عربي
على الرغم من المخلّفات المأساوية لحرب الإبادة التي شنّتها دولة الاحتلال على قطاع غزّة، لا تزال النُّخب الغربية مصرّةً على تبنّي السردية الإسرائيلية برفضها وصف حرب غزّة بالإبادة، في سقوط أخلاقي وإنساني يعكس مدى نفاقها وازدواجية خطابها.
لم تكن حرب غزّة مجرّد جولة في صراع جيوسياسي معقّد، بقدر ما كانت حرب إبادة ممنهجة ومدروسة، استهدفت اجتثاث الوجود الفلسطيني بقتل وجرح وتشريد عشرات آلاف من المدنيين العزّل، وتدمير مقوّمات الحياة. هذا الدمار المرعِب، ما كان ليمرّ بسلامٍ لولا الجهود التي بذلها الإعلام الغربي في صياغة سرديةٍ للحرب، تُتيح التأثير في تشكيل المواقف بشأن أسباب اندلاعها وتداعياتها.
"ليست إبادةً، لكنّها حرب تتحمّل حركةُ حماس مسؤولية اندلاعها وما ترتّب عنها من تداعيات مأساوية، نتيجة هجومها "الإرهابي" على إسرائيل في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023. وما قامت به إسرائيل، ولا تزال، من قتل وتدمير وحصار، يندرج ضمن حقّها المشروع في الدفاع عن النفس"؛ تلك هي سردية الحرب التي يروّجها الإعلام الغربي، كي يستبعد توصيف الإبادة في أفق إنكار وقوعها، بتقديمها حرباً مثل كلّ الحروب من الصعب تجنّبُ سقوط ضحايا فيها. هذا التبسيط الفجّ، والمقصود، يكتسي دلالاته عبْر فرز امتداداتٍ في الثقافة والأدب والفنّ أولاً بتبنّي السردية الإسرائيلية بشأن الصراع، وثانياً بالتذرّع بالحيادية؛ فالفنّ، وفق الخطاب الغربي، ينبغي أن يبقى محايداً، وألا تتلطّخ "رسالتُه الإنسانية" بالسياسة. والسياسة هنا هي "معاداة السامية"، التي تعني، بداهةً، إدانة إسرائيل وفضح جرائمها في حقّ الفلسطينيين. وإذا كانت سردية الحرب هاته قد نجحت نسبياً في التضييق على السردية الفلسطينية، فإنها تُجابه مأزقاً حقيقياً أمام ارتفاع أصوات جريئة لا تتردّد في إعلان انتصارها للحقّ الفلسطيني. ومثالاً على ذلك، ما حدث في مهرجان برلين السينمائي الذي اختُتمت فعالياته نهاية الأسبوع الفائت، الذي تحوّل إلى ساحة للترافع والترافع المضادّ بشأن حرب غزّة. ومن ذلك رفضُ المخرجة التونسية كوثر بن هنية تسلّم جائزة "الفيلم الأرفع قيمة"، عن فيلمها الوثائقي "صوت هند رجب"، في ما بدا احتجاجاً على تكريم عسكري إسرائيلي سابق عن دوره في فيلم وثائقي كندي، وانسحابُ وزير ألماني من حفل الاختتام بعد اتهام المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب ألمانيا بأنها " شريكة في حرب الإبادة التي ترتكبها إسرائيل في غزّة".
ليس مهرجان برلين إلا مثالاً لفعّاليات فنّية وثقافية غربية تواجه صعوبات متنامية في التوفيق بين التزاماتها إزاء مصادر تمويلها التي تتحكّم فيها، في معظم الأحيان، جهات حكومية وغير حكومية، مناصرة لدولة الاحتلال، ولأنها فضاءات فنّية وثقافية، يُفترض أن تسع كلّ السرديات إزاء ما يشهده العالم من حروب وصراعات ومآسٍ. إن ما يرعب النُّخب الغربية هو تشكُّلُ خطاب إعلامي وثقافي موازٍ يعيد وضع الصراع في سياقه التاريخي، باعتباره صراعاً بين استعمار استيطاني وُفّرت له أشكال الدعم السياسي والعسكري والإعلامي الغربي كلّها، وشعبٍ مضطهد نجح أبناؤه، جيلاً بعد جيل، في إبقاء روحِ الوطنية الفلسطينية متّقدة في مواجهة آلة القتل الإسرائيلية. وعلى ما يبدو، أنّ هذا المأزق المركّب صار مبرّراً كي تصبح هذه النُّخب أكثر صفاقةً في ما تدلي به من ترّهات، آخرها ما صرّح به السفير الأميركي في دولة الاحتلال، مايك هاكابي، الذي لم يستحِ من القول إنّه "لا بأس أن تستولي إسرائيل على كامل الشرق الأوسط"، متوسّلاً في ذلك بما يتبناه ويُسوّقه اليمينُ الإنجيلي الأميركي المؤيّد لدولة الاحتلال.
تُضعف هيمنة وسائل الإعلام على قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي الروايةَ الفلسطينية وتُبقي تأثيرها محدوداً، على الرغم من الجهود المبذولة في هذا المنحى. بيد أن نجاحَ هذه الرواية في إرباك مهرجان سينمائي دولي كبير بحجم مهرجان برلين، وفضحَ السفير الأميركي في تل أبيب (من دون أن يقصد) أطماع المشروع الصهيوني في فلسطين والمنطقة... ذلك وغيره يؤكّد أن صراع السرديات حول مقتلة غزّة سيحتدم أكثر في الأمد المنظور.
