رمضان في الريف.. بين دفء الماضي وقسوة الحاضر
تقارير وتحليلات
منذ 9 ساعات
مشاركة

لم يعد رمضان في الريف اليمني كما كان قبل عقود، فبين أهازيج الاستقبال التي كانت تملأ القرى فرحا، ومجالس السمر التي تجمع الأهالي حول موائد بسيطة عامرة بالمحبة، يقف رمضان اليوم أمام واقع مختلف فرضه الحرب والأزمات الاقتصادية وتغير أنماط الحياة.

قديما، كان الشهر الفضيل مناسبة تبدأ استعداداتها منذ أيام شعبان الأولى، وتشارك فيها البيوت والطرقات والقلوب على حد سواء، أما اليوم، فقد تراجعت كثير من تلك الطقوس، لتبقى الذكريات حاضرة في وجدان كبار السن كشاهد حي على زمن كان فيه استقبال رمضان حدثا اجتماعيا استثنائيا لا يشبه أي موسم آخر.

مع تغير أنماط الحياة ودخول التكنولوجيا، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة، تبدلت ملامح رمضان في الريف، واختفت الكثير من العادات التي شكلت ذاكرة اجتماعية راسخة، ليقف رمضان اليوم بين ماض دافئ وحاضر مثقل بالتحديات.


مواضيع مقترحة


طقوس مفقودة

يقول عبد الله قحطان، إن القرى اليمنية كانت تبدأ باستقبال رمضان منذ منتصف شهر شعبان، من خلال إقامة حفلات وتجمعات في القرى، وحتى شراء ملابس جديدة، وتتخذ الاستعدادات طابعا روحيا، تحيى فيه الموالد النبوية وتعلو أصوات التهليل والتسبيح في ليلة الشعبانية”، التي تصادف الـ 15 من شهر شعبان.

ويضيف لـ “ريف اليمن”: معظم هذه المظاهر اختفت ولم يتبق الا القليل منها، وفي مناطق محدودة، بسبب الأوضاع الاقتصادية وهجرة الناس الى المدن، واغتراب آخرين، فضلا عن الأوضاع الاقتصادية التي تعد السبب الأول، فرب البيت بالكاد يوفر مصاريفه الأساسية”.

عبد الملك ابراهيم (60 عاما) هو الآخر يشير إلى أن الأوضاع المعيشية اليوم لم تعد كما كانت، موضحا أن تدهور الاقتصاد وارتفاع الأسعار جعلا كثيرا من الأسر عاجزة عن شراء احتياجات رمضان، حتى أصبح الشهر بالنسبة للبعض مصدر قلق بدلا من كونه موسما للفرح.

ومن مظاهر استقبال رمضان قديما، كانت النساء تقوم بأعمالهن في الأرياف كتنظيف الشوارع وأوعي الطبخ وترميم المنازل بخلب الطين وتغيير الأثاث من أماكنها وترتيبها وشراء (الملحة) وهي ما يصنع فيها (اللحوح) الأكلة الشعبية الرمضانية الشهيرة والتي تعتبر وجبة أساسية في رمضان.


قحطان:معظم المظاهر الرمضانية القديمة اختفت ولم يتبق الا القليل منها بسبب الأوضاع الاقتصادية وهجرة الناس الى المدن


استعدادات بنكهة الريف

تقول الحجة قبول 70 عاما بأنهن كن يستقبلن رمضان بالموالد والتواشيح وكانت النساء يقمن بصناعة ما يسمى (التِفال) من شجر النخيل وهي ما يجمع بداخلها اللحوح، كما يقمن بتجميع الحطب الكافي لاستخدامه خلال شهر رمضان.

وتضيف لـ “ريف اليمن”: كانت النساء يقمن بشراء أو ترميم (المأفي) وهو ما يصنع فيه الخبز والفطير وغيرها من الأكلات الشعبية المخصصة لهذا الشهر، وفي ليلة التسعة والعشرين من شعبان يخرج الناس لمراقبة الهلال في حين آخرون يستمعون للراديو (مذياع) للتأكد إن كان رمضان أو إتمام الثلاثين لشهر شعبان.

بحسب قبول تبدأ الأمهات في أواخر شعبان بالسماح للأطفال باللعب أثناء الليل فرمضان أصبح على الأبواب وهو مايعني حلول السلام والأمان، وكانوا يتنقلون بين الشوارع والبيوت وهم يرددون شعارات يستقبلون فيها رمضان كـ(مرحب مرحب يا رمضان..  يا مرحبا بك يا رمضان)”.

من مظاهر استقبال رمضان قديما التوجه نحو الزراعة، حيث يقول علي عبدالله 52 عاماً أن الناس كانوا يستقبلون رمضان استقبالا يليق به من حيث العادات والتقاليد والاستعداد التام من جميع النواحي حيث كانوا يقومون بزراعة الخضروات المطلوبة في شهر رمضان مثل الكراث والبقل والكوسا وغيرها من المزروعات.

تجمعات وزيارات

يضيف عبدالله لـ: ريف اليمن”:رمضان لم يكن موسما للعبادة فقط، بل موسما اجتماعيا واقتصاديا أيضا، إذ كان المغتربون يعودون إلى قراهم لقضاء الشهر بين الأهل، باعتباره شهرا للتجمع العائلي والزيارات وصلة الأرحام، ويتوقف كثير من الناس عن أعمالهم اليومية ليتفرغوا للعبادة والحياة الاجتماعية”.


عبدالملك:كان الناس يتسامرون أمام أبواب المنازل على ضوء القمر وصوت الراديو  فالتلفزيون كان يتواجد في منازل محدودة.


يتذكر  عادات ريفية جميلة غابت مع الزمن، من بينها التجمع في مجالس السمر، إضافة إلى عادة رمضانية تُعرف باسم “المُعشّي”، حيث تقام الذبائح والعزائم الجماعية وتتبادل العائلات الزيارات، فيأخذ الابن عائلته إلى بيت والده والعكس، ليتناول الجميع الإفطار سوياً.

ويقول:” كان الناس يتسامرون أمام أبواب المنازل على ضوء القمر ويعتلي صوت الراديو في المكان فهي تعتبر من الأشياء الضرورية والجميلة في شهر رمضان حيث انها تعمل على خلق النكهة المميزة للشهر الفضيل، من حيث الاستماع إلى البرامج الرمضانية ومسابقات القرآن الكريم وغيرها، فالتلفزيون كان يتواجد في منازل محدودة فقط.

أما التلفزيون فلم يكن متاحا في جميع المنازل – بحسب عبد الله – وكان من يملك تلفزيونا يشار له بالبنان ويتحول منزله إلى ساحة مفتوحة، والجميع يذهب الى منزله لمشاهدة البرامج الرمضانية، ويعود بعد انتهائها، ويكون ذلك بعد منتصف الليل، فالدنيا أمان، لافتا أنهم كانوا أحيانا يجمعون مبالغ مالية بسيطة دعما لمالك المنزل لشراء الوقود للماطور الخاص بالتلفاز.

تغيرات جذرية

مع التطور العمراني وانتشار المنازل الإسمنتية الحديثة، لم تعد النساء بحاجة إلى ترميم البيوت بالطين سنويا، والذي يتواجد الان – بحسب قبول – هو تصفيتها بالماء، كما اختفت صناعة “التِفال” المصنوعة من النخيل بسبب توفر الأدوات المنزلية الحديثة، وأصبح وجودها داخل المنزل من التراث بعد ان كانت قطعة أساسية في كل بيت.

كما أسهم التطور التكنولوجي والصناعي في إحداث نهضة كبيرة غيرت نمط الحياة بشكل كبير، ساهمت في اندثار عدد من العادات والتقاليد المرتبطة باستقبال رمضان، فالتلفزيونات أصبحت في كل بيت، فضلا عن التلفونات الحديثة وخدمة الانترنت.


أسهم التطور التكنولوجي في إحداث نهضة غيرت نمط الحياة وساهمت في اندثار عدد من العادات والتقاليد المرتبطة باستقبال رمضان


يقول هائل محمد أن انتشار التكنولوجيا وتداخل الثقافات أسهما في تراجع كثير من العادات والتقاليد القديمة التي لم تعد تمارس إلا في بعض المناطق الريفية غير أن العامل الأبرز في هذا التغير، بحسب قوله، هو الأزمة الاقتصادية الراهنة.

يضيف هائل لـ ” ريف اليمن”، “معظم العادات القديمة اندثرت لأسباب عدة، كموت كبار السن والتطور الحاصل، كما أن الوضع الاقتصادي الصعب أثر بشكل كبير جدا، فالكثير من الأسر أصبحت غير قادرة على شراء متطلبات رمضان بسبب الحرب وانقطاع المرتبات، وبالكاد يجدون ما يأكلون داخل المنزل”.

حضور بلا روح

ويوضح:” قديما كان الناس يتسامرون بالمجالس وأصواتهم والضحكات تملأ المكان، أما حاليا حتى وإن اجتمعوا فالحديث يبدأ اول ربع ساعة ثم كل واحد يفتح هاتفه المحمول ويغيب عن المكان روحيا ويحضر جسديا فقط”.

ياسمين مهيوب، تؤكد أنها لا تتابع التلفاز وإن تابعت فيكون للبرامج المسابقاتية فقط، ثم تنشغل مع جوالها وبرامج المراسلة الفورية، أما التسامر فأصبح غائبا، والقرى شبه خالية نتيجة سفر أغلب المواطنين إلى المدن، أو الى الخارج بحثا عن مصادر الزرق.

وتقول لـ”ريف اليمن”، لا نخرج من المنزل ليلا والزيارات أصبحت نادرة لأننا نتواصل بالهاتف بشكل شبه يومي مع الأهل والأقارب، وإن وجدت الزيارات فعادة ما تتم في آواخر الشهر، مشيرة أن الوضع الاقتصادي عامل حاسم بالأمر”.

ورغم تغيّر الظروف، ما تزال ذاكرة رمضان القديم حاضرة في وجدان كبار السن، شاهدة على زمنٍ كان فيه استقبال الشهر يبدأ بالبهجة وينتهي بالمحبة، في قرى احتفظت طويلاً بروحها الأصيلة وإن تغيّرت ملامحها مؤخرا.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية