عبدالوهاب قطران يكتب: وحشة الفقر ورعب السؤال.. أين مليارات الزكاة ومتى أصبح التسول حريتنا الوحيدة؟
كتابات
منذ 4 ساعات
مشاركة

 

​عبدالوهاب قطران 
​خرجنا عصر اليوم قاصدين "البلاد" لأداء واجب العزاء في  وفاة ابنة خالتي، رحمها الله. وعلى امتداد الطريق من صنعاء إلى همدان، كنا ما إن نتوقف لبرهة لشراء حاجة، حتى تباغتنا جموع المتسولين؛ أطفال ونساء، وفتيات في مقتبل العمر، يلحّون في طلب المساعدة بوجعٍ يبعث على الحرج والأسى.

​وفي قاعة العزاء، التي غصّت بالمعزين من همدان وأرحب، تجلت أمامنا مفارقة فاجعة؛ فقد بدا أن أعداد الطالبيين والمتسولين الذين تهافتوا على القاعة تفوق أعداد المعزين أنفسهم! يا للهول والوحشة. كانت بحوزتي "علاقية" كبيرة مكتظة بالقات الهمداني الفاخر، تفوق ما أستهلكه يومياً بثلاثة أضعاف، وأمام طوفان المتسولين — وأغلبهم من الأطفال المسحوقين والشباب البائس — الذين مدوا أيديهم وأكياسهم طلباً للقات والمال ، لم أجد بدّاً من وضع غصنٍ واحدٍ في كل كيس يُمدُّ إليّ، حتى نفدت الكمية تماماً.

​منذ جلوسنا بعد صلاة العشاء وحتى مغادرتنا في العاشرة مساءً، والمشهد يتكرر؛ دفعة تخرج وأخرى تدخل. لا ينقطع تواردهم ،

نحيب شابٍ يصرخ بأن أطفاله يتضورون جوعاً في البيت بلا عشاء، ولا يتوقف بكاء آخر يشكو عجزه عن دفع تكاليف علاج والدته المريضة بالسرطان، بينما يطوف ثالثٌ موزعاً قصاصات ورقٍ تستجدي العون.

والمفارقة أن جميع هؤلاء المتسولين جاؤوا من خارج القرية؛ من محافظات حجة وعمران والمحويت وتهامة، يتقاطرون بأعداد مهولة للبحث عن طوق نجاة بمجرد سماعهم بوجود عرس أو عزاء.
​أمانة الله، صرتُ أحمل همّ الخروج إلى البلاد لحضور أي مناسبة عزاء او فرح ، من فرط ما تستنزف هذه المشاهد روحي.

الليلة، أيقنتُ أن البؤس تحول إلى حالة عامة، حتى "الرعية" والفلاحين الميسورين الذين نعرفهم،من البلاد استحالوا إلى معدمين جُدد يكافحون بضراوة من أجل البقاء، وتقرأ في وجوههم الشاحبة قسوة الحياة يطحنهم  العوز.

لم يعد بمقدور أحدٍ منهم التصدق كما كانوا يفعلون بكرامة وسخاء؛ فقد اقتصر جود الأغلبية على منح المتسولين غصن قات، أما المال فقلة نادرة من تستطيع بذله.

الخلاصة الموجعة: لقد تمت مصادرة كل الحقوق والحريات وأُلغيت تماماً، ولم يُبقِ لنا الواقع سوى "حرية التسول والشحاذة"!

​وأمام هذا الطوفان من البؤس، يبرز تساؤل مشروع ومُلح: أين الهيئة العامة للزكاة من كل هذا الوجع؟!

هذه الهيئة التي تجبي وتحصّل زكوات سنوية تقدر بمئات المليارات؛ أين تذهب عائداتها ومصارفها الحقيقية؟

ولماذا نرى هذا التناسب العكسي الفاضح: فكلما زادت إيرادات ومنابع هيئة الزكاة، زاد عدد المتسولين واتسعت رقعة الفقر بشراسة؟! ألم يقل الله تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}؟

​أين تذهب مئات المليارات المحصلة والتي من أهم وأول مصارفها الشرعية حل مشاكل الفقراء والمساكين؟

ولماذا لا توضع خطة علمية واقتصادية حقيقية من قِبل هيئة الزكاة — يا أبو نشطان — للقضاء على ظاهرة التسول التي تتسع رقعتها كل عام بشكل مرعب؟

​لو صُرفت الزكاة حقاً على هؤلاء الفقراء والمعدمين، ما وجدنا متسولاً واحداً في الشوارع. الحل يكمن في تأهيلهم، وتمويل مشاريع صغيرة يعملون بها وينتجون ليعتمدوا على أنفسهم، استلهاماً للتطبيقات العظيمة للإسلام في توزيع الزكاة، كما فعل الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز الذي قضى على الفقر والبطالة بالتوزيع العادل لمصارفها.

وقد ​عادت بي الذاكرة الليلة وانا بقاعة العزاء  إلى قاعات المحاضرات بكلية الشريعة والقانون،والمعهد العالي للقضاء  حيث كان أستاذنا الدكتور علي الشرفي يصدح بصوته الفصيح شارحاً لنا في قانون العقوبات "جريمة تكرار التسول"، باعتبارها جريمة اعتيادية لا ينعقد ركنها المادي إلا بالتكرار والتعود.
​نعم، القانون يُعاقب المتسول، ولكن العقل والمنطق والعدل يفرضون أن تقوم الدولة بواجباتها أولاً.

على السلطة أن تتكفل بجمع هؤلاء، وإطعامهم، وإعادة تأهيلهم من أموال الزكاة المهولة، بدلاً من تضييق معيشة الشعب الضيقة اصلا..

وبعد أن توفر الدولة البديل الكريم ومشاريع التمكين، حينها فقط، من يتسول أو يتخذ الشحاذة مهنة وحرفة، يُعاقب ويُسجن وفقاً للقانون الذي يجرّم تكرار التسول.

​أما أن تُترك السلطة حرة في ملء سجونها بأصحاب الرأي والكَلِم، بينما تتخلى عن مسؤولياتها تاركةً الآلاف من المتسولين فوق مجتمعٍ جائع ينتشرون في الشوارع وصالات العزاء والاعراس سيما في الأرياف؟ ببطوناً خاوية، فهذه هي الكارثة الحقيقية.

فإلى متى سيستمر هذا التجاهل المريب، حتى كاد نصف المجتمع أن يتحول إلى شحاذين؟!

عبدالوهاب قطران

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية