عربي
خلافاً للباحثين المتفائلين الذين يلاحظون تراجعاً للعنف في العالم، مستندين إلى معلومات إحصائية، يرى عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا الفرنسي، ديدييه فاسين، أن السؤال عما إذا كان العنف اليوم أكثر أو أقل مما كان عليه في الماضي، سؤال مضلِّل في كثير من الأحيان، لأن الإجابة تتوقف على ما نعترف به بوصفه عنفاً. وهو لا ينشغل في كتابه "دروس من الواقع المظلم. ما يقوله العنف عن العالم" (دار لا ديكوفرت، 2025) بإحصاء ضحايا العنف بقدر ما يركّز على تمثلاته، ويذهب إلى أن المقارنة الإحصائية المجرَّدة قد تحجب الأبعاد السياسية والأخلاقية للظاهرة.
ويحاول قراءة العالم المعاصر وتحليل إشكالياته على ضوء انتشار العنف وتفاقمه بصفته ظاهرة كونية عابرة للحدود، إذ يضمّ الكتاب مجموع الدروس التي ألقاها صاحبه في الكوليج دو فرانس، وهو مُهدى إلى ضحايا العنف والحروب والإبادات الذين غالباً ما يجري تجاهلهم، بينما تُبرّر الجرائم المرتكبة بحقهم، ويُدان في المقابل كل من يجرؤ على فضح وإدانة المسؤولين عنها، وإن دلّ هذا الإهداء فعلى البعد الأخلاقي والسياسي الذي يحكم هذا المشروع الفكري.
العنف… شبح العصر
يستعير فاسين في مستهل كتابه عبارة ماركس "شبح يطوف العالم"، ليسقطها على ظاهرة العنف الذي يخيّم على المجالين العام والخاص في آن. ولعل مأساة غزّة تمثل المثال الساطع، لأن العنف هنا لا يقتصر فقط على حجم الدمار وعدد الضحايا، بل يشمل تورّطنا الرمزي والسياسي فيها، من خلال مواقف الحكومات، وخطابات النخب، وطريقة تغطية الإعلام. هنا، يصبح سؤال العنف سؤالاً عن المسؤولية المشتركة. فالشاهد على العنف قد يكون بمعنى ما متورطاً فيه.
لذلك عمد إلى مقاربة العلوم الاجتماعية من زاوية نقدية، ليستغرب أنها تجاهلت التطرق إلى العنف، بوصفه موضوعاً مركزياً طوال قرن تقريباً رغم أنه كان حاضراً في الاستعمار والحربين العالميتين والإبادات الجماعية. فمنذ البدايات انشغل علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا بنظريات "الانسجام الاجتماعي"، و"البنية الاجتماعية" مركِّزين أبحاثهم على ما يضمن استقرار المجتمع أكثر مما يكشف عن تناقضاته، وبالتالي، على النظام لا الفوضى وعلى التماسك لا التصدع. يعلِّل الكاتب ذلك بالبعد الاجتماعي لهوية منتجي المعرفة، فغالبيتهم من الرجال ومن الطبقات الوسطى والعليا، وبالتالي، فإنهم أقل حساسية تجاه العنف البنيوي الذي تعانيه النساء والأقليات والمستعمَرون. بهذا المعنى، يرى فاسين أن المسألة ليست منهجية فقط، بل ترتبط أيضاً بالموقع الاجتماعي للباحث.
أشكال العنف: من الجسد إلى البنية
يسعى فاسين أولاً إلى تعريف العنف أو معرفته، قبل أن يتناول الفعل نفسه. يرفض اختزال العنف في نظرية موحّدة، ويصر على تعدديته، ساعياً إلى الكشف عن تمثلاته، كيف يُفهم، وكيف يُدرس، وكيف يُصنّف، وكيف يُشهد عليه، ثم كيف تجري مواجهته ورفضه.
تختلف أشكال العنف وتتنوع، فالحروب، والإبادات، والقمع البوليسي، والعنف الأسري، والاعتداءات الجنسية، والإهانات اليومية، كلها ممارسات تتباين في درجاتها، لكنها تشترك في كونها تمسّ "سلامة" الإنسان الجسدية أو النفسية أو المعنوية. فالعنف لا يُختزل بالعنف الجسدي. إن الفقر المدقع، وحرمان الناس من الرعاية الصحية أو التعليم، يعتبران من أشكال العنف التي قد تتسبب بالموت، أو ينتج عنها معاناة طويلة الأمد. كذلك فإن الإهانات العنصرية أو المعنوية قد لا تترك أثراً جسدياً، لكنها تجرح الكرامة وتدمِّر الثقة بالنفس. هكذا يتوسع المفهوم ليشمل "العنف البنيوي" و"العنف الرمزي".
الكتاب مُهدى إلى ضحايا الحروب والإبادات الذين يجري تجاهلهم
وفي محاولته لفهم العنف، يعود فاسين إلى تاريخ الحضارة البشرية متوقفاً عند النصوص المؤسسة للحضارات القديمة، من الملاحم الإغريقية، إلى الروايات التوراتية، التي تزخر بمشاهد القتل والإبادة. العنف، إذن، هو سردية تاريخية، لكن الخطر يكمن اليوم في الطريقة التي تُستعاد بها هذه السرديات لتبرير سياسات معاصرة. فالإحالة إلى معركة تاريخية أو نص ديني قد تتحول إلى أداة تعبئة قومية أو دينية تُشرعن العداء والإقصاء. هنا، يصبح الماضي خزاناً رمزياً يُستدعى لإضفاء المشروعية على العنف الحاضر. وهذا ما يجعل تحليل "تمثلات" العنف جزءاً لا يتجزأ من فهمه.
إن مشاهد الدمار والقتل التي تُنقل مباشرة على الشاشات تجعل المشاهد شاهداً على العنف، لذلك يتوقف فاسين مطولاً عند أدب الشهادة، ويميز بين "الشاهد" الذي رأى و"الناجي" الذي عاش التجربة، ليخلص إلى أن هذا التمييز يطرح سؤالاً أخلاقياً: من يملك حق الكلام باسم الضحايا الذين لم يبق منهم أحد؟ كما أن الشهادة ليست مجرد نقل وقائع، بل فعل أخلاقي يحمل مسؤولية تمثيل من غابوا. غير أن هذا الفعل نفسه قد يُقابل بالتشكيك أو الصمت أو حتى بالعقاب. وهنا تتداخل مسألة العنف مع مسألة "السيطرة على اللغة".
يشدِّد فاسين على أن معركة اليوم ليست فقط معركة سلاح، بل معركة مصطلحات: هل ما جرى في غزّة "مجزرة" أم "عملية عسكرية"؟ هل ما يحدث "حرب" أم "إبادة"؟ في عالم تتسارع فيه الأخبار وتتصاعد الاستقطابات، يصبح اختيار الكلمات فعلاً سياسياً بامتياز. فالتسمية قد تفتح باب المساءلة القانونية، أو تغلقه. قد تستثير التعاطف، أو تبرر القمع.
غزة: العنف بوصفه اختباراً أخلاقياً
إذا كانت "دروس من الواقع المظلم" تنطلق من تحليل نظري لأشكال العنف وتمثلاته، فإن غزة تشكّل في الكتاب لحظة اختبار تاريخي لهذا التحليل، إذ إن العنف هنا لا يعود مفهوماً مجرداً، ولا موضوعاً أكاديمياً يُناقش في قاعات المحاضرات، بل يصبح واقعاً يومياً يُقاس بعدد الشهداء، وبحجم الدمار، وبالمدى الذي تبلغه اللامبالاة الدولية. ولا يخفي فاسين أن تدمير غزة شكّل خلفية أساسية لكتابته هذه النصوص. ففي مقدمته، يكتب أن ما هيمن على الواقع الراهن هو "القضاء على الفلسطينيين في غزّة"، مشيراً إلى أن ما يحدث هناك من عنف يفوق الوصف، ويُبثّ مباشرة على الشاشات، ومع ذلك قد يُستقبل باللامبالاة أو التبرير.
غزة، في قراءة فاسين، ليست فقط ساحة حرب، بل مرآة للنظام العالمي، وهي تكشف التفاوت الصارخ في قيمة الأرواح، وتفضح ازدواجية المعايير في توصيف الجرائم، وتظهر كيف تتحول اللغة إلى أداة صراع لا تقل أهمية عن السلاح، فحين يُختزل القصف إلى "حق في الدفاع عن النفس"، أو تُمحى معاناة المدنيين خلف تعابير تقنية باردة، يصبح النزاع معركة على المعنى بقدر ما هو معركة على الأرض.
تصبح غزّة اختباراً أخلاقياً وفكرياً للعلوم الاجتماعية نفسها
بالنسبة إلى العالم العربي، تمثل غزّة لحظة تلاقٍ بين الذاكرة التاريخية والحاضر المشتعل، فهي تستعيد جروح النكبة والاحتلال والحروب المتعاقبة، لكنها تكشف أيضاً حدود النظام الإقليمي نفسه: عجز سياسي، انقسام داخلي، توتر دائم بين الخطاب والممارسة. وفي هذا السياق، يكتسب كتاب فاسين أهمية خاصة للقارئ العربي، لأنه لا يتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها "ملفاً سياسياً"، بل بوصفها مثالاً مكثَّفاً على كيفية إنتاج العنف وتبريره والتغاضي عنه.
ما يطرحه فاسين يتجاوز التضامن العاطفي أو الإدانة الخطابية. إنه يدعو إلى مساءلة أعمق: كيف يقبل العالم أن يُدمَّر حي سكني كامل في دقائق ثم يُختزل الحدث في سطر إخباري؟ كيف تُصنَّف المأساة أحياناً بوصفها "نزاعاً" بين طرفين غير متكافئين؟ ولماذا تُطالب الضحية دائماً بإثبات إنسانيتها، بينما يُمنح الجلاد افتراض البراءة السياسية؟
بهذا المعنى، تصبح غزة اختباراً أخلاقياً للضمير العالمي، واختباراً فكرياً للعلوم الاجتماعية نفسها، فإما أن تظل هذه العلوم حبيسة الحياد المزعوم، وإما أن تواجه مسؤوليتها في تسمية الأشياء بأسمائها، وفي كشف البنى التي تسمح باستمرار العنف البنيوي والسياسي. وعلى الرغم من قتامة الصورة، لا يدعو فاسين إلى اليأس، بل يرى أن مهمة العلوم الاجتماعية ليست الانكفاء، بل الإضاءة والنقد، فالكشف عن "نقاط العمى" في المعرفة، وتحليل رهانات التسمية، وإبراز التفاوت في قيمة الأرواح، كلها خطوات نحو مساءلة النظام القائم.
* كاتبة ومترجمة لبنانية
