يمن مونيتور/ وحدة التحليلات/ خاص:
تشهد العاصمة المؤقتة عدن تحولاً دراماتيكياً في خارطة نفوذها العسكري، مع دخول قوات “درع الوطن” كلاعب محوري جديد في المربعات السيادية والمنافذ الاستراتيجية. وتأتي هذه الخطوة، بحسب مصادر رسمية، في إطار مساعٍ حثيثة لإنهاء “أحادية السيطرة” الأمنية وتدشين مرحلة من “التعددية القطبية الأمنية” تحت مظلة الدولة.
ومع ذلك، تبرز فجوة عميقة بين هذا الانتشار الاستراتيجي وبين واقع السيطرة الفعلية على الأرض؛ إذ كشفت أحداث اقتحام قصر “معاشيق” الرئاسي الأخيرة عن هشاشة الترتيبات الجديدة أمام نفوذ القوى المدعومة من أبوظبي، مما يضع المدينة أمام مفارقة حادة: واجهة مؤسسية صاعدة يقابلها عمق فصائلي متجذر يرفض التراجع.
محاولة إعادة هندسة الميدان
بدأت ملامح الخارطة الأمنية الجديدة في عدن تتشكل من خلال تحركات “جراحية” تهدف إلى إعادة رسم خطوط النفوذ. وأفادت مصادر أمنية مطلعة لـ”يمن مونيتور” بأن قوات “درع الوطن”، بالتنسيق مع قوات “العمالقة الجنوبية” وقوات “الأمن الوطني” (الحزام الأمني سابقاً)، تسلمت بالفعل مداخل المدينة الحيوية وعدد من النقاط الأمنية الهامة داخل المديريات، مع تعزيز الوجود في مديريتي كريتر وخور مكسر.
هذا التمركز لم يكن عشوائياً، بل استهدف السيطرة على المنفذ الشرقي الذي يربط عدن بمحافظات أبين وشبوة وحضرموت وصولاً إلى الحدود العمانية والسعودية، والمنفذ الشمالي، للتحكم في شرايين الإمداد والتحرك الرئيسية الواصلة إلى العاصمة.
وفي تصريح لـ”يمن مونيتور”، وصف مسؤول حكومي رفيع في قصر “معاشيق” هذه التحركات بأنها “خطوة جراحية لكسر أحادية السيطرة التي فرضتها قوات الحزام الأمني لسنوات طويلة”. وأكد المسؤول أن هذا الانتشار يمثل أولوية قصوى لتأمين “المربع السيادي”، لاسيما بعد محاولات اقتحام القصر الرئاسي من قبل أنصار المجلس الانتقالي. وقد منحت هذه التوترات الغطاء السياسي لنشر قوات توصف بـ “المحايدة”، مثل قوات العمالقة التابعة لعضو مجلس القيادة عبد الرحمن المحرمي (أبو زرعة)، الذي يسعى لترسيخ نفسه قائداً للقوات الانفصالية بديلاً ل”عيدروس الزُبيدي” رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي (المنحل).
وتطمح القيادة العليا من خلال هذا التوزيع الجديد للمهام إلى تحويل عدن من مدينة “الفصائل” إلى مدينة “المؤسسات”. ويرتكز هذا التوجه، وفقاً للمصادر الحكومية، على فك الارتباط بين المهام الأمنية والولاءات الفرعية، وتكريس مفهوم “الأمن الاتحادي” المشترك.
ويوضح المسؤول الحكومي لـ “يمن مونيتور” أن الهدف ليس إقصاء طرف بعينه، بقدر ما هو إرساء قاعدة “توزيع القوة لضمان عدم انفراد أي فصيل بقرار العاصمة أو استخدام السلاح لفرض أجندات سياسية ضيقة”، في مرحلة يُفترض أن تسبق إخراج المعسكرات ودمج كافة الفصائل.
ويتضح من حديث المسؤولين اليمنيين في قصر معاشيق أو السلطة المحلية في عدن التردد في اعتبار إجرائهم إعادة هيكلة للوضع السابق وإخراج القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي في سياسة احتواء تديرها “غرفة العمليات المشتركة” في خطوة لإدارة الوضع السابق بدلاً من تغييره.
مظلة “العمليات المشتركة” في مواجهة “السيادة الفصائلية”
وتعتمد الاستراتيجية الأمنية الجديدة في عدن على تفعيل “غرفة العمليات المشتركة” كأداة مركزية لتوحيد القرار الميداني ومنع تضارب الصلاحيات. وتعمل هذه الغرفة تحت إشراف اللجنة الأمنية برئاسة محافظ عدن، وبالتنسيق مع وزارتي الدفاع والداخلية، لضمان انصهار القوات المتعددة (درع الوطن، العمالقة، والأمن الوطني) ضمن خطة موحدة تدير المرحلة القادمة.
ويرى مسؤول في وزارة الداخلية -تحدث لـ”يمن مونيتور”- أن هذا المسار الإداري يهدف لـ “تحويل التعدد العسكري من مصدر للاحتكاك إلى وسيلة للتكامل الدفاعي”. ومع ذلك، يصطدم هذا الطموح بما يُعرف بـ “عقدة السيادة الفصائلية”، حيث لا يزال الخطاب الميداني يعكس تفاوتاً حاداً في التفسير؛ فبينما يراها المسؤولون “إعادة تنظيم”، تصر قيادات في الأمن الوطني على أنها مجرد عملية “دعم ومساندة”، وهو تباين يشير إلى حساسية المرحلة وحاجة الأطراف لبناء ثقة متبادلة تتجاوز الحسابات الضيقة.
من جانبه، أكد وكيل محافظة عدن، عبد الرؤوف السقاف، أن هذه الترتيبات تبرهن على جدية الدولة في تمكين مؤسساتها، فيما أعلن وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، أن السلطة المحلية ماضية في إخراج المعسكرات بشكل تدريجي ومدروس.
ويشدد المسؤولون الذين تحدث لهم “يمن مونيتور” على أن نجاح “غرفة العمليات” يعتمد كلياً على قدرة الأطراف على التخلي عن مفهوم “السيادة الفصائلية” لصالح “السيادة الوطنية”، لضمان عدم بقاء أي قوة عسكرية داخل المدينة باستثناء الشرطة والأمن العام المعنيين بحماية المواطن.
وتحدث المسؤولون والمصادر شريطة عدم الكشف عن هويتها لأنهم غير مخولين بالحديث لوسائل الإعلام.
“معاشيق” كشاهد: حين تصطدم الترتيبات بواقع القوة
رغم الزخم المرافق لانتشار القوات الجديدة، كشفت أحداث اقتحام القصر الرئاسي معاشيق في 19 فبراير/شباط الجاري عن حجم التحكم والسيطرة الذي لا يزال المجلس الانتقالي يحتفظ به. وتكرر قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي الموجودة في عدن رفضها وجود الحكومة التي عقدت اجتماعها الأول في “معاشيق” صباح اليوم ذاته لمحاولة اقتحام القصر الرئاسي.
إن واقع السيطرة على الأرض يؤكد أن ما جرى عملياً لم يتجاوز “سياسة الاحتواء” دون حسم حقيقي للملف الأمني والعسكري. وقد اعتبرت هذه الأحداث نتيجة طبيعية لإبقاء نفس الوجوه في إدارة الملفات الحساسة، مما أتاح استمرار استخدام لغة الفوضى لمواجهة الحكومة.
وفي الوقت الذي تسعى فيه قوات “درع الوطن” والعمالقة لتثبيت نفوذها، يبرز التساؤل حول فاعلية هذه القوات في مواجهة التشكيلات المسلحة التابعة للانتقالي، مثل قوات العاصفة والدعم والإسناد والحزام الأمني.
ويشير الواقع الميداني إلى أن حضور “درع الوطن” لا يزال “رمزياً” في كثير من المواقع بما في ذلك مداخل العاصمة “عدن” على الرغم من حضورها هناك. بينما بقيت القيادات الأمنية والعسكرية السابقة على حالها دون تغيير جوهري في البنية القيادية أو العقائدية. حتى أن مدير قسم شرطة كريتر ظهر في الصفوف الأولى لمقتحمي معاشيق، مما يعكس استمرار الولاءات القديمة داخل الأجهزة الأمنية.
علاوة على ذلك، يواجه المسار الذي يقوده مستشار قوات التحالف، فلاح الشهراني، تحديات في ترجمة “خطة المراحل الثلاث” إلى خطوات ملموسة. فبينما يتم الحديث عن هيكلة الأمن وإخلاء المعسكرات، يظل الملف الأمني في عدن دون تغيير جوهري على مستوى تفكيك البنية التابعة للانتقالي.
تجلى هذا العجز عندما رفضت قوات “الحزام الأمني” تسليم نقاط “طوق عدن” لقوات درع الوطن-منذ وصولها إلى عدن في يناير/كانون الثاني الماضي- لتلجأ إلى طلب التنسيق ووجود رمزي للقوات الجديدة، مما أدى لبقائها دون تأثير يُذكر في مناطق التماس الحساسة، وخلق فراغاً في القرار والسيطرة استغلته قوى الانتقالي لإعادة ترتيب أوراقها وتنفيذ محاولاتها
لذلك فإن اقتحام معاشيق لم يكن حادثة معزولة، بل نتيجة طبيعية لمسار احتواء طويل، أتاح للإمارات والمجلس الانتقالي إعادة ترتيب أوراقهما ميدانياً، وفرض وقائع تتجاوز سقف الدولة، في لحظة كان يُفترض أن تُستعاد فيها عدن كعاصمة مؤقتة تحت احتكار مؤسساتها الرسمية للسلاح والقرار.
عدن أمام مفترق الطرق
تقف عدن اليوم أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما نجاح نموذج “التعددية المنسقة” الذي يقوده “درع الوطن” و”العمالقة” لترسيخ استقرار مستدام، أو اصطدام “طموحات التوسع” للقوات الجديدة مع “مخاوف الانحسار” للقوات السابقة، مما قد ينذر بجولات صراع مستترة.
ويبقى المؤشر الحقيقي للنجاح هو قدرة الحكومة على تحويل هذا الهدوء الأمني إلى مكاسب معيشية ملموسة، متمثلة في استقرار الكهرباء وانتظام الرواتب، كثمن سياسي لهذا التوازن الأمني الجديد. والرسالة الإقليمية هنا تبدو واضحة: “الأمن أولاً، كشرط لازم للتنمية والازدهار”.
The post أسوار “معاشيق” المحصنة بالوعود.. عدن “تعددية أمنية” فوق الورق و”أحادية” تحت الرماد appeared first on يمن مونيتور.