رمضانُ الغياب في اليمن.. أسر المخفيين بين وعود الإفراج وتعثر التنفيذ! (تقرير خاص)
أهلي
منذ يومين
مشاركة

يمن مونيتور/ افتخار عبده

“هذا هو رمضان الحادي عشر الذي أعيشه مع أسرتي وجعًا في غياب زوجي، الذي اختطفه الحوثيون وأخفوه خلف القضبان دون أي ذنب”.

بهذه الكلمات افتتحت هناء عبدالله، زوجة أحد المختطفين، حديثها لـ”يمن مونيتور”، واصفةً سنواتٍ من الانتظار المثقل بالألم.

وتضيف: “في كل رمضان نرى الناس يستقبلونه بفرح، يستعدون له بالدعوات والأمنيات الجديدة، إلا نحن؛ ما زلنا نرفع الدعاء ذاته، ونعيش الوجع نفسه، ونحلم بالحلم نفسه الذي لم يتحقق بعد”.

ومع حلول شهر رمضان من كل عام، يتجدد الألم في بيوت المختطفين؛ فعند كل مائدة إفطار أو جلسة سمر، يظل مكان الغائب حاضرًا بفراغه، وتبقى القلوب معلّقة بصورة من اقتُلع من بين أهله، وتتداعى الذكريات إلى الأذهان كأنها سيوف تمضي فيما تبقى من صبرٍ وتحمل.

اتفاق بلا تنفيذ

هذا العام، تسلل بصيص أمل إلى قلوب الأسر بعد الإعلان، في 23 ديسمبر/كانون الأول 2025، عن صفقة تبادل للأسرى؛ فقد أعلنت الحكومة المعترف بها دوليًا وجماعة الحوثي توصلهما إلى اتفاق للإفراج عن 2900 محتجز، عقب مشاورات استمرت 12 يومًا برعاية الأمم المتحدة في العاصمة العُمانية مسقط.

ووفق ما أُعلن حينها، نصّ الاتفاق على إفراج الحوثيين عن 1200 محتجز، يتقدمهم السياسي محمد قحطان، إضافةً إلى سبعة سعوديين وعشرين سودانيًا، مقابل إفراج الحكومة عن 1700 محتجز.

غير أن هذا الاتفاق، رغم التوقيع عليه، لم يرَ طريقه إلى التنفيذ حتى الآن، وبقي حبرًا على ورق. ومع تعثر التنفيذ، بدأ الأمل الذي انتعش في صدور الأسر يتبدد تدريجيًا، وتراجعت الثقة التي كانت قد تولدت بإمكانية إغلاق هذا الملف الإنساني المؤلم، ليبقى رمضان هذا العام شاهدًا على استمرار المعاناة وانتظارٍ لا يبدو أن له نهاية قريبة.

وجع الغياب

وتابعت هناء حديثها لـ”يمن مونيتور”: “لا يشعر الناس بمرور السنين كما نشعر نحن نساء المختطفين؛ يمر علينا الزمن ثقيلًا، يرسم على وجوهنا علامات الشيب بشكل مخيف، ونحن ما نزال ننتظر مجهولًا وأملًا معلّقًا على أطراف بنان المسؤولين”.

ولفتت عبدالله إلى أنه في كل مرة يُسمح لها بزيارة زوجها داخل السجن، تعيش فرحًا لرؤيته ووجعًا كبيرًا لما هو فيه، لعجزها عن إخراجه؛ تسعد قبل ذهابها لرؤيته وتحزن كثيرًا بعد مغادرتها المكان.

وواصلت: “تعبنا ونحن نجري من سجن لآخر، كم هو مؤلم ذلك الشعور الذي تعيشه وأنت ترى حبيبك خلف القضبان، يكلمك أنه بخير ليشعرك بالأمان، ولكنك تشعر بحجم الوجع الذي هو فيه، وبحجم اشتياقه لشمس الحرية”.

وطالبت عبدالله الحكومة الشرعية بسرعة معالجة هذا الملف الإنساني حتى تعود البسمة لوجوه فقدتها لأكثر من عقد من الزمن، مناشدةً المنظمات الحقوقية الوقوف إلى جانب أسر المخفيين وإخراج أحبائهم من بين الزنازين.

مماطلة الحوثيين

في السياق، قال الناشط الحقوقي فائز صالح محمد، رئيس منظمة شهود لحقوق الإنسان، إن “تأخر الحسم في ملف الأسرى والمخفيين مرتبط بعوامل عدة، أبرزها المماطلة المستمرة من قبل جماعة الحوثي، والتي ترافقها حسابات سياسية على حساب الحقوق الإنسانية”.

وأضاف فائز في حديثه لـ”يمن مونيتور” أنه “من بين الأمثلة البارزة استمرار إخفاء السياسي محمد قحطان منذ أبريل 2015 وحتى الآن، رغم أن اسمه مشمول في قرار مجلس الأمن رقم 2216. وكذلك تقوم الجماعة باحتجاز مدنيين من منازلهم وأماكن عملهم، ثم تستخدمهم أوراق تفاوض ضد معتقلين على ذمة الحرب، وحتى ضد مقاتلين في جبهات القتال”.

ولفت إلى أن هذا السلوك يعقد ملف الأسرى ويزيد من معاناة الأسر، ويبرهن أن الملف الإنساني بالنسبة لجماعة الحوثي يُستغل كأداة للابتزاز السياسي، ولا يمتلك أي أولوية إنسانية.

وأوضح أن “رمضان بالنسبة لأسر المخفيين قسرًا ليس مجرد شهر للصيام والاحتفال، بل هو شهر الألم والانتظار؛ فبينما يجتمع الناس على موائد الإفطار، تعيش هذه الأسر صراع الغياب والقلق المستمر على أحبائها”.

وتابع: “يتضاعف الحنين، ويصبح الدعاء أداة أساسية للتواصل الروحي مع من اختفوا، بينما يبقى الأمل في الإفراج عنهم هو ما يخفف جزءًا من المعاناة، وهذه التجربة تعكس حجم الانتهاك النفسي والاجتماعي الذي تتعرض له الأسر جراء الإخفاء القسري لأهلها”.

وشدد فائز على ضرورة الفصل بين الملف الإنساني والاعتبارات السياسية، لأن حقوق الأسرى والمختطفين ليست محل مساومة؛ فحماية حياة المحتجزين، وضمان التواصل مع أسرهم، والإفراج عن المعتقلين تعسفيًا، يجب أن تكون أولوية إنسانية وقانونية قبل أي اعتبار سياسي.

ويرى فائز أن الفصل بين هذين الملفين سيسهم في بناء الثقة، وسيهيئ البيئة اللازمة لأي حلول سياسية شاملة، بل وسيؤكد على احترام الدولة والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

وأوضح أن الإخفاء القسري يُعد جريمة جسيمة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، ويُعتبر في اليمن انتهاكًا صارخًا للحقوق الأساسية للمواطنين؛ فالقانون الدولي يصف الإخفاء القسري بأنه انتهاك للكرامة الإنسانية، وقد يرتقي إلى جريمة ضد الإنسانية إذا اتسعت ممارسته أو اتخذت طابعًا منهجيًا.

وأكد أن مسؤولية الكشف عن مصير الضحايا ومحاسبة المتورطين تقع على عاتق الجهات القائمة بالاحتجاز، ولا يجوز لأي اعتبار سياسي أو تفاوضي أن يُلغي هذه المسؤولية القانونية والأخلاقية.

وأشار فائز، بأسف، إلى أن اليمن لم تصادق حتى الآن على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2010، داعيًا الحكومة الشرعية الجديدة، ممثلةً بوزارة حقوق الإنسان، إلى الإسراع في المصادقة عليها.

كما خصّ بالمطالبة وزير حقوق الإنسان مشدل محمد عمر، ووزيرة الشؤون القانونية إشراق المقطري، بضرورة إيلاء هذا الملف أولوية قصوى، بما يضمن حماية المدنيين، ووضع حد لمعاناة الأسر، وتحقيق العدالة للضحايا والمختفين قسرًا.

مطالبة بكشف مصير المخفيين بعدن

وفي السادس عشر من فبراير الجاري، نفذت رابطة أمهات المختطفين في عدن وقفة احتجاجية أمام قصر معاشيق للمطالبة بالكشف عن مصير المخفيين قسرًا، قبل أن تلتقي عضو مجلس القيادة الرئاسي اللواء محمود الصبيحي، بحضور رئيس شعبة السجون ناصر الصبيحي.

وخلال اللقاء، سلّمت الرابطة كشفًا بأسماء المخفيين، مطالبةً بتنفيذ التوجيهات الرئاسية الأخيرة بجدية، وإنهاء هذا الملف الإنساني.

وأوضحت الرابطة أنها لجأت للواء الصبيحي بعد مراجعة جهات رسمية عدة، داعيةً إلى تنسيق حكومي أوسع ومحاسبة المتورطين في الإخفاء والتعذيب، معبّرةً عن مخاوفها في ظل ما يُتداول بشأن سجون سرية وظهور بعض المخفيين، مؤكدة استمرارها في النضال السلمي حتى إطلاق سراح جميع المختطفين وجعل القضية أولوية وطنية.

بدورها، قالت سهام أحمد محمد قاسم، شقيقة المخفي قسرًا زكريا أحمد محمد قاسم، إن “أسر المخفيين والمعتقلين تعسفًا في عدن سعدت بعودة الدولة إلى العاصمة المؤقتة، لكن هذا الفرح اختلط بقلق عميق على مصير المخفيين قسرًا في السجون السرية، في ظل استمرار تعثر هذا الملف الإنساني وعجز الجهات المعنية عن كشف مصير الضحايا وإظهارهم”.

وأضافت لـ”يمن مونيتور”: “استبشرنا خيرًا بقرار رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي بإغلاق السجون السرية وإطلاق سراح المخفيين قسرًا، وتمنينا أن يأتي رمضان وأحبابنا معنا يشاركوننا هذا الشهر الكريم، وتكتمل فرحتنا بعودتهم، لكن القرار ظل دون أي نتائج حقيقية، وما تم فقط هو نزول شكلي إلى السجون الرسمية للإعلان أنه لا يوجد أي مخفيين”.

وتساءلت سهام: “أين المخفيون قسرًا؟ وما مصيرهم؟ ولماذا لم تُفتح تحقيقات جادة تُفضي إلى مساءلة ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الاختطاف والإخفاء، وتقديم إجابات واضحة لأسر الضحايا؟”.

ودعت قاسم رئيس مجلس القيادة الرئاسي وكافة مسؤولي الدولة إلى الكشف العاجل عن مصير المخفيين قسرًا، وإطلاق سراحهم، ومنح هذا الملف أولوية من الاهتمام والمتابعة، مع محاسبة كل من تورط في اختطافهم وإخفائهم خلال السنوات الماضية، وتقديمهم للعدالة، وبسط سيادة الدولة ومنع أي ممارسات احتجاز أو إخفاء خارج إطار القانون.

كما عبّرت عن استمرارها وأسر المخفيين في متابعة القضية والبحث عن ذويهم، داعيةً جميع الجهات المعنية إلى الاضطلاع بمسؤولياتها لنصرة المخفيين والعمل الجاد على إطلاق سراحهم.

 

The post رمضانُ الغياب في اليمن.. أسر المخفيين بين وعود الإفراج وتعثر التنفيذ! (تقرير خاص) appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية