عربي
تتكرر الاشتباكات في غرب العاصمة الليبية طرابلس منذ أكثر من عامين، ولا سيما في مدينة الزاوية، ومدينة العجيلات، مع انحسار نسبي للتوترات داخل أحياء وسط طرابلس، وتراجعها بشكل واضح في مناطق الجنوب والشرق. ما دفع أعداداً متزايدة من السكان إلى مغادرة مناطقهم، بحثاً عن بيئة أكثر أمناً، وظروف معيشة أفضل.
وعاش سكان مدينة جنزور، أخيراً، ساعات من الترويع، إثر اشتباكات بين فصيلين مسلحين، نتج عن خلاف بشأن النفوذ داخل سوق الخضار، حيث تفرض المجموعات المسلحة إتاوات على التجار، وتسببت المواجهات في حالة من الهلع بين المدنيين، فيما التزمت الجهات الرسمية الصمت حيال تفاصيل الواقعة.
وفي وقت سابق، أعلن جهاز الإسعاف والطوارئ إغلاق الطريق الساحلي في مدينة الزاوية لعدة ساعات من قبل مسلحين، مؤكداً تمركز فرقه قرب موقع التوتر تحسباً لأي طارئ، وسط فزع عاشه السكان، خاصة أن الطريق الساحلي يعد الشريان الحيوي للمدينة. كما شهدت الزاوية في نهاية الأسبوع الأخير من الشهر الماضي، جولة من الاشتباكات بين فصيلين مسلحين، على خلفية تنازع عناصرهما على مواقع النفوذ داخل منشآت عسكرية.
وتكررت هذه الأحداث في الزاوية والعجيلات مرات عدة طوال العامين الماضيين، وتستخدم الأطراف المتنازعة في بعض الأحيان أسلحة ثقيلة، ما يزيد من حجم الأضرار ويضاعف المخاطر على المدنيين. وفي كل مرة كانت تتدخل فرق الإسعاف والطوارئ والهلال الأحمر لإجلاء العائلات العالقة داخل منازلها.
وغالباً ما تنتهي المواجهات عبر وساطات محلية، تقضي بتقاسم مناطق النفوذ التي تقع في بعض الأحيان داخل الأحياء السكنية، سواء في مبان حكومية تتخذها المجموعات المسلحة مقار لها، أو على امتداد الطرق الرابطة بين الزاوية والعجيلات، حيث تستغلها هذه المجموعات في أنشطة غير مشروعة، من بينها تهريب الوقود والمهاجرين.
في موازاة ذلك، نظم ليبيون وقفات احتجاجية متكررة، وناشدوا حكومة الوحدة الوطنية التدخل لبسط الأمن، والسيطرة على الأوضاع، معبرين عن استيائهم من استمرار التوترات المسلحة التي تهدد استقرار المدينة، وتعرقل حياتهم اليومية، مؤكدين تخوفهم من تكرار مشاهد الفوضى، وانعكاساتها على سبل عيشهم وحركتهم ومحالهم التجارية ومدارس أبنائهم، مطالبين الأجهزة الأمنية بتحرك حازم يضمن سلامة المدنيين، ويعيد الطمأنينة إلى الشارع.
ويضطر سكان الزاوية والعجيلات إلى تجميد أنشطتهم خلال الاشتباكات، والتي تستمر تداعياتها لعدة أيام. يعيش عز الدين المقطوف في حي السيدة زينب، وهو أحد المشاركين في الاحتجاجات التي تطالب الحكومة بوضع حد لتجاوزات المسلحين، ويؤكد تمسّكه بالبقاء في منزله رغم تكرار التوترات.
ويصف المقطوف الأوضاع من جراء الاشتباكات المتكررة بـ"الجائرة"، والتي تندلع بشكل فجائي لخلاف بين المسلحين، ثم تتوسع سريعاً إلى اشتباكات بالأسلحة الثقيلة، مضيفاً في حديثه لـ"العربي الجديد": "أول ما نفعله هو إبعاد الأطفال عن النوافذ، وفي مرات كثيرة يتناثر الرصاص فوق أسطح المنازل، وكثيراً ما تصاب السيارات المركونة أمام البيوت، رغم كل ذلك أرفض المغادرة، فهذا بيتي، وإذا تركنا بيوتنا ستتحول الأحياء إلى مقار للمسلحين".
من جانبه، يفكر علي الأحول، من سكان وسط مدينة الزاوية، باللحاق بشقيقه الذي قرر الانتقال إلى طرابلس منذ أكثر من سنة، مؤكداً أن "القرار ليس سهلاً، لكن دراسة أطفالي تعرقلها الاشتباكات، حتى إن لم تعلن المدارس التوقف، ومحالنا ومصالحنا تتعطل، ولا ترجع الحياة إلى الشكل الطبيعي إلا بعد مرور أكثر من يوم".
واضطر الأحول إلى نقل محله الذي كان يقع قرب الإشارة الضوئية في وسط مدينة الزاوية إلى مكان أبعد كي يبتعد عن وسط المدينة، وهو الأكثر تضرراً من الاشتباكات، بسبب وجود مقر عسكري يتنافس المسلحون على السيطرة عليه. ويؤكد أنه "لم يعد بالإمكان التفكير أو التخطيط لأي شيء، والمغادرة باتت حلاً، فعلى الأقل تتوفر في طرابلس سبل العيش من دون مفاجآت".
وبين الإصرار على البقاء وقرار المغادرة، يبدو رضا زعميط محتاراً، لكنه ترك شقته في عمارة قريبة من المرفأ النفطي بالزاوية إلى مزرعة والده في ضواحي المدينة، موضحاً لـ"العربي الجديد"، أن "العيش في تلك الشقة مرهق نفسياً، فرغم وجود بعض الحواجز الطبيعية التي تمنع وصول الاشتباكات إلينا، لكنّ العيش في عمارات تتحول إلى سجن ليوم أو أكثر بات محالاً، كما أن أصوات الانفجارات وإطلاق الرصاص مرعبة، بينما الانتقال إلى أطراف المدينة خيار أفضل، رغم قلة الإمكانيات وبعد المسافة عن المدينة".
