أصحاب الجلالة – أعد حلقاتها لـ”يمن ديلي نيوز” عدنان الشهاب: رحلة كفاح استثنائية بدأت من ميادين الجندية في اللواء 312 قادته ليكون أحد من أبرز المصورين الحربيين الذين وثقوا ملاحم النصر والانكسار من قلب خطوط النار.
استطاع فهد العيال توثيق بطولات خالدة نالت تكريماً رئاسياً وعسكرياً رفيعاً، مكرساً حياته لكشف زيف المليشيات ورفع الروح المعنوية للأبطال، رغم كل ما واجهه من مخاطر وفقدانه لرفاق دربه ومنزله في سبيل قضيته.
ولد فهد صالح العيال عام 1990 في مديرية صرواح بمحافظة مأرب، وتحديداً في قرية “العزلة” بحزم الراك.
بدأ فهد دراسته في مدرسة بلقيس الواقعة مركز مديرية صرواح، بعد إتمامه الصف الثالث، انتقل إلى المعهد العلمي (معهد خالد بن الوليد) ودرس فيه حتى الصف السادس أو الأول الإعدادي، قبل أن تلغى المعاهد العلمية وتدمج ضمن المدارس.
انتقل في الصف الثاني إعدادي إلى مدرسة قريبة في “حزم الراك”، وأكمل فيها دراسته حتى تخرج من الثانوية العامة في عام 2009، بدأ حياته المهنية كجندي في اللواء 312 في كوفل صرواح مأرب.
لا يعجبه الاعلام
بدأت العلاقة بين فهد العيال والمجال الإعلامي من نقطة لم يكن فيها يؤمن بالإعلام أو يطمح للعمل فيه؛ حيث لم تكن لديه أي فكرة أو طموح مسبق في هذا الجانب، وكان يظن أن المذيعين يحفظون الأخبار عن ظهر قلب، ولا يعجبه ذلك.
في يناير 2010، التحق فهد العيال بالجيش كجندي في اللواء 312 (كوفل) فور تخرجه من الثانوية العامة حيث بدأ حياته المهنية بالعمل في حماية خط أنابيب النفط.
نظراً لخدمته في اللواء في تلك الفترة، تمكن فهد من توثيق عمليات تفجير أنابيب النفط، حيث اقترح عليه ابن خاله “أبو طالب” بإرسال هذه المقاطع للمصور الراحل عبد الله القادري، وتفاجأ فهد لاحقاً بظهور فيديوهاته التي صورها بهاتفه على قناة الجزيرة.
كانت تلك بداية معرفته بالقادري، الذي أصر على منحه 50 دولاراً (نصف المبلغ الذي تقاضاه من القناة) مقابل أحد تلك الفيديوهات، وهو أول دخل مادي له من العمل الإعلامي.
مواجهة الحوثيين في الجوف
في عام 2011، ذهب إلى صنعاء ليلتحق بـ جامعة الايمان، لكنه لم يتمكن من مواصلة الدراسة، وعاد بهدف مساندة أبناء الجوف (كمقاتل قبلي) مع مجاميع قبلية من أبناء قبائل مأرب أبرزها (بني جبر وعبيدة)، حيث دارت أعنف المواجهات في منطقة اليتمة والأجاشر، وعروق الأبتر، بقيادة صالح الروساء، ومن تلك القبائل التي هبت بسلاحها الشخصي لنجدة الجوف بعد استشهاد العديد من قادتهم.
كان المقاتلون القبليون يعتمدون على سلاحهم الشخصي في أحسن الأحوال يمتلكون (آر بي جي)، بينما كان الحوثيون يمتلكون دبابات ومدرعات حصلوا عليها من معارك صعدة أو بتنسيق مع (الحرس الجمهوري حينها).
خاض فهد معارك في عدة مناطق بالجوف، منها “سدبة” التي استمر القتال فيها قرابة ثمانية أشهر بنظام المناوبة، ومناطق أخرى مثل “السرب” و”القائمة” و”الريحانة” وجبال سدبة، وكانت المعارك ضارية لدرجة أن التحركات في بعض المناطق (مثل السرب) كانت تقتصر على الليل فقط لصعوبة الحركة نهاراً.
استسلام الحوثيين
انتهت المواجهات بعد مواجهات استمرت عدة أشهر، حيث قاد الوساطة، درعان السقاف، وعلي صالح شطيف، وتم التواصل مع القائد صالح الروساء لوقف الحرب، حيث اشترط الروساء أن يوقع زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي على الهدنة والانسحاب وعدم بقاء مسلحي الحوثي في حدود مأرب والجوف نهائياً.
يذكر فهد أنه عند انسحاب الحوثيين خرجت قوة هائلة، من حيث العدد والعتاد تتفوق بمراحل على مقاتلي القبائل، إلا أن وضعهم الميداني كان منهاراً جدا.
تعتبر هذه الفترة هي التي صقلت معرفة فهد بتضاريس المنطقة، مما ساعده لاحقاً عند مرافقة القائد عبد الرب الشدادي في توثيق معارك عام 2015 وما بعدها.
معرفته بالقائد الشدادي
بداية عام 2014، تعرف فهد العيال على القائد عبد الرب الشدادي، عقب تعيينه قائدا للواء 312، وتعززت معرفته بالقائد الشدادي خلال كارثة السيول في منطقة “ذنة” بصرواح؛ حيث تفاجأ فهد بوجود الشدادي يقود عمليات إنقاذ العالقين والمواطنين بواسطة طائرات الهليكوبتر بنفسه، وهو الموقف الذي ترك أثراً كبيراً لدى فهد.
ولاحقا ومع اندلاع الحرب، تحول فهد إلى مصور حربي رافق للشدادي في الخطوط الأمامية لتوثيق الانتصارات في جبهات صرواح والطلعة الحمراء.
كان الشدادي من القادة الذين يحفزون فهد والشباب على التوثيق والإعلام الحربي، مما جعل فهد قريباً منه في معظم المعارك حتى استشهاد القائد.
موقف القائد أبو جهم الشليف
قبل اندلاع الحرب في صرواح بثلاثة أيام، جاءت وساطة إلى قائد الجبهة الشيخ أحمد بن علي الشليف تطلب منه السماح للحوثيين بالمرور عبر “الخط الأسود” (الخط الاسفلتي)، لكنه رفض ذلك تماماً، وقال لهم ” والله لن يمر (الحوثي) إلا على رقيبنا” (أي على جثثنا).
ساهم هذا الموقف القوي في رفع معنويات القبائل وتشجيعهم على المواجهة والالتفاف حول القيادة، معتبرين أن هذا الأمر استثنائي ولا يمكن القبول به.
توثيق معارك صرواح
قبل اندلاع المواجهات في صرواح بأيام قلائل خضع فهد لدورة تدريبية مكثفة لمدة ثلاثة أيام فقط على يد “كمال المحفدي” في منطقة “عرش بلقيس”، حيث تعلم أساسيات التصوير وزواياه، بتنسيق من “عبد الواحد دهمش”.
كان أول عمل في توثيق المواجهات مع الحوثيين بمنطقته مركز مديرية صرواح في 12 أبريل 2015، حيث نقضت جماعة الحوثي وعدها لأبناء صرواح بعدم إشعال المواجهات في منطقتهم.
وُصفت بأنها من أشد المعارك التي شهدتها مأرب، وسقط فيها عدد كبير من الشهداء والجرحى، حيث فقدت قبيلة “آل حماجرة” وحدها قرابة 22 شهيداً في أول يومين، منهم أربعة إخوة استشهدوا معاً.
العمل في مركز سبأ
إثر ذلك، طُلب منه العمل رسمياً مع مركز سبأ الإعلامي الذي أسسه وليد الراجحي”.
أشار فهد إلى أنه كان الوحيد بين الاعلاميين الذي يعمل بدون راتب في الوقت الذي كان فيه زملاؤه يتقاضون رواتب من المركز أو المحافظة، بالإضافة إلى مستحقاتهم من القنوات التي يعملون لصالحها.
يذكر أنه كان يمرّ بظروف صعبة لم يكن يملك فيها حتى “صرفة” لأولاده، ومع ذلك كان يرفض جعل المادة شرطاً لعمله.
تطور الأدوار
واجه فهد العديد من الصعوبات والتحديات خلال بداياته في التصوير الحربي، تراوحت بين نقص الإمكانيات التقنية ونقص التأهيل والمخاطر الميدانية القاتلة.
في البداية منحه مركز “سبأ” كاميرا “سوني HD” متواضعة، ولاحقاً اشترى كاميرا “كانون” خاصة به لتعزيز قدرته على التصوير، قبل أن يشتري له كاميرا “كانون” التي تتميز بخاصية الزوم (Zoom) التي قال إنه “أفادته كثيراً” في تصوير المسافات البعيدة وتفاصيل المعارك بدقة أعلى، وتوثيق اللحظات الحاسمة وتوثيق انتصارات كبرى مثل “الطلعة الحمراء” بشكل احترافي.
التعلم الذاتي من اليوتيوب
بعد أن نصحه زميله عبد الله القادري باقتناء جهاز كمبيوتر للأرشفة والعمل، اشترى فهد جهاز “لابتوب” بمواصفات متواضعة، ولجأ إلى المهندس (عبده محمود)، وطلب منه تثبيت برنامج المونتاج (سوني فيجاس).
يذكر فهد أنه في ذلك الوقت لم يكن يعرف حتى نطق اسم البرنامج بشكل صحيح، بل كتبه للمهندس في ورقة.
كانت هذه بداية رحلة التعلم الذاتي عبر اليوتيوب، واستطاع فهد خلال أقل من عشرة أيام إتقان أساسيات القص والتركيب ولاحقا انتقل للاحتراف في برنامج (أدوبي بريمير)، ساعده هذا التطور الذاتي في المونتاج على أرشفة مواده المصورة منذ نهاية عام 2015 بشكل احترافي.
إغراءات حوثية
بعد أن ذاع صيته كمصور مؤثر، تلقى فهد اتصالاً من جماعة الحوثي يعرضون عليه الانتقال لصنعاء مقابل “طقم” (سيارة عسكرية)، وكمبيوتر، وشقة خاصة، وراتب مغرٍ بنفس رتبته العسكرية.
كان رده قاطعاً بالرفض، مؤكداً أنه لن يبيع قضيته ووطنه مقابل المال (الدنيا كلها)، مفضلاً البقاء في الميدان مع زملائه، وطلب من المتصل (ينتمي الى صرواح) أن يعود الى مأرب ويترك العمل مع الحوثيين.
تفجير منزله الشخصي
من المواقف المؤلمة والمؤثرة في حياته قيام جماعة الحوثي بتفجير منزله الذي يتقاسمه مع والده في منطقة “الزور” بصرواح عام 2017، وذلك انتقاماً منه بسبب نشاطه الإعلامي والميداني مع قوات الشرعية.
رغم هذه الأخطار، يؤكد فهد أن دافعه في التوثيق لم يكن مادياً، بل إيمانه بقضيته حيث كان يرى أن الصورة التي توثق “فرار العدو” أو “ثبات الأبطال” ترفع معنويات الناس وتؤثر في العدو كما تفعل الرصاصة تماماً.
مواقف ميدانية مميتة
حصار “قرية الحول” بنهم (2016)، يُعد هذا من أخطر المواقف التي واجهها، العيال حيث دخل مع زملائه (عبد الله أبو سعد وأسامة القعاري) إلى منطقة اعتقدوا أنها مؤمنة، ليكتشفوا أنهم وسط كمين ومحاصرون خلف “بيت عظم”.
يذكر فهد أن المقاتلين الحوثيين كانوا يتواجدون في غرف مجاورة بنفس المبنى الذي يحتمون به، وتعرضوا لكثافة نيران غير عادية بجميع أنواع الأسلحة، وعند الخروج، خاطر فهد بالركض أولاً تحت رصاص القناصة والمعدلات ليؤمن طريق زملائه، واضطر في نهاية الأمر إلى سحب ورفع زميله عبد الله أبو سعد الذي لم يعد قادراً على الحركة من شدة التعب والرصاص يرتطم عند أقدامهما.
ومن أصعب المواقف التي واجهها “العيال” كانت رؤية زملائه ورفاقه يستشهدون أمام عينيه أثناء التوثيق، مثل استشهاد “عبد الله دحوان” الذي أُصيب برصاصة وهو بجانبه تماماً في جبهة صرواح.
واستشهاد أبو عبد الله (قاسم السلفي) خلال اقتحام “تبة السنام” في هيلان عام 2016، كان فهد يبعد عنه حوالي 6 إلى 7 أمتار فقط عندما استشهد نتيجة القصف الكثيف ونيران القناصة.
كما استشهد بجواره، أيمن (مرافق القائد حفيظ)، وثق فهد لحظة إصابة هذا الشاب واستشهاده برصاصة أثناء اشتباك قريب جداً مع الحوثيين (على بعد حوالي 40 متراً) في “سائلة” بصرواح.
من مرارة الفقدان استشهاد المصور عبد الله القادري، في جبهة قانية، وهو الشخص الذي كان يعتبره معلمه الأول، ورغم كل ذلك استمر فهد في عمله.
فيديو سحب المعدل
تعد قصة فيديو “سحب المعدل” من أبرز المحطات في مسيرة فهد العيال الإعلامية، حيث وثق شجاعة المقاتل، طارق مغنيز، في مواجهة مباشرة مع الحوثيين، عام 2020، في منطقة مفرق صلب (أو مفرق الجفرة)، حيث قام المقاتل طارق مغنيز بسحب سلاح “معدل” من يد الحوثيين في قلب المعركة، وكان فهد العيال هو من وثق هذه اللحظة بكاميرته.
بعد التوثيق، عرض فهد المشاهد على الصحفي عبدالله البوري، الذي تفاجأ من قوة المحتوى، وقام بإعداد تقرير تلفزيوني عنها.
نال الفيديو صدىً واسعاً، حيث أظهر شجاعة نادرة للمقاتل مغنيز، مما ساهم في رفع الروح المعنوية لدى الأبطال في الميادين، كما وجه نائب رئيس الجمهورية آنذاك (علي محسن الأحمر) قيادة وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان بتكريمهم.
الأثر النفسي بعد النشر
يصف فهد العيال الأثر النفسي لمشاهدة التفاعل مع مقاطعه بأنه شعور بالفخر والارتياح “انشراح الصدر” لا يمكن وصفه بالكلمات، وشعر بجدوى عمله عندما لاحظ أن المشاهدات المليونية (التي وصل أحدها إلى 7.9 مليون مشاهدة) ترفع معنويات الناس في مأرب وحتى في صنعاء، وتجعلهم يوقنون بإمكانية هزيمة العدو، إضافة الى التفاعل المباشر من كبار القادة ودعوة للاستمرار في التوثيق مما جعله يشعر بأن تضحياته مرئية ومقدرة.
العمل في قناة سهيل
التحق فهد العيال بالعمل في قناة سهيل في عام 2017، قبل انضمامه كان يراقب مصوري القناة في الميدان ليتعلم زوايا التصوير وكيفية خروج المادة الإعلامية بشكل احترافي.
كان يصور وينتج تقارير لمراسل قناة سهيل، وُصفت بأنها من أفضل التقارير، حتى أنها كانت تُقارن بأعمال مراسلين محترفين، هذا التميز دفع مدير مكتب القناة حينها، عاصم السروري، لعرض وظيفة رسمية عليه كمصور.
يعتبر فهد أن العمل في قناة سهيل محطة هامة في مسيرته، حيث لقي معاملة راقية من الإدارة والزملاء، ووفرت له القناة سيارة وأدوات لتسهيل مهامه في توثيق أحداث الحرب والجبهات.
يمتلك فهد صوتاً إذاعياً مميزاً، حاول مدير القناة عاصم السروري، ومهندس الصوت، خليل التويج، تشجيعه على تقديم التقارير، وعرض عليه خليل تدريبه بشكل كامل، لكنه رفض ذلك، وفضل الاستمرار كمصور خلف الكاميرا، معتبراً أن ذلك يمنحه حرية أكبر في التحرك والإبداع الميداني.
رسالته
يدعو فهد الاعلاميين إلى تسخير “الكلمة والصورة” لدعم الأبطال في الميادين، مؤمناً أن هذا الدعم المعنوي لا يقل أهمية عن الإسناد العسكري، مشددا على ضرورة الالتزام بالصدق والدقة في نقل الأخبار والوقائع الميدانية، مساندة الجيش الوطني، وكشف زيف العدو وتوثيق انكساراتهم وهزائمهم النفسية والميدانية، والتوثيق الحقوقي لضمان حفظ حقوق الضحايا وعدم ضياع الحقيقة.
ظهرت المقالة فهد العيال: من البندقية إلى الكاميرا … حيث كانت الكلفة أفدح أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.