عربي
كانت صورة شبابه أو كهولته لديّ شبه غامضة. مرّةً أراه نبيهاً يعود في المغارب بغنمه، ومرّةً أراه هادئاً يحكي مع صاحب جمال، في أيام القصب، عن ثمن الضأن أو الصوف أو المراعي التي هناك. مرّةً أراه يعود حزيناً بغنمه شبه القليل، ومرّةً أراه يشتري الشاي والسُّكر من دكّان صغير وصاحب الدكّان يضحك معه في أمر البرسيم أو ذلك كريم العين الذي قطعوا من خلف ظهره رسن البقرة في المغارب وعاد بالرسن، فوفّر له أهل الخير بقرةً أخرى في يوم سوق وصارت حكاية، فقال له ضاحكاً: "قالوا لجحا عدّ غنماتك؟"، فضحك صاحب الدكّان وناوله الشاي والسُّكر.
مرّةً أراه يمشي باسماً بالمغزل من أمام دكّان محمد أبو عبد العليم، وكنت وكأنّني أراه قريباً لمحمّد أبو عبد العليم، رغم فارق الشبه واستحالة ذلك. لعلّه من الممكن جدّاً أنه قد تشارك في شتاء ما أو في دميرة مع عبد العليم الغنّامي في مرعى، وقد نام وضحك مع عبد العليم في مرعى كان به غيط بطاطس أو برسيم حجازي أو فول أو شامي، بعدما ترك أصحاب الغيطان، بعد جمع المحصول، الأرض لأصحاب الغنم. أو لعلّ الغيط كان في وسيّة أبو سيدهم، أو لعلّها كانت غيطان قصب قبل حرق العفش بقليل، بعد نقل العيدان إلى أبي قرقاص في القطارات التي كنا ننتظرها على القنطرة كي نخطف منها العيدان.
الأكيد أنه كان يهتم بنظافة ثوبه وعمامته الصغيرة وشاله الصوف والصديري وابتسامته، ولا يفارق المغزل حتى وهو فوق ظهر حمارته. وأظنّه أنه حتى في مواسم الدميرة كان يخرج فوق حمارته وأمامه قطفة الغنم وفي يده المغزل والصوف. كان كأنّه وُلد هكذا هادئاً كالمغارب من غير سبب، وكأنّه كان لا يعرف شيئاً لا عن الحرب ولا حتى عن العدو، بعدما توحّد أو شبه توحّد مع غنمه والمغزل وقطعة الصوف التي في يده وتنتهي هناك في المغزل. وكأنّه كان لا يفرح إلا بعد أن يترك له أصحاب الأرض، بعد جمع المحصول، تلك البقية التي تبرطع فيها غنمه فرحة بالخضار والحشيش والقسباء والنجيل. لعلّ نجمة هناك كان يعرفها، وهي التي كانت تحمي غنماته من الذئاب.
كانت الغيطان وكأنّها تحبّه، وهو لا يرتاح إلا للغيطان. ولم يكن يفارق شمس المغارب ولا قطعة الصوف والمغزل. كان صوته خافتاً ولا يتكلّم مع الناس إلا قليلاً، وكأنّه كان لا يتمتم إلا للغنم. قال أخي: "إنه كان لا يعود من المرعى بالأسبوع أو أكثر، وإن عاد لم تسمع له صوتاً".
بعد الثمانين حينما اشتد عليه المرض الذي كان لا يشكو منه أبداً، صار يمشي في الشارع بضعف وكأنّه غيمة، وتراه قد جلس بجوار دكّان أو مسجد أو مستوصف صغير وفي يده أحياناً الصوف والمغزل، أو يركن المغزل والصوف في جيب الصديري ويستمع لحكايات الجالسين عن الأردن، ومن عاد، ومن سرق، ومن تنتظره سيارة تنفيذ الأحكام، أو من سرق الأحذية من المسجد في صلاة الفجر، ولكن دائماً تراه طيباً هكذا يستمع من دون أن يتكلّم أو يفسر الحكايات، وقد انحنى تماماً وطالت جلسته.
يُخرج قطعة الصوف وهي شابكة بالمغزل من جيب الصديري. وقد حاولت مرّةً على سبيل التقرّب إليه أن أفاتحه في أمر طاقية لي في الشتاء من الصوف على مغزله، ولكنّني كنت أخاف أن أفقد تلك المودّة البسيطة التي تكوّنت من بين سلامي عليه وردّه بابتسامة ما قليلة أكاد ألمس فيها ماء العينين وهو جالس يتأمّل بقيّة أيامه. تردّدتُ كثيراً، وفي النهاية نسيتُ الموضوع تماماً، موضوع الطاقية التي كم تمنيتها أن تلامس أصابعه ومغزله قبل أن أضعها على رأسي أنا الذي لا أحبّ لبس الطواقي، واكتفيت بالمودة القليلة والسلام. وكأنّ عينيه هي التي تردّ عليَّ السلام من دون أن أسمع كلماته، وكأنّه كان لا يعرفني تماماً، أو كأنّه كان يعرفني ويداري، وخاصّةً وهو يشدّ خيطان الصوف ما بين أصابعه والمغزل.
كان في ابتسامته صفاء الفلاحين بعدما شبعوا من خير الغيطان، وصبر الغنّامة بعدما تعبوا وودّعوا المراعي والذئاب ومضارب الغنم والليل. كان في ابتسامته أزمنة قديمة لا يتحادث بها إلا مع نفسه أو مع الصوف والخيط والمغزل. كان في ابتسامته ملمح غامض جدّاً من الصين وعجائزها تلك التي رأيتها في الأفلام الوثائقية في الريف، مع فارق طيبة ما لصالحه هو. لعلّها طيبة متخيّلة أو مخاتلة، وقد أحدثها العجز بعد ما ركن ظهره في استكانة بجوار المستوصف الصغير، حتى سمعت بعد الفجر ذلك النداء الذي أنصت له دائماً، وإذا بي في فجر اليوم الأول من رمضان (19 فبراير/ شباط 2026) أسمع أنّ محمّد أبو مهدي الغنّامي توفاه الله تعالى، والجنازة صباحاً في التاسعة، والعزاء على القبر، ولا عزاء للسيّدات، من دون أن أفكّر أو حتى أسأل عن اسم عائلته، ومن دون أن يشير "الميكروفون" إلى ذلك أو حتى إلى ذرّيته من أولاده أو بناته، رغم علمي بوجودهم كما ذكر لي أخي. وكأنّه فقط قد عاد أخيراً إلى غنمه تاركاً الخيط والمغزل والصوف، ولعلّني قد لا أرى ذلك مرّةً أخرى.
