عربي
في وقت تدخل فيه قضية الصحراء منعطفاً مفصلياً، في ظل حراك دبلوماسي مكثف يُدار في سرية وبرعاية أميركية مباشرة لإنضاج مسودة "اتفاق إطار" يمهد لإنهاء نزاع استمر لنصف قرن، برز على الساحة السياسية المغربية إعلان حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المعارض للحكومة استعداده لـ"فتح أبوابه أمام العائدين" من جبهة "البوليساريو" إلى المغرب، في "إطار المصالحة الوطنية الشاملة".
وفي خطوة تحمل أكثر من دلالة، أعلن المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي، أمس، تثمينه "الموقف الذي عبر عنه الكاتب الأول باستعداد الحزب لاستقبال العائدين إلى أرض الوطن، في إطار المصالحة الوطنية الشاملة وفتح الأبواب للعمل الجماعي، في مغرب ديمقراطي قوي وعادل لجميع أبنائه، في إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، والثوابت الوطنية التي يهتدي بها الاتحاد تاريخياً في مواقفه الوطنية والسياسية ومبادراته العملية".
واعتبر المكتب السياسي للحزب، في بيان صدر أمس الأربعاء، أن "الحس الوطني والالتزام الصادق يستوجبان منه الاستعداد الكلي والمسؤول للتأثيرات المتوقعة لأجندة الحل في أقاليمنا الصحراوية على الحياة الوطنية عامة، والأوضاع الداخلية سياسياً ومؤسساتياً والاستحقاقات ذات الصلة"، مشدداً على أن الأولوية في هذا الصدد "هي للوطن ولا شيء غير الوطن".
توازنات الحقل الحزبي
وبحسب الأستاذ الزائر بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية "عين الشق" بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، مصطفى عنترة، فإن إعلان حزب الاتحاد الاشتراكي فتح أبوابه أمام العائدين من جبهة "البوليساريو" يثير جملة من الدلالات السياسية والتنظيمية التي تتجاوز ظاهر المبادرة إلى أبعاد أعمق ترتبط بسياق ملف الصحراء وتوازنات الحقل الحزبي في المغرب.
ويرى عنترة، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "استقطاب العائدين ليس سابقة في الحياة السياسية الوطنية، إذ سبق لعدد من الأحزاب أن احتضنت شخصيات عائدة وأسندت إليها مواقع متقدمة داخل هياكلها، بل ومكنتها من تمثيل مؤسساتي وازن". ويستحضر في هذا السياق تجربة كجمولة بنت أبي داخل حزب التقدم والاشتراكية، حيث برزت بوصفها من الوجوه البرلمانية المعروفة، كما يُعد ينجا الخطاط، رئيس جهة الداخلة وادي الذهب الحالي، نموذجاً آخر لاندماج العائدين في مؤسسات التدبير الجهوي، فضلاً عن البشير الدخيل الذي تولى أدوارا سياسية داخل حزب الاتحاد الدستوري.
ويشير عنترة إلى أن "هذه الأمثلة تؤكد أن انخراط العائدين في العمل الحزبي ليس طارئاً، بل أصبح جزءاً من دينامية إدماج سياسي مستمرة منذ سنوات. غير أن مبادرة الاتحاد الاشتراكي تكتسب معنى خاصاً في الظرفية الراهنة، بالنظر إلى الحركية التي يعرفها ملف النزاع حول الصحراء، خصوصاً بعد القرار الأممي الأخير واستمرار رعاية الولايات المتحدة الأميركية لمسار المفاوضات". ويعتقد، كذلك، أنه "يمكن قراءة الإعلان باعتباره رسالة سياسية مزدوجة: داخلياً، للتأكيد على انفتاح الحزب على مختلف الطاقات الوطنية؛ وخارجياً، لإبراز أن خيار الاندماج السياسي يظل متاحاً أمام العائدين في إطار التعددية الحزبية المغربية".
استدراك ضمني لانتقادات طويلة
من جهة أخرى، يعتبر الباحث المغربي أن هذه الدعوة "قد تُفهم بوصفها استدراكاً ضمنياً لانتقادات وُجهت طويلاً إلى الأحزاب السياسية، خصوصاً ذات المرجعية اليسارية، التي لم تنجح في استيعاب جزء مهم من العائدين، رغم أن عدداً منهم تشبع بأفكار ذات خلفية اشتراكية خلال مراحل سابقة. ومن ثم، قد تعبر خطوة الاتحاد الاشتراكي عن رغبة في إعادة وصل ما انقطع، واستعادة فضاء رمزي كان يُفترض أن يشكل حاضنة طبيعية لبعض هؤلاء الفاعلين".
ويلفت المتحدث ذاته إلى أنه "لا يمكن فصل المبادرة عن النقاش السياسي الذي فتحه بعض العائدين في الأقاليم الجنوبية المغربية حول واقع الجهة ومستقبلها التنموي والمؤسساتي. فقد برزت في الآونة الأخيرة أصوات تطرح تصورات جديدة بشأن الحكامة الترابية، والنموذج التنموي، وموقع النخب المحلية في تدبير الشأن العام، وتقدم نفسها فاعلا لا بد منه يحظى بشرعية في التوازنات التي قد تعرفها المنطقة مستقبلاً". ويرى أن "هذا الحراك الفكري والسياسي ربما حفّز الحزب على تعزيز تنظيماته بأطر تتقاطع معه في المرجعية الاجتماعية والديمقراطية".
ووفق عنترة، تظل القراءة التنظيمية حاضرة بقوة، إذ يعيش الاتحاد الاشتراكي منذ سنوات تحديات داخلية مرتبطة بإعادة بناء قواعده وتجديد نُخبه، خاصة بعد مؤتمره الأخير. و"من هذا المنظور، قد تمثل دعوة استقطاب العائدين محاولة لتوسيع القاعدة التنظيمية، وضخ دماء جديدة في هياكله، واحتواء جزء من المأزق السياسي الذي يواجهه داخل مشهد حزبي يتسم بتنافسية متزايدة". ولذلك، فهو يرى أن "دلالات الإعلان لا تُختزل في بعد إنساني أو إدماجي فحسب، بل تتقاطع فيها رهانات ملف الصحراء، وإعادة تشكيل التوازنات الحزبية، والسعي إلى تجديد المشروع السياسي للحزب". كما يلفت عنترة إلى أن هذه الخطوة "تفتح أسئلة أكثر مما تقدم أجوبة، وتؤشر في الآن ذاته إلى أن ملف العائدين ما يزال ورقة ذات حمولة رمزية وسياسية داخل المشهد الوطني".
توسيع قاعدة الشرعية الوطنية
من جانبه، يرى رئيس مركز شمال أفريقيا للدراسات والأبحاث وتقييم السياسات العمومية في المغرب، رشيد لزرق، أن إعلان قيادة الاتحاد الاشتراكي فتح أبوابه أمام العائدين من جبهة "البوليساريو" يحمل دلالة سياسية تتجاوز البعد الحزبي الضيق نحو إعادة تموقع داخل النسق الوطني في ما يتعلق بقضية الصحراء. ويوضح في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "الحزب، بحكم تاريخه المرتبط بالدفاع عن الشرعية الدستورية والاندماج الوطني، يسعى إلى تأكيد انخراطه في مقاربة الدولة القائمة على استيعاب العائدين ضمن منطق المصالحة وإعادة الإدماج، بدلاً من ترك الملف حصراً في يد المقاربة الأمنية أو الإدارية". ويرى لزرق أن "الخطوة تعكس رغبة في توسيع قاعدة الشرعية الوطنية حول مبادرة الحكم الذاتي، عبر توظيف آلية حزبية مدنية تكرس خيار العودة بما هو تحول سياسي وفكري، لا مجرد تسوية وضعية فردية".
ويضيف أن "إعلان الحزب استعداده فتح أبوابه أمام الصحراويين يحمل بعداً تنافسياً داخل الحقل الحزبي، إذ يعيد طرح سؤال: من يحتكر خطاب الوطنية في ملف الصحراء؟ ومن خلال هذه المبادرة، يسعى الاتحاد الاشتراكي إلى استعادة موقع رمزي داخل معادلة الإجماع الوطني، وتقديم نفسه فضاءً تأطيرياً قادراً على تحويل العائدين إلى فاعلين سياسيين مندمجين في المؤسسات. كما أن الرسالة الموجهة خارجياً لا تقل أهمية، ومفادها أن الصراع لم يعد يُدار فقط بمنطق المواجهة الدبلوماسية، بل أيضاً عبر دينامية إدماج سياسي مفتوح، تُظهر أن خيار الانفصال يفقد جاذبيته حين تتوفر قنوات اندماج حزبي ومؤسساتي داخل الدولة"، وفق لزرق.
وفي تعليقه على المبادرة، يقول الناشط الصحراوي والمسؤول السابق في الجبهة، مصطفى سلمى ولد سيدي مولود، في تصريح لـ"العربي الجديد": "لا أعتقد أن أبواب الأحزاب السياسية كانت مغلقة في وجه الصحراويين، سواء العائد منهم أو المقيم، وإنما كان ولا يزال هناك ضعف في التأطير، وبون شاسع بين الإنسان والممارسة السياسية، والأسباب عديدة. وبخصوص الاتحاد الاشتراكي، فهو الأقرب فكرياً وسياسياً للعائدين من البوليساريو، الحركة الثورية ذات الخلفية اليسارية، خاصة بالنسبة لجيل التأسيس". ويضيف: "لو انشغلت كل الأحزاب المغربية بالتأطير وفتح المجال لعمل ديمقراطي حقيقي، لتغير الكثير من معطيات النزاع. وأبسط مثال على ذلك أننا نشهد اليوم ديناميكية دولية ساعية إلى حل نزاع الصحراء، في حين أن الأحزاب والمواطن لا يدرون في أي اتجاه تسير الأمور. ورغم ذلك، أن تصل متأخراً خير من ألا تصل، فالساحة تحتاج إلى نشاط مكثف ومتواصل لتوصيل العمل السياسي وإشراك الإنسان في إدارة شؤونه".
