عربي
يحمل قرار السفارة الأميركية في إسرائيل تقديم خدمات قنصلية داخل المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية المحتلة، وهو الأول من نوعه منذ احتلال الضفة عام 1967، تداعيات سياسية ودبلوماسية، إذ يُنظر إليه باعتباره خطوة عملية تعزز الواقع الاستيطاني القائم، وتدفع نحو ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة والاعتراف بضم الضفة الغربية بشكل فعلي.
وتعطي الإدارة الأميركية غطاء سياسياً للمستوطنات، عبر تقديم خدمات قنصلية من المتوقع أن تتطور لاحقاً لمكاتب قنصلية في المستوطنات لخدمة آلاف المستوطنين اليهود الأميركيين. ويقول وكيل وزارة الخارجية والمغتربين للشؤون السياسية السفير عمر عوض الله، في تصريحات لـ"العربي الجديد": "ترفض وزارة الخارجية هذه الإجراءات، لأن السفارة الأميركية الموجودة في القدس أصلاً غير قانونية"، مشيراً إلى أن تقديم السفارة الأميركية خدمات قنصلية للمستوطنين في مستوطنات غير شرعية وغير قانونية هو عملياً اعتراف بهذه المستوطنات واعتراف بالضم، وهذا مخالف بالتالي لرؤية الرئيس دونالد ترامب ووعوده للدول العربية بأنه ضد الضم والتهجير".
وأعلنت السفارة الأميركية في إسرائيل، مساء أمس الثلاثاء، أنها ستبدأ تقديم خدمات قنصلية روتينية للمواطنين الأميركيين، بما في ذلك خدمات جوازات السفر، في عدد من المواقع، منها مستوطنة "إفرات" المقامة على أراضي التعامرة، جنوبي بيت لحم، يوم الجمعة 27 فبراير/ شباط الحالي، على أن تتبعها زيارات ميدانية خلال الشهرَين المقبلَين إلى مواقع أخرى، من بينها مستوطنة "بيتار عيليت" المقامة على أراضي قرى واد فوكين وحوسان، غربي مدينة بيت لحم.
ومن المتوقع أن يستفيد من الخدمات القنصلية الأميركية آلاف المستوطنين اليهود الذين يحملون جنسية مزدوجة أميركية وإسرائيلية، ويعيشون ما بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ويخدمون في جيش الاحتلال الإسرائيلي. وبحسب السفير عوض الله، فإن "هذا سؤال موجه للإدارة الأميركية، هل هذا قرار فردي من السفير الأميركي في إٍسرائيل مايك هاكابي، وهو شخص بث مجموعة من الحقائق المزورة تاريخياً وقانونياً حول ما أطلق عليه سيطرة إسرائيل على كل الإقليم، أم أن هذا قرار رسمي من الإدارة الأميركية؟".
ويشدد عوض الله بالقول: "دولة فلسطين لم تقبل سابقاً نقل السفارة الأميركية إلى القدس، واعتبرته غير قانوني وسيبقى كذلك". ورداً على سؤال هل طلبت السلطة الفلسطينية أي توضيحات من المسؤولين الأميركيين حول هذا الأمر، يقول عوض الله: "هناك تواصل من الإدارة الأميركية على مستوى نائب رئيس دولة فلسطين والرئاسة". ويتابع عوض الله: "لم نستلم أي ملاحظات من الجانب الأميركي حول هذا الأمر، وما إذا كان هذا استمراراً للخطاب الاستفزازي والمرفوض للسفير الأميركي في إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، أم أن هذا قرار رسمي حكومي من الإدارة الأميركية، وهو بذلك يناقض ما وعد به الرئيس دونالد ترامب وما قدمه بوصفه ضمانات عندما وضع خطته التي تتضمن عشرين نقطة، وتعهد بأن لا يكون هناك ضم ولا استيطان".
ويقول عوض الله: "منذ أن نقلت الولايات المتحدة سفارتها إلى القدس لا يوجد تواصل مباشر بين وزارة الخارجية الفلسطينية والسفارة الأميركية، لأنها تخالف القانون الدولي، ووجودها غير قانوني في القدس".
من جانبه، يقول رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية الوزير مؤيد شعبان: "إن توسيع الخدمات القنصلية ليشمل مستوطنة قائمة على أراضٍ فلسطينية مصادرة ينطوي على إخلال بمبدأ عدم الاعتراف بالوضع غير المشروع، وهو مبدأ راسخ في القانون الدولي يفرض على الدول الامتناع عن أي إجراء يضفي طابعاً رسمياً أو عملياً على نتائج انتهاكات جسيمة".
ويوضح شعبان قائلاً "كما أن هذه الخطوة تتناقض مع الالتزامات المعلنة بدعم حل الدولتين، إذ تساهم عملياً في ترسيخ واقع استيطاني يقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة". ويشير شعبان، في بيان صحافي صدر اليوم، إلى أن "هذه الإجراءات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يسعى إلى إعادة تعريف الأرض المحتلة باعتبارها مجالاً إدارياً قابلاً للتطبيع الدبلوماسي، وهو ما يحوّل السيطرة الفعلية إلى شكل من أشكال الاعتراف الضمني، ويمنح المستعمرات غطاءً سياسياً إضافياً".
من جانبه، يعتبر الخبير في العلاقات الأميركية والمحاضر في جامعة النجاح الوطنية في نابلس حسن أيوب، في حديث مع "العربي الجديد"، أن الخطوة الأميركية "دليل جديد على عدم جدية الإدارة الأميركية إزاء كل الأصوات التي خرجت من الإقليم حول تصريحات السفير الأمريكي هاكابي المتعلقة بالضفة الغربية، ولو كان الأمر جدياً والإدارة لا تعترف بهذه التصريحات لما أقدمت على هذه الخطوة". ويقول أيوب: "إن وجود خدمات قنصلية في المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية يعني اعترافاً واضحاً بتصريحات السفير الأميركي، لكن مع بعد سياسي وقانوني، أي أن المستوطنات في الضفة الغربية أصبح معترفاً بها رسمياً من الإدارة الأميركية، ولم تعد توصف بأنها عقبة في وجه السلام".
ويوضح أيوب أن "الإدارة الأميركية تقول صراحة اليوم، وبخطوات عملية، إن الضفة الغربية هي أرض يهودية تخضع للسيادة الإسرائيلية أي لدولة الاحتلال". ويعتبر أيوب أن القرارات الأميركية بوجود خدمات قنصلية في المستوطنات ستتكرس وتتوسع في السنوات المقبلة، وهذه مقدمات لفتح مكاتب قنصلية أميركية في عمق الضفة الغربية بالمستوطنات الكبرى في شمال الضفة الغربية ووسطها وجنوبها.
ويقول أيوب: "إن الإدارة الأميركية تقيس ردات الفعل، وطالما أن ردات الفعل الفلسطينية والعربية تكتفي بالبيانات والتصريحات الرافضة دون أي خطوات عملية، ستمضي الإدارة الأميركية في سياساتها". ويوضح أيوب أنه "يوم أمس الثلاثاء، أقر مجلس نواب ولاية أريزونا الأميركية تشريعاً بتسمية يهودا والسامرة بدل الضفة الغربية المحتلة، وذلك بعد زيارة رئيس مجلس مستوطنات الضفة الغربية يوسي داغان للولاية ولقائه نوابها، وهذا ينسجم تماماً مع التصريحات الأولى للسفير الأميركي في إسرائيل بأنه لا يوجد شيء اسمه الضفة الغربية، بل يهودا والسامرة".
