جزر العذراء من كولومبوس إلى إبستين.. ظلال الشرّ على شواطئ هادئة
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
على الخريطة، تظهر جزر العذراء أرخبيلاً صغيراً في الكاريبي. لا نكاد نسمع به في أحداث العالم كأنه يعيش في زمن مواز، في بطاقات بريدية أو إعلانات وكالات أسفار لا غير. كان الأمر كذلك قبل أن تصعد به إلى السطح ملفات إبستين، فتنقلب الصورة المخيالية التي يؤثثها الاخضرار والشواطئ إلى مسرح للفظائع والفضائح. فجأة، تبيّن أن هذه "الجنة الطبيعية" ليست إلا "جنة اصطناعية" تجذب المجرمين والمبتزين وعبدة المال والسلطة. في منتصف الطريق بين هذا وذاك، كانت جزر العذراء "جنة ضريبية" مكرّسة لخدمة الرأسمالية العابرة للحدود، وكانت من قبل ذلك جنة الغزاة والمستعمرين لسهولة السيطرة عليها وموقعها المشرف على ممرات التجارة البحرية بين المحيط الأطلسي والكاريبي. وإنها لمفارقة أن تشترك كل هذه الوجوه في ذات الموقع الجغرافي وأن تتعايش تحت غطاء العزلة والهدوء قبل أن تضيء لمعة برق خاطفة جانبها الأكثر ظلمة. فما الذي تكشفه هذه الجزر عن العالم الذي نعيش فيه؟ الكتاب الأحمر لجزيرة سان جيمس الصغرى كان الترتيب أن يظلّ الجزء الأكبر من جرائم جيفري إبستين بعيدا عن التداول الإعلامي، على نحو يشبه مئات القضايا التي تتقاطع فيها السلطة بالمال. غير أنّ القضية انفجرت مثل بركان، متحوّلة من تحقيق حول اعتداءات متحرّش بفتيات قاصرات إلى ملف رأي عام دولي تورّطت فيه وجوه من عوالم السياسة والاقتصاد والمعرفة، حتى أصبحت السيطرة على مساره غير ممكنة. ولعلّ هذا الانفلات كان سببه قدر من الاطمئنان المفرط لدى إبستين بوجود شبكة حماية قادرة على احتواء تداعيات ملاحقته القضائية، غير أنّ الحسابات اختلّت، وتجاوزت الوقائع قدرة الجميع على تطويقها. يشبه ما حدث تلك الزلّات غير المقصودة التي حفر فيها علماء النفس بوصفها منافذ إلى طبقات أعمق للشخصية البشرية، فهي تلقي الضوء على ما هو عميق ودفين مما لا تتيح له أحداث الحياة اليومية ظهوراً. غير أنّ الرهان هنا ليس تقصّي أعماق نفس جيفري إبستين، فذلك مسار لا يخدم غرض هذا التحليل؛ بل نحاول مقاربة ما يمكن تسميته بشخصية جزر العذراء نفسها، وقد تشكّلت وفق تاريخ استعماري طويل (هو الأطول لكونها من بين الجزر التي عايشت اللحظة الكولومبية) فتشكلت على مدى ما يقارب خمسة قرون بوصفها هامشًا أعيد توظيفه مراراً من قبل المركز. ونعتمد في ذلك على الجهاز المفاهيمي لعالم النفس السويسري كارل غوستاف يونغ، مع تحوير مجال اشتغاله من النفس الفردية إلى الفضاء الذي تحرّكت فيه؛ بحيث لا يكون موضوع التحليل ذاتاً بشرية، بل جغرافيا تشكّلت دلالتها عبر ما أُسند إليها من أدوار. يرى صاحب "الكتاب الأحمر" أنّ الإنسان يودِع في لاوعيه ما يسميه بالظلّ، أي ذلك الجانب من الشخصية الذي لا يرغب في ظهوره إلى العلن، مقابل التعامل في المجال العام بما سمّاه بالبرسونا (القناع). يتجلّى الظلّ بعد ذلك أساساً في الأحلام والزلّات غير المقصودة والكتابة الفنية، كما يجد لنفسه أيضاً فضاءات تُبنى أو تؤثث بحيث تؤوي ما يُراد إبعاده عن واجهة الوعي، ويتجسد ذلك عادة في شكل قلعة أو قصر. وفي حالة جيفري إبستين هو جزيرة سان جيمس الصغرى في أرخبيل جزر العذراء. فهي ليست امتداداً لظله الشخصي فحسب، بل حيّز تجسّدت فيه وظيفة الإبعاد ذاتها؛ أي إزاحة ما يتعذّر إدماجه في السردية العلنية: الشخصية الناجحة في عالم الأعمال والداعمة للفنون والعلوم. يصبح المكان وفق هذه القراءة تقاطعاً بين إرادة فردية وبنية أوسع قادرة على إنتاج الهوامش حسب رغبات المركز وحاجياته. جزيرة سانت جيمس الصغرى، كانت المكان الذي أتاح إبقاء الظل أبعد ما يكون عن المركز. كانت محطة في مسار جيفري إبستين - بعد نيويورك وبالم بيتش - جرى اختيارها وتشكيلها بما يسمح بفصل المجال العلني عن الممارسات التي يُراد لها أن تبقى خارج الرصد والمساءلة. أي نقطة في مسار تطوّر إبستين لتوفير فضاء مناسب لتمدّد ظله. البنية التحتية للاغتصاب غير أنّ التوجّه إلى جزر العذراء لم يكن محض صدفة؛ فقد هيّأت هذه الجزر لتلعب الدور بإتقان، ولا سيما الجزء التابع للولايات المتحدة، حيث يتمتّع الأرخبيل بوضع قانوني–إداري يجذب أصحاب الثروات، وجرى تأهيل الجزر المتناثرة لتكون منتجعات، أضف إلى ذلك ورقة الجغرافيا إذ يسهل الوصول إلى جزر العذراء من الساحل الشرقي (قرابة ساعتين إلى ثلاث ساعات طيران من فلوريدا). هذا الجمع بين القرب الجغرافي والابتعاد عن أضواء الأجهزة الأمنية والإعلامية نادرٌ فينبغي استثماره على أكمل وجه. من هذا المنظور، لم تعد جزر العذراء مجرّد مسرح لجرائم فردية، بل بنية تحتية جاهزة لأداء وظائف مخصوصة؛ هوامش مزيّنة ضمن تصميم عام يجعلها قابلة للاستخدام حين تدعو الحاجة إلى إبعاد بعض الأنشطة عن أعين الرقابة. إذن هناك شراكة رمزية عميقة في كل الجرائم المكتشفة مع من هيأ في البدء هذا الإطار كي يعمل على النحو الذي اكتُشف. لقد انبنى كل هذا "الاستثمار" ضمن حاجة مركزية لوجود جيوب معتمة ولم تكن جزر العذراء غير مادة استعمالية مناسبة لذلك. أدّت جزيرة سانت جيمس الصغرى، في هذا التصوّر، وظيفة احتواء الظلّ بامتياز؛ وهي خدمة قدّمتها لمجمل المركز وليس لجيفري إبستين شخصياً لتكون فضاء استدراج قاصرات واستغلالهن جنسياً كما تطرح الرواية الأكثر رواجاً إعلامياً (انظر مثلاً السلسلة الوثائقية التي أنتجتها نتفليكس حول قضية إبستين). أتاحت الجزيرة إبعاد ممارسات غير قابلة للإدماج في الصورة العلنية للنظام الأميركي الذي تتحرك داخله. وما الظل إلا تلك الجوانب التي لا ترغب البنية المهيمنة في الاعتراف بها صراحة، من جشعٍ واستغلالٍ وانفلاتٍ أخلاقي، ليصبح الإخفاء آلية لاستمرار إنتاج خطابها الرسمي حول المبادئ والحقوق والحريات، وكل ما يمكن أن نسميه بـ"سرديات القناع". فمع قضية إبستين وحدها تسقط مقولات حماية الأطفال والحقوق النسوية ومكافحة الاتجار بالبشر. سانت جيمس الصغرى ومثيلاتها تتيح أن يزاح التناقص الأخلاقي مكانياً وسردياً فيتم إسقاطه على ما هو بعيد ومعزول: يُنقل الظل من الإطار المركزي إلى أطراف الجغرافيا عسى أن يستمر القناع متماسكاً ظاهرياً. ولكي يتحقق ذلك فإن جزر العذراء كانت - وغالباً ستظل - فضاء لما يُسمح له بالوجود شرط ألا يُرى، ونحن نعيش هذه الأيام حالة اضطراب ناتجة من انكشاف ما لا ينبغي له أن يُرى، ولعل كل ما ظهر ليس إلا إضاءة بمقدارٍ معلوم لما يُمكن أن يُرى. طقوس الانتفاخ النفسي توجد في أدبيات يونغ لحظة يسميها الانقلاب؛ حين يعجز القناع عن الاستمرار في أداء وظيفته التكيّفية مع الفضاء العام بسبب تضخّم الظلّ إلى حدّ لم يعد ممكناً احتواؤه بآليات الإسقاط أو الإزاحة. ذلك ما جرى لجيفري إبستين حين فقد قدرته على ضبط العلاقة بين الواجهة الاجتماعية والشبكة الخفية، وبلغ التناقض حدّاً لم يعد معه الفصل ممكناً. يُقرأُ ذلك انهياراً يخصّه شخصياً، لكنه أيضاً إشارة إلى توتّر أعمق داخل المنظومة التي يمثلها. قد تفضي قضية إبستين إلى تعديلات قانونية تنظّم ما يدور في جزر العذراء الأميركية، غير أنّ ذلك لا يعني بالضرورة تغيّر الأدوار التي أُنيطت بها داخل البنية الأوسع. فالأرخبيل لا يستمدّ جاذبيته من بعده السياحي كما يوحي كل شيء فيه، بل من قدرته على استقطاب أسماء من الصف الأول في دوائر النفوذ. من منظور هؤلاء أيهما عامل الجاذبية الأكثر تأثيراً لاستدراجهم إلى مسرح الجريمة: هل هي الصداقة مع جيفري إبستين أو الحكاية التي تلقيها جزيرة سان جيمس الصغرى على أسماعهم بما تحركه فيهم من نزوات؟ وحين اعتقد الناس أن الاعتداء على فتيات قاصرات في جزيرة سانت جيمس الصغرى يمثل القاع الذي بلغه هؤلاء، تسرّبت صور لهم وهم يشاركون في طقوس غامضة تضمّن بعضها ما يمكن أن يكون تضحية بأطفال. في هذا الرعب تحديداً ربما تكمن جاذبية سان جيمس الصغرى؛ فليس لمثل هذه الطقوس مكان داخل العمران البشري، إنها بحاجة إلى ما اصطنع تحديداً لهذه الممارسات التي يحضرها من يعتقدون أنهم معفيون من الحدود الأخلاقية للعامة ومسموح لهم بالعودة إلى رغبات بدائية. هكذا في حين يشعر بعضهم وهو في جزر العذراء بأنه في حالة استثناء قانوني (الجنة الضريبية) كان آخرون يشعرون بأنهم في حالة استثناء أخلاقي. يمكن قراءة هذا الشعور بوصفه أحد متطلبات الشعور بالعظمة أو الاصطفاء، حالة الانتفاخ النفسي بمفردات يونغ. وتجسيداً لهذا الشعور اخترعت الطقوس أصلاً، فهي آليات لإعادة إنتاج التميّز أو استعادته عبر العودة إلى أنماط رمزية بدائية. طقوس يوفّرها لهم إبستين في جزيرته. وبما أنها ممارسات تتناقض جذرياً مع الصور العلنية لمن تورّطوا فيها وأقنعتهم، فقد نشأت سوق (غير مرئية ولا تزال كذلك) للابتزاز؛ إذ يصبح الانكشاف تهديداً دائماً يمكن توظيفه في سياقات أخرى، سياسية أو اقتصادية، للوصول إلى أهداف بعينها. بتنا نعرف شيئاً عن المقاصل المعلقة فوق رؤوس قادة وهم يوقعون على قرارات بقتل الأطفال وتهجير جماعات بشرية. هكذا تبدو ملامح شخصية جزر العذراء اليوم وإلى غد قريب: ظاهرياً، هي هامش معزول، ولأنها مغطاة بقشرة إكزوتيكية غليظة، فإنها مكان مناسب لاستمرار الأدوار التي أنيطت بها. إنها هامش بقدر ما هي مرتبطة بالمركز. لقد مسخ الغرب جزر العذراء لتكون أداة من أدواته: يريدها أن تكون ديكوراً يمكن أن تقع فيه أحداث ولكنها تظل من قبيل التخييل Fiction، لا وقائع تغير السياقات والمسارات في المركز. تراجيديا مختصرة للتاريخ الاستعماري هل كانت مصادفة أن تلعب جزر العذراء الأدوار المختلفة التي لعبتها؟ ترى كيف كانت من قبل أن يبتلعها التاريخ الغربي؟ وكيف رآها المكتشفون/ الغزاة الأوائل يا ترى؟ على الأرجح مثلت بادئ الأمر فضاء انبهار، ولما تمت السيطرة عليها - من التسمية إلى أمان جانب السكان - أصبحت فضاء استخراج (سكر، تبغ، عبودية)، ثم محطة في فضاء عبور منذ أن عرفوا ما وراءها: "العالم الجديد". ثم وجدوا فيها نقاطاً مناسبة لمراقبة التجاربة البحرية في المنطقة، وحين اكتمل العقل الرأسمالي وتحوّل مركزه من أوروبا إلى شمال القارة الجديدة، أعدّ الأرخبيل ليكون منصة للتدفقات المالية المشبوهة. على خط التاريخ الاستعماري هذا تفرّق دم الأرخبيل بين الإسبان والدنماركيين والبريطانيين والأميركيين. إنها بذلك حالة فريدة من انتقال الغنيمة بين المفترسين: تُغزى، تباع وتشترى. وما كان الأمر صدفة فالواقع الجغرافي لا يتيح المقاومة لأن الجزر الصغيرة سهلة المحاصرة. حتى أشكال المقاومة السلبية مثل الحفاظ على العرق وبقايا الثقافة الأصلية لم يكن متاحاً، ومن المرجح أن الجزء الأكبر من السكان الأصليين قد هلكوا ليس بالعنف وإنما قبل ذلك بالأوبئة التي رافقت الأوروبين إلى "العالم الجديد". ومن تبقى منهم كان يداً عاملة أو عاش بفضل منّة الغزاة لتأثيث مكان بمقتضيات إكزوتيكية. منذ 1493، أي في فجر الاستعمار، دخل الأرخبيل الواقع شرق الكاريبي في مدار الأوروبيين. كولومبوس بنفسه من أطلق تسمية الجزر العذراء تيمنا بحكاية القدّيسة أورسولا والإحدى عشرة ألف عذراء. ومن ثمّ أتبعها للتاج الإسباني، ثم تتابع المد، فوقع بعضها تحت سيطرة الأسطول الدنماركي والبعض الآخر من جزرها غزته السفن البريطانية قبل أن تصبح حجر زاوية في منظومة الهيمنة الأميركية، فأخذت نصيباً من جرز الأرخبيل من خلال معاهدة تنازل من إسبانيا إثر هزيمتها في حرب كوبا (1898) واشترت من الدنمارك جزراً أخرى عام 1916 تاركة لبريطانيا سيطرتها على ما في حوزتها من جزر. كان هذا التلاحق بين الإمبراطوريات علامة على تنافس جيوسياسي. فبسبب موقعها والأدوار التي يمكن أن تلعبها قواعد للسيطرة البصرية على الفضاء المحيط بها، كانت جزر العذراء مدخلاً لوضع اليد على ممرات التجارة التي نشأت، إنها النقاط التي تربط لندن وباريس ومدريد وجنوى ونيويورك بما يستخرج من معادن وبمزارع قصب السكر في المكسيك ونيكاراغوا وكولومبيا، وكانت كذلك مخزناً لتدوير العبيد بين أوطانهم التي اختطفوا منها والمستعمرات المستحدثة. وفي وقت متأخر أصبحت في القرن العشرين، وتحت رغبة الاستثمار الرأسمالي، وجهة سياحية، وأخيراً - وفق هوى رأسمالي آخر - برز اسمها على أنها جنة ضريبية. وما بعد كل ذلك، أتى إبستين ليرفع للضوء أدواراً أخرى ونعني تحديدا الدور الحَرفي للهامش: توفير فضاءات إخفاء للمال وللمسؤولية، وإتاحة امتيازات لا تقدمها المدن الكبرى والعواصم حيث الرقابة القضائية والصحافية والمجتمع المدني والغضب الطبقي. ليكون الأرخبيل ليس فقط عقدة بين الممرات البحرية بل حلقة ربط بين المال والجريمة والجنس والنفوذ والابتزاز. إنها قصة الاستعمار مختصرة: يبدأ باستغلال الحد الأدنى؛ الأرض بوصفها أرضاً، فيكون الاستعمار تموقعاً، ومن ثمّ يستخدم السكان، في علميات الاستخراج، عبر المناجم أو المزارع، وإذا صحّت أنباء اختطاف أطفال سكان الجزر الأصليين لاستعمالهم في طقوس جزيرة سان جيمس الصغرى، سيكون ذلك المشهد الأكثر تراجيدية عما بلغته النزعة الاستخراجية. وفي جميع محطاته، يعمل الاستعمار على تنظيم المكان وفق مصالحه ثم وفق شهواته ليصل إلى تحويله بشكل مطلق ومحوه. مع جزر العذراء، نحن أمام بقعة من الأرض بلغ فيها منطق التحويل حدّه الأقصى وتلك مصائر أي موقع من منظور التصرّف الإمبريالي، حتى إذا بلغ مرحلته الأميركية كان في أعتى صور جبروته وبشاعته. ظلّ المشروع الأميركي لم يبن إبستين جزيرته بل وجدها جاهزة للاستعمال. التقط على طبق كل ما يحتاجه لنزواته الصغيرة (استدراج الفتيات) أو تلك الأكبر (ابتزاز رجال المال والسياسة). يُكمل الأرخبيل بيئة قانونية وسياسية منطلقها في واشنطن ونيويورك وميامي ولوس أنجليس. أن تكون جزر العذراء أرخبيل الملاذات الضريبية والملذات المحرمة ليس إلا خدمة لمن يستطيع دفع السعر المحدد. وما كل ذلك غير توزيع دقيق للمواقع في إطار تقسيم العمل في عالم الرأسمالية المعولمة. أن تكون الهامش هو وظيفة بحد ذاته؛ أن تكون جزر العذراء الهامش المالي أو الهامش الأخلاقي لا فرق، المهم أن تؤدّي دورها. إلى ذلك، تُكمل جزر العذراء النظام الجيوستراتيجي للولايات المتحدة في الفضاء الكاريبي. هي جزء لا يتجزأ مثلا من مبدأ مونرو لأنها ببساطة النقطة الأضعف في المجال التوسعي الأميركي، وهي تغلق مع بورتوريكو القوس الشرقي للبحر الكاريبي، كما تقع عند عقدة استراتيجية، لوجستياً واستخباراتيا، بين المحيط الأطلسي والبحر الكاريبي وبذلك تشرف على ممرات الملاحة المؤدية إلى خليج المكسيك وأهم من ذلك قناة بنما. وهي ذراع في حصار كوبا وربما في الهيمنة على ثروات فنزويلا. ليس صدفة أن هذه البلدان جميعها تتحرش بها أميركا باستمرار. تقرأ دوائر الأمن القومي الأميركي موقع جزر العذراء ضمن منطق الفراغات الجيوسياسية المحتملة؛ أي تلك المساحات التي قد تتحول، إن تُركت خارج السيطرة، إلى نقاط نفاذ لقوى منافسة. بذلك يصبح الحضور الأميركي في الأرخبيل آلية استباقية لمنع تشكّل فراغ استراتيجي شبيه بما مثّلته كوبا في الذاكرة الأمنية للولايات المتحدة. جزر العذراء تدرأ بذلك قلقاً قد ينغّص على الولايات المتحدة راحتها. ينقلب هذا القلق الجيوسياسي إلى نسق أعلى في العمل على ربط جزر العذراء بواشنطن، وربما لذلك اختيرت قبل فضاءات أخرى محتملة لتكون جاذبة لأصحاب الثروات بما هي فضاء سكن ومحضنة ملائمة للشركات الواجهة وما تديره من عمليات تهرب ضريبي أو تبييض أموال. أرادت لها واشنطن بهذا الدور أن تلتصق أكثر ما يكون بالمركز. أن تحتمل كل جرائمه وتتبناها وأن تحافظ بعد ذلك على صورتها الخلابة وعلى مسحة براءتها المصطنعة بمشاهد شواطئها وغاباتها وما توحي به تسميتها. وقد تبيّن أن هذه جزر العذراء لم تكن عذراء إلا لكي تستباح. جريمة إبستين أنه اغتصب فتيات قاصرات في جزيرة من جزر العذراء، وجريمة أميركا أنها اغتصبت الجزر العذراء وأتلفتها إلى الأبد…

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية