ثمة صباح…
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
هناك صباحات لا تأتي خفيفةً كما نتمنّى، ولا مشرقةً كما تصوّرها بطاقات التهنئة، بل تتسلّل إلى الغرفة على استحياء، كأنّها تخشى أن توقظ فينا ما حاولنا دفنه في العتمة. نصحو وقد بقي شيءٌ من الليل عالقاً في أطراف الروح، ونسأل أنفسنا كيف يمكن للمرء أن ينهض فيما الطريق أمامه مثقل بالحجارة، وفيما خُطاه لا تكاد تتذكّر شكل السير. ومع ذلك، يظلّ في الصباح وعد صغير لا يكاد يُرى، لكنّه كافٍ لأنْ يحرّك الدم في المعنى، وأن يذكّر القلب بأن التعب مرحلة، وأن الانكسار لا يملك سلطةً دائمة. أفكّر أحياناً في الحجارة التي تعترض طرقنا، وأكتشف أنها ليست دائماً ما يتخيّله الآخرون. قد تكون كلمةً قاسيةً استقرّت في الذاكرة، أو خيبة لم تجد من يواسيها، أو شعوراً بالاقتلاع من مكان كان ينبغي أن يكون وطناً. والحجر، حين يستقرّ في الطريق، لا يختبر القدم وحدها، بل يختبر القرار. هل نلتفّ حوله ونمضي، أم نجلس إلى جواره ونقيم فيه إقامةً طويلةً كأنّنا اخترناه قدراً؟ هنا يتجلّى الفرق بين مَن يرى الطريق عدواً، ومن يراه امتحاناً للتماسك. الروح حين تتكئ على تعبها لا تفعل ذلك ضعفاً، بل حكمةً خفية. إنها تعرف حدودها، وتعرف أن القوة ليست صلابةً مستمرّة، بل قدرة على الاعتراف بالإنهاك من دون أن تتحوّل إليه. ثمّة شجاعة عميقة في أن يربّت المرء على قلبه كلّ صباح، كأنّما يقول له: أعرف ما حملتَه بالأمس، وأعرف ما ينتظرك اليوم، ومع ذلك سنمضي معاً. هذا الربت فعل حميم، يكاد يكون سرّاً بين المرء ونفسه، وهو ما يمنح الصباح معناه الحقيقي. تعلّمت من الأيام أن النهوض لا يحتاج دائماً إلى خطط كبرى ولا إلى خطابات تحريضية. أحياناً، يكفي أن نضع قدماً أمام أخرى، وأن نسمح للهواء بأن يملأ صدورنا، وأن نتذكّر أن فينا قدرةً قديمةً على التجدّد. الصباح لا يغيّر العالم دفعةً واحدة، لكنّه يقدّم فرصةً صغيرةً لإعادة ترتيب العلاقة مع هذا العالم. يمنحنا مساحةً لنختار كيف سننظر إلى ما حدث، وكيف سنحمل ما لم يتبدّل. وكلّما قست الحجارة تحت أقدامنا اكتشفنا أن الطريق يعلّمنا ما لا تعلّمه المسارات الملساء. فهو يدرّب الحواس على الانتباه، ويعلّم الخطوة أن تكون يقظة، ويذكّر المرء بأن التوازن مهارة تُكتسب. لا شيء يُهدر حين نسير ببطء، ولا شيء ينتقص من كرامتنا حين نعترف بأننا في حاجة إلى استراحة. في هذا الاعتراف تكمن بذرة النهوض، وفيه أيضاً احترام عميق لحدود الذات. الصباح وعد صغير. نعم، لكنّه وعد يتجدّد كلّ يوم، وبهذا التجدّد يحرّرنا من سطوة الأمس. لا يحمل لنا ضمانات، ولا يكتب لنا نهايات سعيدة مسبقاً، لكنّه يفتح نافذةً ويقول لنا إن الإمكان ما زال قائماً. والمرء الذي يفتح عينيه على هذا الإمكان، حتى لو كان ضعيفاً، يخطو خطوةً في اتجاه الحياة. ليس لأنه متفائل على نحو ساذج، ولا لأنّه يتجاهل قسوة ما حوله، بل لأنّه يختار أن يمنح نفسه فرصةً أخرى. كم مرّةً ظننا أننا بلغنا أقصى التعب، ثم فوجئنا بأنّ فينا طاقةً إضافيةً لم نكن نعرفها. وكم مرّةً حسبنا أن الحجارة أغلقت الطريق، ثم اكتشفنا ممرّاً ضيّقاً يقود إلى فسحة غير متوقَّعة. هذه الاكتشافات الصغيرة هي ما يصنع علاقةً مختلفةً مع الصباح. نصبح أكثر إنصافاً لأنفسنا، وأقلَّ استعجالاً للنتائج، وأكثر إدراكاً بأنّ السير ذاته قيمة، حتى لو لم يصل بنا فوراً إلى ما نريد. أحبّ أن أرى الصباح كفّاً خفيةً تمتدّ إلينا كلّ يوم، لا لتسحبنا من واقعنا، بل لتذكّرنا بأننا قادرون على ملامسته بوعي أكبر. ننهض، ونرتّب فوضى أفكارنا، ونربّت على قلوبنا، ونمضي. نمضي ونحن نعرف أن الطريق قد يبقى مثقلاً بالحجارة، وأنّ الروح قد تحتاج إلى عصا معنوية تتكئ عليها، ومع ذلك نستمرّ، لأنّ في الاستمرار معنى، ولأنّ في النهوض اعترافاً بأنّ الحياة، مهما اشتدّت، تستحقّ أن تُعاش بكرامة ويقظة وأمل لا يصرخ، بل يعمل في الداخل بهدوء عميق.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية