عربي
يثير الانتقال إلى التوقيت الصيفي في المغرب جدلاً واسعاً يتجاوز مجرد تعديل العقارب، خصوصاً عقب توثيق الأضرار الاقتصادية والصحية والنفسية التي يقاسيها السكان.
تزداد الضغوط على الحكومة المغربية من أجل إلغاء الساعة الإضافية (غرينتش +1 أو التوقيت الصيفي الدائم) والعودة إلى الساعة الطبيعية، في وقت تحولت فيه تلك الساعة إلى قضية مجتمعية تمسّ الإيقاع اليومي للمغاربة وصحتهم وسلامتهم.
يقول رئيس الشبكة المغربية للتحالف المدني للشباب (غير حكومية) عبد الواحد الزيات، في حديث خاص لـ"العربي الجديد"، إنّ مطلب إلغاء الساعة الإضافية هو ضرورة ملحّة، مؤكداً أن استمرار اعتماد تلك الساعة التي تُعرف في مواقع التواصل الاجتماعي ولدى عموم المغاربة بـ"الساعة المشؤومة"، له تداعيات وانعكاسات سلبية على الصحة العامة للمغاربة، ولا سيّما الصحة النفسية والقلب والضغوط الاجتماعية.
وكانت الحكومة المغربية أقرت في أكتوبر/تشرين الأول عام 2018، زيادة ستين دقيقة على التوقيت الرسمي بالمغرب، بناءً على نتائج دراسة أُنجزت في العام ذاته، وعقب تقييم تجربة خمسة أعوام من تطبيق المرسوم رقم (2.12.126) الصادر في 18 إبريل/نيسان عام 2012. وقالت إنّ اعتماد هذا التوقيت يمكّن من تحقيق اقتصاد ملموس في الطاقة التي تمثّل مسألة مهمة وسط الظروف الدولية الراهنة. كذلك، فإنّ الأمر يمكّن من تخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، الأمر الذي من شأنه أن يقلّل الآثار السلبية المرتبطة بتلوّث البيئة على صحة المواطنين.
في المقابل، أثارت الساعة الإضافية احتجاجات كثيرة وسط العديد من الناشطين والاختصاصيين والأسر المغربية. وبحسب الزيات، فإنّ قرار فرض الساعة الإضافية "لم يُراعِ التأثيرات السلبية النفسية والاجتماعية والصحية والأمنية والمجالية على عموم المواطنين، وعلى الأسر والطفولة والتلاميذ والطبقة العاملة. كما لم يُراعِ خصوصية المناطق الجبلية والقروية وظروف العاملين والعاملات، ووضعية وحجم الخصاص (النقص) في وسائل النقل العمومي في مدن عدة".
ويقول الزيات إنّ "المغرب هو البلد الوحيد الذي أُقرّت فيه الساعة الإضافية الإجبارية طوال العام من دون أيّ اعتبارات لفصول السنة أو الفوارق المجالية أو النفسية للمغاربة، ولا لآثارها السلبية التي دفعت كثيرين إلى التذمّر". ويتابع: "لم نرَ أيّ أثر للدراسة التي وعدت بها الحكومة السابقة، ولا أيّ موقف للحكومة الجديدة إلا التماهي مع قرار تثبيت الساعة الإضافية التي هي في الأصل إجبارية، ولم يعد للمواطنين أيّ خيار للتعبير عن رفضهم القرار الجائر". ويعتبر أن تحقيق مكاسب اقتصادية لا يكون بإضافة ساعة أو نقصها، وإنما يعتمد على مسار للتنمية الشاملة ودينامية وحرية اقتصادية وعدالة مجالية.
يأتي ذلك، في وقت يواصل فيه نشطاء مغاربة تحركاتهم من أجل التعبئة لتوقيع عريضة إلكترونية أُطلقت قبل أيام، ودعت صنّاع القرار إلى إعادة ضبط التوقيت ليتوافق مع التوقيت الطبيعي، معتبرين أنّ اعتماد الساعة الإضافية في المغرب يعكس تحدياً يومياً للمواطنين ويمسّ بجودة حياتهم.
وشدد أصحاب العريضة على أن مسألة ضبط الساعة وإعادتها إلى مسارها الطبيعي لا ترتبط برغبة فردية فحسب، بل بضرورة حيوية لنمط حياة متّزن ومستقر، موضحين أن الساعة الإضافية تؤثر على تركيز الطلاب وقدرتهم على استيعاب المعلومات، وهذا ينعكس سلباً على جودة التعليم.
ووسط الجدل المتواصل حول الساعة القانونية في المغرب، بدا لافتاً تأكيد ورقة تحليلية صادرة عن المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD) أن اعتماد توقيت غرينتش +1 بشكل دائم في المغرب منذ عام 2018 يحقق مكاسب اقتصادية محدودة مرتبطة بالمواءمة مع أوروبا، لكنه يفرض في المقابل كلفة صحية واجتماعية "موثقة"، ويثير تساؤلات حول الجدوى الاستراتيجية على المدى الطويل.
وأوضحت الورقة الصادرة في 22 فبراير/شباط الجاري، تحت عنوان "السيادة الزمنية بالمغرب: تحليل كلفة/منفعة التوقيت القانوني (توقيت غرينتش +1) بين المواءمة الأوروبية وتنافسية الاقتصاد"، أن العيش في الجانب الغربي من المناطق الزمنية، كما هي حال المغرب مع توقيت غرينتش +1، يرتبط علمياً بفقدان ما متوسطه 19 دقيقة من النوم كل ليلة، مع ما يرافقه من زيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكري والسمنة. كما أشارت الورقة إلى أن المراهقين يتأثرون بشكل أكبر، إذ قد يصل فقدان النوم لديهم إلى 32 دقيقة في الليلة، ما ينعكس على تحصيلهم الدراسي.
ويقترح مؤلفو الدراسة ثلاثة مسارات محتملة أمام المغرب، وهي إمّا العودة إلى توقيت غرينتش الدائم، أو الإبقاء على توقيت +1 مع إجراءات تخفيفية، أو اعتماد نظام موسمي جديد يحاول تحقيق التوازن بين الصحة والاقتصاد.
وترى الورقة التحليلية أن النقاش حول الساعة القانونية يتجاوز مجرد تعديل عقارب الساعة، ليطرح سؤالاً أوسع حول "السيادة الزمنية" وقدرة الدولة على اختيار توقيتها بما يخدم مصالحها الاقتصادية والاجتماعية في آنٍ واحد.
