افتتاحية 26سبتمبر
إن مقتضيات المرحلة الراهنة التي تمر بها البلاد تحت وطأة التحديات المصيرية، تفرض على القيادة السياسية التزامًا أخلاقيًا ووطنيًا لا يقبل التأويل، وهو تطبيق القانون والمحاسبة والقطيعة الكاملة والجذرية مع سياسة (الاحتواء) الهشة ومبدأ (المناصفة) العقيم الذي لم يورث الوطن إلا مزيدًا من التآكل والضعف، فالرهان على استمالة أولئك الذين حاربوا الثوابت الوطنية – وفي مقدمتها الجمهورية اليمنية – مادة للمقامرة، أو هدفا للسهام هو رهان خاسر ومنزلق خطير، فالوحدة ليست مجرد خيار سياسي عابر، بل هي الثابت الوطني التاريخي الذي سُكبت لأجله الدماء، وإن أي مهادنة مع من تصادم معها بأي شكل من الأشكال، ليست إلا تشجيعًا لهم على المضي في غيّهم، فالتجارب أثبتت أن هؤلاء لا يزول حقدهم بالمداهنة بل يزدادون تمسكا بمواقفهم العدائية، وما إظهارهم الليونة أو (المسايرة) المؤقتة مع توجهات الدولة إلا مناورة تكتيكية لترقب الفرص والالتفاف على الإرادة الشعبية.
لقد آن الأوان لإرساء مبدأ المحاسبة الصارم، فالتسامح حين يقع في غير محله يتحول إلى تفريط، والسكوت عن المواقف التي مست سيادة البلاد ووحدتها هو خطيئة كبرى لا تُغتفر، خاصة وأن أصحاب هذه المواقف لم يكتفوا بالانقلاب السياسي، بل ولغوا في دماء الأبرياء عبر جرائم فظيعة يندى لها الجبين، من قتل واخفاء قسري وتعذيب ممنهج وترهيب لم يتوقف، وصولًا إلى تعمد عرقلة الخدمات الأساسية وتجويع الناس في أبسط ضرورات حياتهم.
إن من يمارس العنصرية المقيتة ضد أبناء وطنه ويستهدف الهوية الجامعة بممارسات جهوية بغيضة تفرق بين أبناء المحافظات الشمالية والجنوبية، لا يمكن أن يكون شريكًا في بناء مستقبل، بل هو معول هدم يجب اجتثاث نفوذه من مفاصل الدولة.
إن الكارثة الحقيقية والمغارقة غير مأمونة العواقب تكمن في (إعادة تدوير) هذه العناصر الملوثة بالخيانة والدم في مناصب سياسية أو عسكرية أو أمنية حساسة وكأن الدولة تكافئ الجلاد وتمنحه شرعية جديدة للفتك بما تبقى من نسيج اجتماعي، فهذا المسار المتخاذل لن يقود إلا إلى انفجار وشيك ستحرق نيرانه الجميع، ولن تقف تبعاته عند حدود الجغرافيا اليمنية، بل ستمتد لتزعزع أمن المنطقة برمتها.
إن دماء الشهداء وأنين المعذبين في الزنازين وصيحات الجوعى، تستصرخ القيادة اليوم لتطهر صفوفها، فالوطن الذي يباع في سوق المساومات لا يستحقه إلا الأحرار، أما المتربصون بوحدته وعزته، فمكانهم الطبيعي هو خلف قضبان المحاسبة أو في غياهب النسيان السياسي، لا في سدة الحكم وصناعة القرار.