عربي
يُمثل الإعلان المفصل والعلني لنتائج مسح الأمن الغذائي لعام 2025 نقلة نوعية في منهجية عمل المؤسسات الرسمية السورية، وتحديداً هيئة التخطيط والإحصاء. بعد عقود من سياسة التعتيم الإحصائي والخطاب المبهم الذي انتهجه النظام السابق، والذي أخفى تحت غطاء الأمن القومي والسيادي المعاناة الحقيقية للمواطنين.
نشر أرقام صادمة تُظهر أن 18.4% فقط من الأسر السورية آمنة غذائياً، بينما تنخفض النسبة إلى 4.2% في المخيمات، هو فعل ثقة بالمواطن وشريك أساسي في مستقبل البلاد. لم تعد المعرفة حكراً على نُخب ضيقة، بل أصبحت متاحة للباحثين وصناع القرار المحليين والدوليين ومنظمات المجتمع المدني، مما يخلق ساحة مشتركة للنقاش الموضوعي القائم على الأدلة. هذا التحوّل من ثقافة التكتّم إلى ثقافة الإفصاح ليس ترفاً إدارياً، بل هو الشرط الأساسي لإعادة بناء الثقة المفقودة بين الدولة والمجتمع.
يُجسّد التفاوت الجغرافي الحاد في مؤشّرات الأمن الغذائي أبشع صور الإرث المتراكم للسياسات المركزية والمُجحفة التي حكمت لسنوات
الدقّة العلمية أساساً للعدالة الاجتماعية
لا تكمن قيمة هذا المسح فقط في النتائج التي خرج بها، بل في المنهجية العلمية الصارمة والشفافة التي اتبعها، فشمولية العينة التي غطت 34,820 أسرة موزعة على 267 ناحية، مع إيلاء اهتمام خاص لأكثر الفئات تهميشاً عبر تضمين 2,429 أسرة من سكان المخيمات، تُظهر تصميمًا على رصد الحقيقة كاملةً بكل تعقيداتها، ورفضاً لأي رؤية مجتزأة أو مُجمّلة. استخدام منهجية CARI (النهم الموحد في الإبلاغ عن مؤشرات الأمن الغذائي) يرفع سقف التحليل من مجرد رصد "الجوع" إلى تشخيص متعدد الأبعاد لظاهرة "انعدام الأمن الغذائي"، مقيّساً القدرة الاقتصادية على الوصول للغذاء، واستقرار هذا الوصول عبر الزمن، وجودة الغذاء المتاح. هذه الدقة المنهجية تحوّل النقاش من مستوى الانطباعات والخطابات العامة إلى مستوى المؤشرات القابلة للقياس والمقارنة والتحليل السببي. إنها تضع أساساً متيناً لعدالة القرار، حيث تُبنى السياسات والبرامج على تشخيص دقيق لموقع كل مشكلة وحجمها، وتُوجّه الموارد الشحيحة إلى حيث الحاجة الأكثر إلحاحاً. في هذا الإطار، يصبح المسح ليس أداة رصد فحسب، بل أداة محاسبة ومراجعة لماضي السياسات واختباراً لمصداقية الحلول المستقبلية.
بين مؤشّرات الانتعاش وجذور الهشاشة الهيكلية
يقدّم تحليل المؤشرات الاقتصادية الكلية صورةً تحمل في طياتها بشرى وتحذيراً في آنٍ. فمن ناحية، تُعد الزيادة الكبيرة في وسطي دخل الأسر بنسبة 29.1%، والمدفوعة أساساً بزيادة الرواتب والأجور بنسبة 200%، إلى جانب الانخفاض اللافت في أسعار الغذاء بنسبة 51%، إنجازاتٍ ملموسةً في سياسة الدخل والأسعار لعام 2025. هذه المؤشّرات تُترجم إلى تحسّن فوري في القوة الشرائية لملايين الأسر. لكن الرواية لا تكتمل هنا. فالثبات النسبي في وسطي الإنفاق على الغذاء، الذي ارتفع بنسبة 1.3% فقط، يكشف عن قصة أعمق. إنه يشير إلى هشاشة وهُوية عميقة في الثقة الاقتصادية لم تُصلحها الزيادة النقدية وحدها. يُرجّح أن جزءاً كبيراً من الدخل الإضافي قد ذهب لسداد ديون متراكمة، أو لمواجهة احتياجات أساسية مُؤجلة في القطاع الصحي والتعليمي بعد سنوات من الإهمال، أو أنه تحوّل إلى مدخرات احترازية في ظل ذاكرة جماعية مليئة بالتقلبات الاقتصادية الحادة. هذا يُظهر أن التعافي الاقتصادي الحقيقي يتطلب أكثر من تعديلات نقدية؛ فهو يحتاج إلى إصلاحات هيكلية طويلة الأمد تعيد بناء القطاعات الإنتاجية، وتوفر فرص عمل مستدامة، وتستعيد ثقة المواطن بقدرة اقتصاده على المنافسة وتأمين مستقبل مستقر له ولأبنائه.
التفاوت الجغرافي: تشريح لسوء العدالة
يُجسّد التفاوت الجغرافي الحاد في مؤشّرات الأمن الغذائي أبشع صور الإرث المتراكم للسياسات المركزية والمُجحفة التي حكمت لسنوات. الفجوة السحيقة بين محافظة طرطوس (29.9% أمن غذائي)، حيث يتجاوز متوسط الدخل الوطني بـ 37.8%، ومحافظة الرقة (4.2% أمن غذائي)، حيث يقل الدخل عن الوطني بـ 46.9%، ليست حادثة عابرة. إنها محصلة منطقية لعقود من التوزيع غير العادل للاستثمارات التنموية والبنى التحتية والخدمات العامة، حيث تمت تغذية المركز ومدنه الكبرى على حساب تخوم البلاد وأريافها. هذه الهوة تتكرر، وإن بدرجات متفاوتة، عبر الخريطة السورية: الحسكة (4.6%)، السويداء (5.4%)، درعا (9.4%)، إدلب (8.2%)، حلب (8.2%). في المقابل، تحافظ المناطق ذات النمو الاقتصادي التقليدي أو القريبة من المركز على نسب أفضل: ريف دمشق (27.6%)، دمشق (21.9%)، يرتبط هذا التباين ارتباطاً عضوياً بمستوى الاستقرار الأمني والخدمي والاقتصادي، مما يخلق حلقة مفرغة: غياب الاستثمار يؤدي إلى تدهور الأوضاع المعيشية، مما يغذي السخط وعدم الاستقرار، والذي بدوره يُستخدم مبرراً لاستمرار إهمال المنطقة. هذا التشريح يثبت أن معالجة انعدام الأمن الغذائي تستلزم، قبل أي شيء، سياسة تصالحية مع الجغرافيا، تعترف بهذا الظلم التاريخي وتعمل على تصحيحه من خلال خطط تنموية إقليمية ومحلية وعادلة.
تعكس البيانات أنماطاً منهجية للاستبعاد الاجتماعي والاقتصادي، حيث تتراكم عوامل الهشاشة لتشكل مصائر جماعية. الأسر التي تعيلها نساء تواجه تمييزاً ثلاثياً
مصادر الدخل: مفارقة الاستقرار الشكلي والمرونة الواقعية
يكشف تحليل مصادر الدخل عن مفارقة عميقة تتحدى المفاهيم الاقتصادية التقليدية، فمصدر الدخل الأكثر استقراراً وشيوعاً، الرواتب والأجور (27% من الأسر)، يرتبط بأدنى نسبة أمن غذائي بين المصادر الرئيسية عند 15.7%. في المقابل، تسجل الأسر التجارية أعلى نسبة (34%)، تليها الأسر الزراعية المنتجة (32%)، ثم الأسر المعتمدة على الحوالات (28%). هذه المفارقة تكشف حقيقةً قاسية في الاقتصاد السوري: أن الاستقرار الشكلي للوظيفة الحكومية أو شبه الحكومية لم يعد يضمن شيئاً في وجه غلاء المعيشة وتآكل القيمة الحقيقية للرواتب. بينما تمنح المرونة والاتصال بالسوق، كما في حالة التجارة، أو السيطرة على مورد إنتاجي، كما في الزراعة الكبيرة، أو الوصول إلى عملة صعبة، كما في الحوالات، هامش مناورة وقدرة على التأقلم مع التضخم وتقلبات السوق. كما أن ارتفاع نسبة الأسر المعتمدة على الحوالات من 6.9% إلى 8%، مع تلقي 21.8% من الأسر لتحويلات نقدية في 2025، يؤشر إلى تحول خطير في بنية الاقتصاد الوطني نحو التبعية للخارج، مما يجعله رهينة للظروف السياسية والاقتصادية في دول الاغتراب. هذه الديناميكية تفرض إعادة نظر جذرية في سياسات سوق العمل والدعم، والتحول من اقتصاد الرواتب والريع إلى اقتصاد الإنتاجية والتنافسية.
هُويات متعددة للاستبعاد المنظم
تعكس البيانات أنماطاً منهجية للاستبعاد الاجتماعي والاقتصادي، حيث تتراكم عوامل الهشاشة لتشكل مصائر جماعية. الأسر التي تعيلها نساء (12% أمن غذائي) تواجه تمييزاً ثلاثياً: في فرص العمل، في الأجور، وفي الأعباء الاجتماعية غير المدفوعة الأجر. الأسر ذات الأفراد ذوي الإعاقة (10.5%) تُحاصر بين نظرة اجتماعية تقليدية وغياب شبه كامل لسياسات الإدماج والتمكين الحقيقي. النازحون داخلياً (11%) يعيشون حالة من اللاانتماء، مفقودي الممتلكات وشبكات الدعم التقليدية. حتى حجم الأسرة يصبح لعنة في اقتصاد مكتوف الأيدي، حيث تنخفض القدرة على الصمود مع زيادة عدد الأفراد. وفي ذروة هرم المعاناة، تقبع أسر المخيمات عند 4.2%، في حالة من العوز الشامل الذي يمس الغذاء والماء والصحة. هذه النسب ليست مجرد أرقام لأشخاص "عفا عليهم الزمن"، بل هي دليل على فشل نظامي في السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي كان ينتهجها النظام السابق. إنها تصرخ بحاجة إلى مقاربة إنسانية شاملة تنتقل من منطق "الإغاثة" المؤقتة إلى منطق "التمكين" والاندماج، عبر قوانين عمل عادلة، وخدمات صحية وتعليمية داعمة، وبرامج إسكان وسكن لائق، واعتراف كامل بحقوق هذه الفئات وكرامتها الإنسانية.
محرّكات التنمية المُعطلة وحقول الأمل الممكنة
يُظهر المسح بشكل لا لبس فيه أن رأس المال البشري هو العامل الحاسم في معركة الأمن الغذائي. الفجوة الهائلة بين 43% للأسر التي يرأسها خريج دراسات عليا و7.1% للأسر التي يرأسها أمي (نسبة تزيد عن 35 نقطة مئوية) ليست فجوة في المعرفة فحسب، بل هي فجوة في فرص البقاء والكرامة. لقد تحول النظام التعليمي من أداة للحراك الاجتماعي الصاعد إلى آلة فرز طبقي، تحدد مقدّراً ما إذا كانت الأسرة ستكون ضمن الخُمس الآمن أم ضمن الأغلبية المتصارعة من أجل لقمة العيش. وبالتوازي، فإن الفرق الصارخ بين 42.6% للأسر التي ربها متفرغ للدراسة و10.3% للأسر التي يعيلها عاطل عن العمل، يضع البطالة في قلب المشكلة ليس بوصفها ظاهرة اقتصادية، بل باعتبارها حالة من الاغتراب الاجتماعي واليأس التي تفتت الروابط الأسرية والمجتمعية. هذا يفرض أولوية مطلقة على صُنّاع السياسات: إصلاح النظام التعليمي ليرتبط باحتياجات سوق العمل المستقبلية ويمنح مهارات حقيقية، وخلق فرص عمل منتجة في القطاعات الإنتاجية، واستهداف الشباب في المناطق المهمّشة ببرامج تدريب وتشغيل طارئة.
الجوع الخفي وأجيال من الهشاشة
يتجاوز التحدّي في سورية اليوم مسألة "الجوع المطلق" إلى آفة أكثر خفاءً وتدميراً على المديين، المتوسّط والطويل: سوء التغذية ونقص التنوع الغذائي. حقيقة أن 39.6% فقط من الأسر تتمتع بتنوع غذائي جيد، بينما تنهار النسبة إلى 14% في المخيمات، هي جرس إنذار صحي وطني. إنها تعني أن أغلبية السوريين، خاصة الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات، لا يحصلون على الفيتامينات والمعادن والبروتينات الكافية للنمو السليم والعقل السليم ومناعة قوية. ارتفاع نسبة التنوع الغذائي المنخفض إلى 26.8% في المخيمات يعني أننا أمام جيل كامل مُهدد بالتقزم الجسدي والفكري، وأمراض مزمنة ستثقل كاهل النظام الصحي لسنوات قادمة. هذه الأزمة "الهادئة" تتفاقم بسبب سياسات الدعم الغذائي التقليدية التي تركز على توفير السعرات الحرارية الرخيصة (كالطحين والسكر) على حساب المواد المغذية (كالبروتينات والخضراوات). إن معالجتها تتطلب ثورة في التفكير: التحول إلى دعم الإنتاج المحلي للخضار والفواكه والبقوليات والدواجن، وبرامج التوعية الغذائية، وإدماج مقاييس الجودة التغذوية في برامج المساعدات.
وعندما تلجأ 38% من الأسر إلى استراتيجيات تأقلم مرتبطة بالأزمات، و19.6% إلى تأقلم مجهد، فإنها لا "تتأقلم"، بل تبيع مستقبلها من أجل الحاضر. هذه الآليات - من بيع الأصول الإنتاجية (مثل الأدوات أو الحيوانات)، أو سحب الأطفال من المدارس للعمل، أو إنفاق المدخرات القليلة، أو الاعتماد على القروض بفوائد فاحشة - هي حلول سامة. إنها تحوّل الأزمة المؤقتة إلى فقرٍ مزمن. العلاقة العكسية الواضحة (حيث ترتفع نسبة الإنفاق على الغذاء من الدخل كلما ازداد انعدام الأمن الغذائي) تخلق حلقة مفرغة من التدهور: الأسرة الفقيرة تنفق كل دخلها على الطعام، فلا تستطيع الادخار أو الاستثمار في التعليم أو الصحة، مما يجعلها أكثر فقراً وضعفاً أمام الصدمة التالية. كسر هذه الحلقة يتطلب أكثر من المساعدات العينية. إنه يتطلب شبكات أمان اجتماعي فعّالة تحول دون اضطرار الأسرة إلى اتخاذ هذه القرارات المدمرة، مثل برامج التحويلات النقدية المشروطة بالحفاظ على الأطفال في المدارس، أو صناديق الائتمان الصغير للإنتاج، أو التأمين الصحّي المجتمعي. الحماية هنا لا تعني العطاء، بل تعني منع الانهيار.
يجب تحويل السياسة الاقتصادية من دعم القطاعات الاستهلاكية والخدمية غير المنتجة، إلى دعم مُوجّه للإنتاجية في الزراعة والصناعات التحويلية الصغيرة والحرفية، مع تسهيل الحصول على القروض والإعفاءات الضريبية لهذه القطاعات
من تشخيص الواقع إلى هندسة التغيير
ليست أرقام هذا المسح نهاية للمسار، بل هي نقاط انطلاق لإعادة هندسة السياسات. كل نسبة مئوية تحمل في ثناياها برنامجاً عملياً مطلوباً. فلننظر إلى هوة التفاوت الجغرافي بين محافظة كطرطوس (29.9%) وأخرى كالرقة (4.2%). هذا الفارق السُّباعي ليس حتمية جغرافية، بل هو نتيجة سياسات سابقة. وهو يفرض اليوم سياسة تعويضية مكانية طارئة. لا يمكن معالجة هذا الخلل ببرامج موحدة. يجب إطلاق حزمة استثمارية استثنائية للمحافظات الأقل حظاً (الرقة، الحسكة، السويداء، إدلب، درعا)، تركز على إعادة بناء البنى التحتية الزراعية والري، ودعم المشاريع الصغيرة المرتبطة بالموارد المحلية، وخلق مراكز لوجستية لتسويق المحاصيل. يجب أن تكون نسبة التمويل لهذه المناطق متناسبة عكسياً مع مؤشر الأمن الغذائي فيها، وفق مبدأ التمييز الإيجابي لتصحيح التفاوت التاريخي.
أما مفارقة مصادر الدخل، حيث أدنى نسبة أمن غذائي هي بين معتمدي الرواتب والأجور (15.7%)، فتطرح سؤالاً عن جدوى "الاستقرار الوظيفي" في اقتصاد منهار. هذا يستدعي إصلاحاً هيكلياً لسياسات الدخل والأجور. يجب ربط الزيادات بالأجور الحقيقية والقدرة الشرائية، وليس بمعدلات تضخم وهمية. في المقابل، النسب المرتفعة لدى الأسر التجارية (34%) والزراعية المنتجة (32%) تشير إلى أن مرونة الاقتصاد الحقيقي هي طريق النجاة. لذا، يجب تحويل السياسة الاقتصادية من دعم القطاعات الاستهلاكية والخدمية غير المنتجة، إلى دعم مُوجّه للإنتاجية في الزراعة والصناعات التحويلية الصغيرة والحرفية، مع تسهيل الحصول على القروض والإعفاءات الضريبية لهذه القطاعات.
وبالنظر إلى هشاشة الفئات المستضعفة – المخيمات (4.2%، الأسر التي تعيلها نساء (12%)، ذوو الإعاقة (10.5%) – نجد أن سياسات الدعم العام الشامل قد فشلت في الوصول إليهم. الحل هو استهداف ذكي متعدد الأبعاد. لمخيمات اللجوء والنزوح، لا بد من خطة وطنية ترتقي من "إدارة الأزمة" إلى "حلّها"، عبر برامج إسكان وسكن لائق مدعوم، وإدماج الخدمات في المجتمعات المضيفة. وللنساء المعيلات وذوي الإعاقة، يجب تطوير برامج تحويلات نقدية مشروطة أو غير مشروطة مُصممة خصيصاً، مقترنة بتدريب مهني وتسهيلات لإنشاء مشاريع صغيرة تتلاءم مع ظروفهنّ وقدراتهنّ.
إن الفجوة التعليمية الهائلة بين خريجي الدراسات العليا (43% أمن غذائي) والأميين (7.1%) تحدد أولوية قصوى: تحويل التعليم من أداة فرز طبقي إلى جسر للإنقاذ. هذا يتطلب إعادة توجيه الإنفاق لضمان جودة التعليم الأساسي والمجاني في كل المناطق، وتطوير برامج محو أمية للكبار مقترنة بتدريب مهني سريع يدر دخلاً. كما أن ربط البطالة (10.3% فقط أمن غذائي) بانعدام الأمن الغذائي يوجب تحويل برامج التشغيل المؤقتة إلى استثمار في مشاريع بنية تحتية عمالية كثيفة تُعيد إحياء القطاعات الاقتصادية وتوفر وظائف دائمة.
أزمة التنوع الغذائي المنخفض (11.6% وطنياً، 26.8% في المخيمات) تكشف عن خلل في سلة الدعم الغذائي. يجب إعادة هيكلة برامج الدعم والإعانات. بدلاً من التركيز على دقيق الخبز والمواد الأساسية فقط، يمكن توجيه جزء من الدعم نحو الإنتاج المحلي للخضار والبيض والدواجن، وإنشاء برامج "قسائم التغذية" التي تمكن الأسر من شراء أغذية طازجة ومتنوعة من الأسواق المحلية، مما ينشط الاقتصاد المحلي ويحسن الصحة العامة.
أخيراً، استراتيجيات التأقلم المدمرة التي تلجأ إليها 38% من الأسر، تُظهر أن النظام الوقائي الاجتماعي غير موجود. يجب بناء شبكة أمان اجتماعي فعالة تمنع الأسر من الانهيار. يمكن أن يشمل ذلك صناديق ادّخار وتأمين مجتمعية، وخطوط ائتمان صغير للطوارئ بدون فوائد، وبرامج "عمل مقابل غذاء" تركز على مشاريع تنموية تخدم المجتمع.
هذه السياسات ليست طموحات نظرية، بل هي استجابات إلزامية مُستخلصة مباشرة من لغة الأرقام. تحقيقها يتطلب إرادة سياسية تضع مؤشر الأمن الغذائي في صلب تقييم أداء كل محافظة وكل وزارة، وتجعل من تقرير المسح هذا خريطة طريق قابلة للمحاسبة، ومرجعاً سنوياً لقياس التقدم أو التراجع في أعقد ملف إنساني واجتماعي يواجه سورية اليوم.
الأمن الغذائي سؤالاً وجودياً
يظل الرقم الوطني البالغ 18.4% رقماً مجرداً، حتى نذكر الملايين التي تعيش في هوة الـ 81.6%. إنه الرقم الذي يجب أن يقودنا، ليس إلى الاطمئنان، بل إلى الاستفهام الأعمق: ماذا يعني أن تكون أسرة آمنة غذائياً في سورية اليوم؟ هل يعني ذلك أن طفلها لا ينام جائعاً في الرقة (4.2%)؟ أم أنها تستطيع في المخيمات (2%) تأمين وجبة متنوعة لا تقتصر على الخبز والشاي؟ لقد حوّل هذا المسح الواقع الملموس إلى بيانات قابلة للقياس، وأصبحت هذه البيانات لغة مشتركة يمكن أن تحاسب عليها الحكومات والمؤسسات، وتستند عليها المجتمعات في المطالبة بحقوقها.
إن قيمة هذه الوثيقة لا تنبع من دقة أرقامها فحسب، بل من قدرتها على رسم خريطة واضحة للمسؤولية. فهي تضع تقريراً بين يدي صانع القرار في العاصمة، يظهر له أن السياسات الموحدة لن تجدي ما دام الفارق بين طرطوس (29.9%) والحسكة (4.6%) يشبه الفارق بين عالمين. وهي تقدم للباحث والمنظم الإنساني أدلة ملموسة على أن التركيز على التعليم والعمل هو الاستثمار الأجدى، عندما نرى أن بطالة رب الأسرة تقترن بنسبة أمن غذائي لا تتجاوز 10.3%. وهي تذكر الجميع بأن الأزمة الأكثر خطورة قد تكون تلك الهادئة: أزمة جودة الغذاء، حيث يعاني أكثر من 60% من السوريين نقصاً في التنوع الغذائي، مما يهدد صحة أجيال قادمة.
لذا، يجب أن يكون الطريق الذي يبدأ من هذا التقرير طريقاً عملياً ومحاسَباً؛ طريقاً يعطي الأولوية القصوى لرفع النسبة في المحافظات الأكثر معاناة، من خلال استثمارات طارئة ومحددة، وطريقاً يعيد تعريف سياسات الدعم والزراعة والتشغيل، بحيث تصب مباشرة في زيادة إنتاجية الأسرة وقدرتها على الصمود، وطريقاً يضع في قلبه إنهاء مأساة الفئات الأكثر هشاشة، بدءاً من سكان المخيمات الذين تحولوا إلى رقم في إحصاء، إلى رقم في خريطة الأمل.
إن تحويل هذه الأرقام إلى واقع أفضل مهمة شاقة، لكنها ممكنة. وهي تبدأ، كما بدأ هذا التقرير، بالشجاعة في رؤية الواقع كما هو، وتستمر بالإصرار على أن يكون غد السوريين، في كل قرية ومدينة ومخيم، أفضل من يومهم. هذا هو التحدي، وهذه هي الفرصة التي تقدمها صفحات هذا المسح.
