يمن مونيتور/ وحدة التحقيقات/ خاص:
في انعطافة حادة لبوصلة التصعيد، نقلت جماعة الحوثي خلال الأسبوعين الماضيين زخمها العسكري من “التحرش البحري” في ممرات الملاحة الدولية إلى “تحشيد بري” مكثف على تخوم المحافظات النفطية، والحدود الشمالية مع المملكة العربية السعودية.
وكشفت معلومات عسكرية حصل عليها “يمن مونيتور” -واتفقت مع مصادر عسكرية وقبلية في مناطق الحوثيين- أن الحركة أجرت مؤخراً “مناورات محاكاة لهجمات السابع من أكتوبر” ليس للاستعراض العسكري المحلي بل ضمن إعادة هيكلة شاملة للقوة البرية الحوثية تهدف للانقضاض على حقول النفط شرقي اليمن وشن هجمات “صدمة” على المنشآت الإقليمية، تحت غطاء انشغال المجتمع الدولي بالصراعات الإقليمية الكبرى.

التحول من هجمات البحر إلى “الاجتياح الأفقي”
وقال ثلاثة مصادر عسكرية واثنين من المصادر القبلية القريبة من الحوثيين تواجدوا في مناطق المناورات إنها جرت في مرتفعات محافظتي عمران وحجة، وتخوم محافظة الجوف الصحراوية، لافتة إلى أن تلك المناورات شهدت تحولاً جذرياً في العقيدة القتالية للجماعة، حيث انتقلت من “حرب العصابات الدفاعية” إلى تكتيكات “الهجوم المشترك” و”الاجتياح الأفقي”.
وقال جنرال عسكري متقاعد من الجيش اليمني حتى (2014) أطلع على تلك المناورات العسكرية إلى استخدام وحدات “النخبة الحوثية” لطائرات مسيرة انتحارية (كاميكازي) كـ “مدفعية قريبة” تغطي تقدم المشاة الراجلين، في محاكاة دقيقة لأسلوب “سرب النحل” الذي استُخدم في أحداث السابع من أكتوبر للمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي.
وتشير المعلومات الاستخبارية إلى المناورة لم تقتصر على الرماية، بل شملت عمليات إنزال جوي عبر مروحيات “مي-17” متهالكة جرى ترميمها بقطع غيار مهربة، وتدريبات على استخدام مظليين لتنفيذ عمليات “كوماندوز” خلف خطوط التماس. ومحاكاة لاختراق سواتر ترابية وتحصينات دفاعية تشبه إلى حد بعيد خطوط التماس في جبهات “مأرب”.
وتُشير المعلومات التي حصل عليها “يمن مونيتور” إلى أن ما يسمى بـ “وحدة الرضوان”، التي تتلقى تدريباتها على يد قيادات من “فيلق القدس” الإيراني وعناصر من “حزب الله” اللبناني في صعدة، بدأت تتبنى تكتيكات “الحرب الهجينة”. هذه الوحدات باتت تعتمد على تجهيزات تقنية متطورة، تشمل أجهزة رؤية ليلية من الجيل الثالث ومنظومات اتصالات رقمية مشفرة يصعب التشويش عليها محلياً، مما يعزز قدرتها على تنفيذ عمليات مباغتة ضد أهداف في شبه الجزيرة العربية، ليس بدافع السيطرة الجغرافية الدائمة، بل بهدف “الصدمة الاستراتيجية” التي تجبر واشنطن على رفع الحصار المالي عن الجماعة، والسعودية على تسليم الرواتب في مناطق سيطرتها.
وقال الجنرال اليمني إنها من المرات القليلة جداً أو الأولى التي تتدرب وحدات “النخبة” الحوثية على تجاوز الخطوط الدفاعية الثابتة عبر “الالتفاف الميداني” بدلاً من المواجهة الجبهية. لافتاً إلى أن الهدف الرئيسي ليس السيطرة الجغرافية الدائمة (المستحيلة حالياً)، بل تنفيذ عمليات “كوماندوز” خلف خطوط العدو (في مأرب أو جازان) لضرب مراكز القيادة والسيطرة (C2) وإحداث حالة من الارتباك الشامل التي تسبق هجوم بري الرئيسي.
وتحدثت المصادر لـ”يمن مونيتور” شريطة عدم الكشف عن هويتها خشية انتقام الحوثيين، أو لحساسية المعلومات.
ويرى المحللون أن الجماعة، تحاشياً لتصعيد إقليمي شامل قد يؤدي لحملة دولية واسعة ضد الحوثيين، قد تلجأ في المرحلة الأولى إلى “عمليات جراحية مؤلمة” بدلاً من الهجوم الشامل على الحدود. ويشمل هذا السيناريو تنفيذ عمليات “قضم” محدودة للجبهات لاختبار يقظة القوات الحكومية. ويوم الأحد شن الحوثيون هجوماً عنيفاً على القوات الموالية للحكومة والتابعة لعضو مجلس القيادة طارق صالح في مديرية “حيس” جنوبي محافظة الحديدة وقتل 6 جنود.

“الهروب إلى الأمام”: فاتورة الرواتب كمحرك للبارود
يأتي هذا التصعيد العسكري كخيار لـ “الهروب إلى الأمام” في ظل أزمة سيولة خانقة وانهيار تاريخي للقدرة الشرائية في مناطق سيطرة الجماعة، حيث بلغت فاتورة الرواتب المتأخرة التي يطالب بها الحوثيون نحو 7.3 تريليون ريال يمني (حوالي 13.8 مليار دولار) حتى نهاية عام 2024. وتعتبر الجماعة أن حالة “اللاحرب واللاسلم” الحالية هي عدوها الأول لأنها تزيد من السخط الشعبي المكتوم، مما يدفعها لتفجير جبهات غربي مأرب -رئة النفط والغاز- لفرض واقع عسكري جديد يجبر المجتمع الدولي على تقاسم الموارد النفطية مقابل الهدوء البري.
وتجلى هذا التوجه في خطاب “محمد مفتاح”، القائم بأعمال رئيس حكومة الحركة، الذي طرح مفهوم “المزاوجة الاستراتيجية” بين المسار التفاوضي والجاهزية الصاروخية، مؤكداً: “بجهوزية القوات الصاروخية والمسيرة، سنفرض السيادة وننال الحقوق طوعاً أو كرهاً”.
ويعزز هذا الخطاب الهجومي قناعة لدى قيادة الجماعة بأن “الاستقرار الهش” يخدم الخصوم فقط، وأن “الانفجار العسكري” ضروري لتحقيق مكاسب سريعة. وفي إطار توجيه السخط الشعبي بعيداً عنها، تروج الماكنة الإعلامية الحوثية لفكرة أن الرواتب يجب أن “تُنتزع انتزاعاً من بين أنياب العدوان”، معتبرة أن الجوع في ظل الحرب والاشتباك أفضل استراتيجياً من الجوع في ظل “هدنة خادعة” تمكن الخصوم من ترتيب صفوفهم.

مؤشرات التصعيد
وعلى الأرض، تم رصد تحركات غير مسبوقة للقيادي البارز عبدالله الحاكم “أبو علي الحاكم” في محاور غربي مأرب “الكسارة” و”صرواح”، بالتزامن مع استدعاء كافة العناصر من إجازاتهم ووقف إجازات شهر رمضان المبارك. كما أرسلت الجماعة تعزيزات مكثفة إلى مأرب وتعز ولحج والبيضاء والحديدة، وصعدت من تعزيزاتها على الحدود السعودية، وحركت منصات إطلاق صواريخ ومسيرات إلى مزارع في حجة والجوف، مما يعكس نوايا هجومية وشيكة تتجاوز مجرد المناورات التدريبية.
ويشن الحوثيون حملة متصاعدة في خطابها ضد السعودية، حيث يتم الترويج لفكرة أن “الهدنة لا فائدة منها” وأن الرواتب يجب أن تُنتزع بالقوة إذا لم تدفعها السعودية التي يتهمونها بالمماطلة.
ويمثل شعار “ثابتون وجاهزون للجولة القادمة” الذي ترفعه الحركة منذ أسابيع إعلاناً بانتهاء الجدوى من الهدنة غير المعلنة مع القوات الحكومية، والتحول نحو “حتمية المواجهة” كخيار وحيد يرون أنه لانتزاع المكاسب السياسية والاقتصادية. ويوم السبت أعلنت حكومة الحوثيين رفع مستوى الجاهزية على مستوى كافة الجهات استعدادا لمواجهة الطوارئ في مصلحة الدفاع المدني والمستشفيات.
The post حصري- مناورات تحاكي السابع من أكتوبر.. كيف يستعد الحوثيون لنقل الحرب من البحر إلى البر؟! appeared first on يمن مونيتور.