عربي
تنهار المعادلات القديمة. تنفتح الأنفاق وتُغلق على نفسها وسط انفجاراتٍ تأتي على مخزوناتها من الصواريخ، كما لو أنها لعبة بلاي ستيشن... لماذا لا يقاتلون؟
نصحو على حزب الله وهو يتلقّى الضربات المدمّرة. أين الصواريخ؟ لماذا لا تُمطر تل أبيب؟ أين السيد حسن نصر الله؟ يكون نهار ويكون ليل، والمحور كلّه معتصمٌ بالصبر الاستراتيجي. يُقتل نصر الله يوم الجمعة 27 سبتمبر/ أيلول 2024. تُضرب إيران أيضاً في يوم الجمعة 13 يونيو/ حزيران 2015. هل ثمّة جمعة جديدة قادمة نصحو فيها على قصف جديد؟ حتى الحروب بالمعنى القديم انهارت، ووحده الصبر الاستراتيجي من بقي وحافظ على صموده، في وجه من؟ ولماذا؟
الطقس باردٌ في غزّة والطعام قليل، وحتى ذلك الذي كانت تُسقطه الطائرات من حين إلى آخر لم يعُد موجوداً في غزّة. لقد أعلن ترامب وقف إطلاق النار وانتهى الأمر، فليموتوا بأيّ وسيلةٍ أخرى، بالتجويع وهو متواصل، وبالإهمال وهو متأصّل في الجوار العربي، ولنستدر إلى ساحة جديدة لحروب إسرائيل، إلى إيران، حيث السكّين الأميركية أو الإسرائيلية (لا فرق) أصبحت على رقبة مرشدها الأعلى للمرّة الأولى في حياته.
لن يبادر إلى إطلاق الرصاصة الأولى. يستدرجونه لتوفير الذرائع رغم أنهم لا يحتاجونها، لكنّه لن يبادر، فهو يعرف قواعد اللعبة جيّداً التي كانت تجعله ينجو دائماً: أن يحارب بالجنود وهو يضع يده تحت ذقنه ويفكّر بنقلة جديدة. لكنّهم غيّروا قواعد اللعبة عندما غفا قليلاً، ونادراً ما يفعل، ليجد نفسه محاصراً على رقعة الشطرنج. فماذا يفعل؟ هذه خديعة، انقلاب، طعنة في ظهر عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، إذ بإمكانك أن تلعب بشروطك هنا أو هناك من دون أن تجد نفسك محاصراً.
كان يكفي قليلٌ من الصبر، يليه قليل آخر، فقليل يتراكم ويصبح استراتيجياً، لتتجنّب مصير الجنود الآخرين الذين يتساقطون في المنطقة، ثم تخرج على الناس يوم الجمعة لتحيي ذكرى قيام الثورة وعودة الرفيق الأكبر إلى طهران.
كان يعرف قواعد اللعبة جيّداً. ارمِ لهم الكعكة النووية، دعهم ينشغلون في مفاوضات تلو الأخرى في فيينا وسواها، بينما واصل مراكمة صواريخكَ التي يمكنها أن تؤلم، لكن لا تطلقها الآن، بل لمّح إلى ذلك، فيعرفوا أنّ عليهم أن يتوقّفوا وأن يُغرقوا سلطنة عُمان بالاتصالات الهاتفية.
نحو ألفي صاروخ باليستي إلى ثلاثة آلاف تكفي للردع، إن تعذّر الهجوم فالنصر. فاصبر حتى ينهار المعبد هناك على رؤوسهم، لكنّه لم يقع فوق رأس أحد. وفي تلك الغفوة القصيرة التي تكاد تكون بارقة، دمّروا الصواريخ في أنفاقها في لبنان، واغتالوا نصر الله، بعد أن رقصوا طويلاً وهم يتابعون التقارير الإخبارية عن نحو ثلاثة آلاف أو أكثر من كوادر حزب الله وقد انفجرت فيهم أجهزة البيجر.
يصفّق ترامب ويسأل نتنياهو وهو يغمز بعينه: كيف فعلتها أيها الشيطان الصغير الذي يرفض رئيس الدولة منحه العفو؟
كانت القواعد القديمة أكثر رحمة، حتى إنها كانت تمنحك فرصة ادّعاء النصر بينما تتخبّط في هزيمتك. أمّا الآن فلا غطاء بعد، وليس ثمّةً بديل سوى أن تقاتل بنفسك، فحتى الملوك في القرون الوسطى كانوا يحملون السلاح ويطلقون صرخات الحرب.
في حرب الاثني عشر يوماً لم يكن ثمّة خيار آخر. أطلق الصواريخ فأصابت. نحو خمسمائة صاروخ أو يزيد، ومئات الطائرات المسيّرة. لم تصل الرسائل كلّها إلى صناديق البريد، لكنّها آلمت، فقد كان مجرّد الابتعاد قليلاً عن النواة الصلبة للصبر الاستراتيجي مؤلماً لهم، فذلك فخّ نصبوه هم بأنفسهم لك: بأن يُضرب حلفاؤك "هناك" فتصبر، وتدعوهم إلى مزيد من الصبر، حتى تجدهم يتجوّلون "هنا" في أصفهان، ويبتاعون التذكارات ويساومون على أسعار السجاد.
كانت خدعة. يدعونك تنتصر في المفاوضات لتخسر في الحروب، وكان ذلك وهم نصر. فهم يعرفون أن المفاعلات وأجهزة التخصيب التي حُفرت لها في الجبال لتعمل ليست ما يخيف، بل الصواريخ، وكان بعضها في لبنان فأهدرتها، فلا أنت تركت نصر الله يحارب، ولا تركته يختار حتى شكل الهزيمة. وبخسارته فقدت صاروخك "النووي"، فماذا تبقّى؟ مئات الصواريخ التي يعرفون أنك لن تبادر إلى إطلاقها بينما يتحيّنون الفرصة لقصفها في أنفاقها.
فلتبتعد خطوة إلى الوراء. لكن ماذا على لاريجاني أن يفعل ببندقية فارغة من الرصاص؟
