عربي
لم تعد أفلام الخيال العلمي خيالية إلى الحد الذي كنا نعتقده عنها قبل أعوام قليلة عندما كنا نذهب إلى السينما. ما كان بالنسبة لنا مجرد خيال وتلاعب بصري يجري إنتاجه في المختبرات المرافقة لصناعة سينما الإثارة والغرائب، بات أقرب إلى الحقيقة من أي تصورات أخرى كانت لدينا ولدى سوانا. والحقيقة أن هناك المزيد ممّا ينتظرنا، وهو لن يكون من صنع هوليوود وأخواتها في مختبرات بعيدة عن الأعين، بل أصبحنا نعاينه مباشرة في المعارض العلمية التي تشهدها العواصم الكبرى، وتطرح خلالها شركات التكنولوجيا ما توصلت إليه من روبوتات تتولى تنفيذ مهام معقدة في الصناعات المتقدمة والجراحات الدقيقة، وحتى في الخدمات المنزلية وغيرها. روبوتات تتجول في الباحات تخاطبنا أو تردّ على أسئلتنا، ثمّ لا تعبأ بهواجسنا وقلقنا.
يحسم كثير من العلماء أنّ الذكاء الاصطناعي سيتفوّق قريباً على الذكاء البشري الذي يستطيع أن يحفظ ويستوعب ويقارن ويحلل ويستخلص ويستنتج من المعلومات والمعطيات المختلفة التي يعاينها. ويتخوّف عديدون من أن يتمكن هذا المنتج من التحكم بمصير الإنسان وقراره بعد أن يصبح خارج سيطرة المنتجين والمختبرات، متفوّقاً على الذكاء البشري الذي قام قبلاً بتصنيعه الرأسماليون الذين يملكون إلى جانب المليارات في البنوك، خطوط الإنتاج في مصانعهم، وينتجون سلعاً متطوّرة في معامل الأبحاث التي يديرونها، يدفعون الجامعات والمراكز المتخصصة أيضاً إلى المزيد من تحقيق التقدم في هذا المضمار، لأنّها توفر عليهم أموالاً طائلة يدفعونها كأجور لمهندسيهم وعمّالهم.
هم يريدون روبوتات مُطيعة تتولى عمليات الإنتاج من الألف إلى الياء، لا تتعب أو تمرض، ولا تأكل أو تشرب، وتعمل من دون كلل أو ملل. أشخاص آليّون أو مُزدوجو الهوية، لا يتذمّرون ممّا يتعرضون له من ساعات عمل طويلة، وضغط لتسريع الإنتاج بناءً على طلب الأسواق، أو يُضربون عن العمل مطالبين بزيادة أجورهم وتعزيز ضماناتهم الاجتماعية والصحية.
حتى إنّ إيلون ماسك، مؤسّس شركة السيارات الذكية "تسلا" وشركة "سبيس إكس" الفضائية ومديرهما التنفيذي، يقترح دمج الذكاء الاصطناعي بالذكاء الطبيعي من خلال إضافة طبقة ذكاء رقمية للدماغ البشري، ما يؤدي إلى صنع الإنسان المتداخل بشريّاً مع الذكاء الاصطناعي، والذي سبق وظهرت نسخ عديدة منه في أفلام الخيال العلمي. ينطلق ماسك من قناعة لديه مفادها أنّه "لن يكون بإمكان البشر منافسة الذكاء الاصطناعي المتنامي، ولذلك فالخيار المُتاح أمامهم ليس سوى دمج الذكاء الاصطناعي بالبشر، كي لا يصبح هؤلاء الأخيرين مجرد كائنات هامشية". ومهما كان الجموح في مثل هذا التصوّر، هناك كثيرون يؤيّدون هذا المذهب التطوّري. ويعتقد هؤلاء أنّ البشرية في غضون عقد ونصف العقد وليس أكثر، ستكون قادرة على مضاعفة الذكاء البشري مليارات المرات. وسيصبح الحاسوب أصغر فأصغر. وفي نهاية المطاف، سوف يتمّ زرعه في أجسادنا وعقولنا ويجعلنا أكثر صحة وذكاء.
من الواضح أنّ الذكاء الاصطناعي (AI) يهدف إلى مضاهاة الذكاء البشري من خلال تجميع كميات هائلة من البيانات والبرمجة، ما يمنحه القدرة على التعلم والتفكير. كما هو الحال مع الذكاء البشري، ويمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي أن تصبح أكثر ذكاءً لأنها تتفاعل مع البشر من خلال المطالبات، وجمع المزيد من الخبرة والبيانات. لذا يتطوّر بسرعة، ويؤثر على كل صناعة وسوق تقريباً، للأفضل أو للأسوأ. لكنّنا مضطرّون إلى التعامل مع هذه التكنولوجيا وكيف يمكننا استخدامها للقيام بأعمال أكثر ذكاءً وكفاءة ممّا نفعله نحن. في الوقت نفسه نحن بحاجة إلى الدراية بكمّ المخاطر الكبرى التي يمثّلها الذكاء الاصطناعي.
(باحث وأكاديمي)
