كشف تقرير نشره موقع Intelligence Online الفرنسي المتخصص في الشؤون الاستخباراتية عن ملامح منظومة أمنية جديدة تعمل على توسيع الرقابة المجتمعية في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، عبر إعادة تنظيم شبكات محلية داخل الأحياء.
وبحسب التقرير، فإن المشروع لا يقتصر على تعزيز الدور الأمني التقليدي، بل يتجه نحو بناء شبكة معلومات ميدانية واسعة، تجمع البيانات حول السكان والأنشطة المجتمعية، وتقدم تقارير منتظمة للسلطات، ضمن منظومة رقابة منظمة تغطي الأحياء المختلفة.
كما تظهر الوثائق أن الخطة تمتد لتشمل متابعة الأجانب والعاملين في المنظمات الدولية، إلى جانب رصد المزاج العام داخل المجتمع المحلي، ما يشير إلى توجه متزايد لدى مليشيا الحوثي لدمج الأمن المجتمعي بالاستخبارات المحلية في إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها.
ويأتي هذا التحرك في ظل تصاعد المخاوف الأمنية لدى سلطات المليشيا في صنعاء، خصوصًا مع الحديث عن تهديدات خارجية واحتمالات اختراق استخباراتي، ما دفعها إلى البحث عن أدوات أكثر انتشارًا داخل المجتمع لضمان متابعة التحركات والنشاطات المحلية بصورة دقيقة.
شبكة المراقبة المجتمعية
وفقًا لما أورده التقرير، يعتمد الحوثيون على ما يسمى "شرطة الأحياء"، حيث يُعيَّن مشرف أمني لكل حارة وزقاق، ولا تقتصر مهمته على الإدارة أو التنسيق، بل تشمل رصد التحركات ومراقبة المواطنين والأجانب، خصوصًا العاملين في المنظمات الدولية والإغاثية.
وأظهرت وثائق سرية حصل عليها موقع "إنتيليجنس أونلاين" إنشاء منظومة أمنية محلية تغطي الأحياء السكنية، تقوم على تطوير شبكة "عُقّال الحارات" التقليدية وتحويلها إلى جهاز منظم يعمل بشكل مباشر إلى جانب أجهزة مليشيا الحوثي الأمنية.
وبحسب الوثائق، فإن هذه الخطوة تأتي في سياق سعي المليشيا لتعزيز قبضتها الأمنية داخل العاصمة والمناطق الخاضعة لسيطرتها، عبر آليات مراقبة مجتمعية منظمة، تتيح متابعة تحركات السكان والأنشطة المحلية بشكل أكثر دقة وانتظامًا.
واعتبر مراقبون أن المشروع يعكس حالة من القلق الأمني داخل سلطة المليشيا، مع تصاعد الحديث عن تهديدات خارجية واحتمالات عمليات عسكرية معادية، ما دفعها لتوسيع أدوات الرقابة المجتمعية وتعزيز شبكات الرصد داخل الأحياء.
دولة داخل الدولة
قبل سيطرة مليشيا الحوثي على صنعاء، كان عُقّال الحارات يمثلون حلقة وصل بين السكان والسلطات المحلية، حيث يُختارون من قبل الأهالي ثم تعتمدهم الإدارة المحلية، ويتولون متابعة القضايا الأمنية والخدمية داخل مناطقهم السكنية.
التقرير يكشف أن الحوثيين قرروا إعادة تفعيل هذه الشبكة وتوسيع نطاقها، ليس فقط لإدارة الشؤون المحلية، بل لتحويلها إلى جزء من منظومة أمنية منظمة تعمل بالتنسيق المباشر مع السلطات لتعزيز السيطرة على المجتمع المحلي.
كما تتضمن الخطة تشجيع التعاون بين المليشيا والعُقّال، بحيث يعمل الطرفان معًا في متابعة القضايا الأمنية وجمع المعلومات داخل الأحياء، بما يخلق شبكة رقابة اجتماعية مستمرة تغطي مختلف المناطق الواقعة تحت سيطرة المليشيا.
وفي سياق متصل، قال باحث يمني في شؤون الجماعات المسلحة، فضل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية لموقع الصحوة نت، إن هذا النموذج يعيد إنتاج فكرة الدولة داخل الدولة، لكنه يعتمد على تفكيك المجتمع إلى مربعات صغيرة يسهل ضبطها والتحكم بها.
وأضاف الباحث أن خطورة النموذج تكمن في تحويل العلاقات الاجتماعية نفسها إلى مصدر معلومات، بحيث يصبح الجار عينًا على جاره، وصاحب المتجر مراقبًا لزبائنه، ما يخلق بيئة رقابية تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية للسكان.
مهام استخباراتية
تشدد الوثائق، التي حصل عليها الموقع الفرنسي، على ضرورة تحفيز عُقّال الحارات للمساعدة في عمليات القبض على المطلوبين، والعمل مع سلطات المليشيا للسيطرة على المجتمع، مع إلزامهم بالإبلاغ عن أي أفراد أو جماعات قد يُنظر إليها كتهديد لسلطة الجماعة.
وتنص الخطة أيضًا على إنشاء قاعدة بيانات واسعة تشمل الأنشطة المجتمعية والفعاليات المحلية، إضافة إلى تسجيل أسماء المشاركين فيها، بما يسمح لسلطات مليشيا الحوثي بمتابعة النشاط الاجتماعي ورصد أي تحركات قد تعتبرها مثيرة للريبة.
كما يُطلب من العُقّال جمع معلومات حول الأشخاص الذين تصنفهم سلطات المليشيا على أنهم خطر محتمل أو مطلوبون أمنيًا، وإعداد تقارير دورية بشأنهم، ما يعزز دور هذه الشبكة باعتبارها أداة معلوماتية ميدانية مرتبطة بالأجهزة الأمنية.
وتشير الوثائق إلى أن هذه القوة قد تُكلّف بإجراء تحقيقات وجمع بيانات لصالح مليشيا الحوثي، إلى جانب دور آخر يتمثل في قياس مستوى رضا السكان أو غضبهم من المشاريع والخدمات التي تنفذها السلطات داخل الأحياء المختلفة.
مراقبة الأجانب
من بين الإجراءات اللافتة التي كشفها التقرير، تكليف القوة الحوثية الجديدة بمراقبة أقسام الشرطة المسؤولة عن تسجيل المقيمين الأجانب، في خطوة يُعتقد أنها تهدف إلى منع أي تواطؤ محتمل بين بعض الضباط وأطراف يُشتبه بأنها تعمل لصالح جهات استخباراتية.
وتدعو الوثائق أيضًا إلى إنشاء قاعدة بيانات تفصيلية تضم أسماء المستأجرين الأجانب في الأحياء، مع تحديد المناطق التي يقيمون فيها وعناوين المنازل التي يستأجرونها، بما يسمح للمليشيا بتتبع تحركاتهم داخل العاصمة وبقية المناطق الخاضعة لها.
كما أصدرت ما تسمى وزارة الداخلية التابعة للمليشيا تعليمات للعُقّال، بالتنسيق مع مصلحة الهجرة والجوازات، لمراقبة الأجانب المقيمين في صنعاء والمحافظات الواقعة تحت سيطرة المليشيا، خصوصًا العاملين في المنظمات غير الحكومية، مع تقديم تقارير يومية ودورية حولهم.
وتشمل المهام كذلك تنفيذ دوريات ليلية داخل الأحياء، ومراقبة حراس الأمن في المنشآت العامة والخاصة، وتحليل تقارير الحراسة الليلية، إضافة إلى الإبلاغ عن أي نشاط غير اعتيادي، مثل أعمال البناء غير المسجلة أو التحركات التي تثير الشبهات.
أخبار ذات صلة.