فقر الخيال مدخلاً لفقر الواقع
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
كما أنّ الخيال (صحوه ومنامه، مُخلّقه ولا واعيه) آلية لتفريغ الذهن وتفتيح لمسارات في مواجهة واقع شخصي مأزوم (أو هروبًا منه)، هي كذلك بالنسبة للعقل السياسي/الثوري، ليس كحلم فرديّ عابر هذه المرّة، إنّما كقدرة جماعية على تصوّر عالم مختلف يلبي طموحات الحالمين/الفاعلين فيه "ليس كما هو، بل كما يمكن أن يكون"، إذ لا يُمكن لأيّ فعل "تغييريّ" أن يوجد في الواقع ما لم يُتصوّر في الخيال أولاً. التجمّد غريزة فطريّة أو آليّة دفاعيّة بحسب التطوّريين، وليس أخطر على واقعٍ مأزوم من خيالٍ ميّتٍ أو متجمّد، ولا أشدُّ فتكًا بمجتمعٍ مكبَّل من عقولٍ تعجز عن تصوّر ما سوى القيود التي تكبّلها. ففقر الخيال لا ينتج فقط تصوّرات محدودة، بل يُنتج واقعًا محدودًا أيضًا؛ واقعًا يتجمّد كما يتجمّد الذهن الذي يصنعه. حين نعجز عن تخيّل عالمٍ مختلف، نصبح، من دون أن نشعر، حرّاسًا للعالم القائم، حتى وإن كنّا من ضحاياه. الضحايا أنفسهم، وأصحاب المصالح، كثيرًا ما يقفون داخل السياق الذي أفرز الظلم، لا خارجه. المُعتقل لا يستطيع أن يتصوّر مُجتمعًا بلا سجون، بل يتخيّل سجنًا أقلّ قسوة. والمُعارض لا يتخيّل حياة بلا السلطة التي يقاومها، بل سلطةً مُخفّفة الوطأة أو بوجوهٍ مختلفة. فيتحوّل الجهد من مُساءلة البنية إلى التفاوض على هوامشها: ضغطُ تيارٍ على آخر، مطالبةٌ بإفراجٍ هنا، ومساحةٍ إعلاميةٍ هناك، وبعضِ التنفيس السياسي الذي لا يمسّ الجذر. وهكذا تُدار المعركة داخل الإطار الذي صنع المشكلة أصلًا، لا خارجه (نماذج الهجوم على الحكومة أو البرلمان بقدر ما هي مضحكة إلا إنّها كاشفة لعمق المأزق وحجمه).  في هذا السياق، يختلط علينا الكثير، إذ نخلط بين الذعر بوصفه غريزة نجاةٍ طبيعية، وبين ما يُلبسه الذهن لهذا الذعر من أثواب الحكمة والتعقّل. نخاف، فنُبرّر خوفنا بلغةٍ مُتفلسفة ونسوّق لأنفسنا كوننا نُحسن التقدير بينما كلّ ما نفعله هو الاختباء. ليس كلُّ تردّدٍ حكمة، ولا كلُّ انسحابٍ بصيرة؛ أحيانًا يكون الخوف، وحده هو المحرّك الخفيّ لكلّ هذه المرافعات العقلانية المُتوهّمة. لا يُمكن لأيّ فعل "تغييريّ" أن يوجد في الواقع ما لم يُتصوّر في الخيال أولاً ونحن في هذا السياق نخلط كذلك بين العجز الحقيقي، حين تُستنفد المحاولات بعد تجربة الأدوات وابتداع بدائل لما ثبت فشله وبعدما تُغلق السبل، وبين التطبيع المُريح مع المُمكن المُتاح/شبه الآمن. العجز حالةٌ مؤلمة، تُبذل فيها الطاقة حتى آخرها، أمّا التطبيع فهو استقرارٌ في مساحةٍ آمنة قياسًا بما قد تجرّه المحاولة من أثمان على الشخص وعلى المجموع. نُقنع أنفسنا ألا جدوى، بينما الحقيقة أنّنا لم نرد أن ندفع الكلفة؛ الفرق بين العاجز والمُتكيّف فرقٌ أخلاقيّ قبل أن يكون عمليًّا. ونخلط بين الخوف الطبيعي من الأثمان، وهو خوفٌ إنسانيّ مشروع (أكتب هذا المقال وأنا في إجازة خارج العاصمة التقاطًا للأنفاس بعد الضربة الأخيرة التي تعرّضتُ لها) وبين التمحور الكامل حول حماية الذات، ولو كان الثمن هو التنازل عن كلّ شيء آخر. حين تصبح السلامة الشخصية القيمة العليا التي تُقاس بها كلّ الخيارات، تتقلّص احتمالات الفعل إلى حدود الجسد والمصلحة. عندها لا يعود السؤال: ما الحقّ؟ بل: ما الآمن لي؟ ولا يعود المعيار: ما العدل؟ بل: ما الأقلّ كلفة عليّ؟ الخيال ليس ترفًا فكريًا، بل هو شرطٌ للتحرّر. أن نتخيّل عالمًا بلا سجون لا يعني إنكار الحاجة إلى العدالة، بل إعادة تعريفها خارج منطق العقاب الدائم. أن نتخيّل سياسةً بلا استبداد أو سلطة بلا عساكر لا يعني السذاجة، بل الجرأة على مساءلة المسلّمات. أن نتخيّل حياةً لا تُدار بالخوف لا يعني تجاهل المخاطر، بل رفض أن يكون الخوف مهندس المستقبل. الفرق بين العاجز والمُتكيّف فرقٌ أخلاقيّ قبل أن يكون عمليّاً  ومع ذلك، فإنّ ما سبق لا يعني إدانة الشعور الإنساني في أصلِه، ولا إنكار الغرائز الفطرية التي تدفع الإنسان إلى النجاة والبقاء والسعي إلى الأمان الشخصي. فالإنسان هو الغاية، وكرامته وسلامته ليستا تفصيلًا يمكن القفز فوقه باسم أيّ مثالٍ أعلى. غير أنّ الغاية هنا كما أفهمها وأنحاز لها، هي الإنسان بوصفه نوعًا، كيانًا جامعًا يتجاوز الفرد الواحد، لا الفرد المعزول الذي يُختزل فيه المعنى كلّه. الاعتراف بحقّ الإنسان في الخوف وفي الحذر وفي حماية نفسه، لا يعني تحويل هذا الحقّ إلى قاعدةٍ منظِّمةٍ لكلّ قرار، ولا إلى فلسفةٍ تبرّر الانكفاء الدائم والتمحوّر حول الذات. وكون كاتب هذه السطور، وغيره، يقع في هذا التردّد أو يستجيب أحيانًا لغريزة الأمان، لا يجعل من ذلك معيارًا يُحتذى، بل دليلًا إضافيًّا على الحاجة إلى وعيٍ يقظ، يراقب دوافعه، ويوازن بين الشخصيّ والعام، بين سلامة الجسد وسلامة المعنى، وبين نجاة الفرد وكرامة الجماعة. فالوعي لا يُلغي الغريزة، لكنه يمنعها من أن تتحوّل إلى سيّدٍ مطلق. فقر الخيال يُنتج فقر الحال، لأنّ الواقع في نهاية المطاف هو الابن الشرعيّ لما نجرؤ، أو لا نجرؤ، على تصوّره، وكلّ تجمّدٍ في الواقع يبدأ بتجمّدٍ في الذهن. واللحظة التي نميّز فيها بين الخوف والحكمة، بين العجز والتطبيع، بين النجاة والتمحور حول الذات… هي اللحظة التي يبدأ فيها الخيال باستعادة وظيفته الأخلاقية: فتح نافذةٍ في جدارٍ ظنناه قدرًا.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية