ارتفاع فواتير الكهرباء وأسعار المحروقات والسلع الاستهلاكية اليومية، بواقع يفتقر إلى فرص العمل أو لأجور توازي المصاريف لمن يعملون. بيد أن الشعب السوري، الذي ضحى وناضل، ربما كما لم يعانِ غيره من شعوب بلدان الربيع العربي، حتى اقتلع عصابة الأسد ووصل إلى الدولة والمواطنة والكرامة، قد يصمت عن تردّي الوضع المعيشي مؤقتاً، على أمل التحسّن قريباً، بعد استرداد الجغرافية من الانفصاليين، في الشمال والجنوب وعودة الثروات إلى الدولة المركزية وبدء قدوم الاستثمارات وحركة الأسواق وإعادة الإعمار.
وقد يرى السوريون، أو بعضهم على الأقل، مبرّرات للدولة بتوزيع بعض الاستثمارات الخارجية لاعتباراتٍ سياسيةٍ لها علاقة بالتوازنات واستبعاد الأذى عن دولة تتشكل للتو، وهي في أمسّ الحاجة للدعم لا للإعاقة، كما نظروا، وإن بحيرة وعلى مضض، لتوزيع المناصب، كحلول مؤقتة من شأنها بسط الأمن والأمان ريثما تستقر البلاد، ليُعاد تشكيل حكومة واستقطاب السوريين ومشاركتهم بنهوض بلدهم، على حسب الكفاءة والخبرة والنضال خلال الثورة، ليس إلا.
ولكن، أن يرى السوريون رجالات نظام بشّار الأسد يتجولون في العاصمة دمشق، أو يعود أباطرة المال وسادة الاستثمارات والفرص، فهذا ما لا يستطع عليه صبراً، من ضحّى وعانى من هؤلاء، إلى درجة القتل والتهجير وسرقة المنازل وحديد الأسطحة. وجاء خبر تداوله السوريون أخيراً، عن تسوية مالية مع طريف الأخرس (قريب زوجة بشار الأسد أسماء الأخرس) لينكأ جراحاتهم ويعيد مشاهد التفقير والقتل والتهجير للذاكرة، رغم ما حملته بقية الخبر من تسكين" التسوية المالية لا تلغي حق المتضررين في المقاضاة الشخصية، بل يقتصر أثرها على الحق العام والمستحقات المادية للدولة" أو آمال مالية تتعلق بمصادرة 80% من إجمالي ممتلكات الأخرس، بما في ذلك الأصول السائلة من عقارات ومنقولات.
وزاد الصفعة التي تلقاها السوريون جراء صفقة التسوية مع الأخرس، أنها جاءت تالية لتسويات سابقة معلنة، وربما أكثر وجعاً ودلالات، كالتي حصلت مع أعمدة للنظام المالي لبشار الأسد من أمثال سامر فوز ومحمد حمشو. لتزيد الخيبة ويتعاظم هاجس دور المال وسطوة أباطرته، بواقع استمرار وجود وغرق المخيمات وزيادة البطالة والغلاء وتفشي الفقر الذي يكابده السوريون حتى بعد انتصار ثورتهم. وتبدأ تتبلور قناعة، أو ملامح قناعة، أن "سادتكم في الجاهلية.. سادتكم في الإسلام".
قصارى القول: المنطق والعدل وبناء الدولة، جميعها تتطلب ولا شك، تشكيل لجنة لمكافحة الكسب غير المشروع وملاحقة مجرمي العهد البائد، كالتي حدثت في سورية وفق المرسوم 13 العام الماضي، علها تسترد الأموال العامة المنهوبة وتفكك شبكات الاحتكار المالي التي تشكلت خلال العقود الماضية وأثناء ثورة السوريين، بل تؤسس لإفصاح تطوعي يتيح لرجال الأعمال والمسؤولين في النظام السابق، ما دون القتل والحقوق الشخصية، تسوية أوضاعهم والمساهمة في البناء، ضمن نظام حوكمة شفاف، يعيد الحقوق لأصحابها والمال العام للدولة لتستثمره في الدورة الاقتصادية وتحسين المعيشة وإعادة الإعمار. على أن تجري التسويات، في العلن وليس وراء الأبواب المغلقة، لمعرفة حجم وكيفية استرداد الأموال التي تعوض للدولة خسائرها، وتنتهي ملفات الملاحقة والتهرب الضريبي، قبل رفع الحجز الاحتياطي وتجميد الأموال وعودة هؤلاء، الذين يصفهم جل السوريين بمجرمي الحرب وتجار الأزمات، للتجول في دمشق والتوقيع على العقود والتحكم بمسارات الاقتصاد من جديد.
وهو مالم نسمعه أو نقرأ عنه، خلال اجتماع وزير المال، محمد يسر برنية قبل أيام، خلال لقائه لجنة إدارة الأموال المصادرة واستثمارها والإعداد لخريطة استثمارية شاملة تهدف إلى خلق بيئة تنافسية قادرة على جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية لدفع عجلة البناء والتنمية، كما قال. أو يصدر حوله بيان، من لجنة مكافحة الكسب غير المشروع المشكلة منذ العام الماضي وفق نظام الإفصاح التطوعي والتي يترأسها، باسل سويدان. بل كل ما لدى السوريين من معلومات متناقلة وغير رسمية، أن سويدان ترأس اللجنة بعد "الشيخ أبو مريم"، وأنها لجنة طارئة تهدف إلى معالجة الفساد المالي، وأنها تلاحق 950 اسماً من أصحاب الأعمال والمسؤولين السابقين بنظام الأسد لاسترداد المال وتحوله إلى الصندوق السيادي السوري. وهذه السوانح أو شذرات المعلومات، غير كافية لطمأنة شعب مكلوم، كالسوريين الذين سرقت أموالهم وحيواتهم وتشتتوا لدول العالم قاطبة، جراء نظام القتل الأسدي الذي أيده هؤلاء المُسوّاة أوضاعهم.
نهاية القول: من الصعوبة البالغة بمكان، الحديث عن أمر بالغ الأهمية والخطورة بواقع شح المعلومات والتستر المتعمد من السلطة السورية الجديدة، في أمر، من المفترض أنه قضية رأي عام. من أبسط حقوق السوريين المنهوبين من هؤلاء التجار والمقتول ذويهم على يد مسؤولي النظام السابق والذين ما يزالون مهجّرين في أصقاع الأرض، الطمأنة أولاً بأن ما يجري من تسويات، هي اقتصادية وليست جنائية، ولن تمتد اليد وسطوة المال على حقوقهم الشخصية ودم ذويهم وأرزاقهم. لتأتي الشفافية والحوكمة وفق المعايير الدولية وتجارب الدول السابقة، باستعادة الأموال المنهوبة ومحاكمة المجرمين، ثانياً. فمخاوف السوريين من عودة آليات تعاطي النظام السابق مع أرباب المال والعقود والمناصب والتسويات، بدأت تتعاظم في الشارع السوري، وتتجلى، أقوالاً فقط، حتى اليوم.
من بعدها يأتي ثالثاً هدف رفد خزينة الدولة بموارد مالية سريعة تسيّر عبرها الضرورات، من أجور وتحسين معيشة وإقلاع إعمار، ورابعاً من طمأنة ورسائل اقتصادية وسياسية، داخلية وخارجية، بأن باب المشاركة بسورية الجديدة، مفتوح لمن يدفع ثمن آثام الماضي من السوريين وضمان الحقوق والعدالة لرأس المال الخارجي وأن القطاع المالي بسورية موضع ثقة والمناخ العام جاذب، خاصة بعد رفع العقوبات الاقتصادية الدولية عن سورية، وبمقدمتها "قيصر" الأميركية. وإلا، وفق ما يجري وما نرى، ستأتي آلية تلك التسويات وفق تلك الحوكمة والتكتم والسرية، على شعبية السلطة السورية الجديدة وتتحول التسويات إلى طريقة لتبييض وجوه وأموال الفاسدين، ليعود سادة الأسد سادة سورية الجديدة.
لأن استبدال المصادرة الشاملة عبر قضاء عادل شفاف بتسويات سريّة وبراغماتية ستكرّس ثقافة إفلات من معه المال من العقاب وقدرته على شراء البراءة وصكوك الغفران وتشرعن ما يفيض من أمواله ليعود ويهيمن على الاقتصاد، وإن بأسماء شركات جديدة ووجوه وشركاء جدد، هذا إن لم نأت على ما يمكن أن يكوّنه المستثمر الخارجي عن المناخ السوري بأنه محكوم بقوانين الصفقات والتسوية، لا بقانون القضاء العادل.
والأهم ربما، زعزعة ثقة المواطن السوري بسلطته التي أيدها للأقصى بعد اقتلاع عصابة الأسد، فالشعور بالقهر والظلم وسطوة المال، بواقع الفقر اليوم، يزيد من احتقان الشارع السوري الذي لا يعرف شيئاً عن أموال التسوية وحجمها، ولماذا لم يلمسها بأسعار قوته ونور كهربائه واستعادة حقوقه. كما لم يعلم شيئاً عن معايير التعيين ومقاييس المشاركة في بناء وطنه وحلمه الذي ضحّى للوصول إليه، ربما، كما لم يضحِّ سواه.
