يمن مونيتور/ من عميد المهيوبي
بعد إعلان تمرده على الشرعية، دخل رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزُبيدي، مرحلة من الغياب السياسي، ما أثار تساؤلات واسعة حول مستقبله ومستقبل المشروع الذي قاده بدعم إقليمي، قبل أن يتحول إلى أحد أكثر الملفات تعقيدًا في المشهد اليمني.
برز الزُبيدي سياسيًا عقب إقالته من منصب محافظ عدن عام 2017، ليؤسس المجلس الانتقالي الجنوبي ككيان يرفع شعار استعادة الدولة الجنوبية، مستندًا إلى دعم سياسي وعسكري إماراتي، شمل تشكيل قوات أمنية وعسكرية خارج إطار مؤسسات الدولة.
في عام 2019، قاد الزُبيدي تمردًا مسلحًا في عدن ضد قوات الحماية الرئاسية بدعم جوي إماراتي، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى وتدمير معدات عسكرية وطبية، في واحدة من أكثر المواجهات دموية داخل المدن اليمنية.
ورغم تعيينه نائبًا لرئيس مجلس القيادة الرئاسي في 2022 ضمن مساعٍ لاحتواء نفوذه، استمرت ازدواجية السلطة، وصولًا إلى إطلاقه عملية عسكرية واسعة في المحافظات الشرقية أواخر 2025، ما أثار توترًا إقليميًا ودفع القيادة الرئاسية لاتخاذ قرارات سياسية وعسكرية حاسمة، أعقبها دعوة السعودية إلى مؤتمر حوار جنوبي–جنوبي.
ورغم إعلانه المشاركة، غادر الزُبيدي عدن إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، دون أن يسجل أي حضور مرئي منذ يناير الماضي، مكتفيًا ببيانات مكتوبة عبر صفحته في فيسبوك، ما أثار جدلًا في الأوساط الشعبية والسياسية بشأن دلالات هذا الغياب وتوقيته.
تداعيات اختفاء الزُبيدي
يرى الكاتب السياسي عبدالقادر الجنيد أن اختفاء الزُبيدي عن المشهد يعكس مأزقًا متقدمًا لرجل “صعد إلى سقف سياسي مرتفع”، يصعب عليه التراجع عنه دون خسارة رمزية ومعنوية كبيرة، مشيرًا إلى أن أي ظهور من خارج الداخل اليمني، خصوصًا من الإمارات، قد يضعف صورته ويجعله عرضة لانتقادات خصومه.
ويؤكد الجنيد في تصريح خاص لـ”يمن مونيتور” أن ثقل الزُبيدي الحقيقي يستند إلى قاعدته في محافظة الضالع، التي راكمت نفوذًا عسكريًا وتنظيميًا خلال السنوات الماضية بدعم إقليمي، إلا أن هذا النفوذ يواجه اليوم تحديات داخلية وخارجية، خاصة بعد تداعيات العمليات العسكرية الأخيرة التي أثرت على موقعه السياسي وأربكت علاقته بحاضنته الاجتماعية.
وبحسب الجنيد، فإن تغييب الزُبيدي ينعكس على الشارع الجنوبي بخلق حالة من الفراغ القيادي والارتباك بشأن مستقبل القضية الجنوبية، في وقت تسعى فيه أطراف إقليمية، وعلى رأسها السعودية، إلى إعادة ضبط المشهد عبر أدوات سياسية مثل الحوار الجنوبي–الجنوبي، بهدف تقليص نفوذ القوة العسكرية وإعادة توجيه الصراع نحو مسارات سياسية.
ويرجح أن امتناع الإمارات عن السماح بظهوره الإعلامي قد يرتبط بحسابات تتعلق بإدارة صورته وتوقيت عودته المحتملة، ضمن استراتيجية تحفظ أوراق النفوذ دون خسائر مباشرة، مشيرًا إلى أن شعبيته لم تعد بالزخم السابق، وأصبحت محكومة بعوامل الدعم المالي والتنظيمي أكثر من كونها تعبيرًا عن تأييد شعبي مستقل.
غياب تحكمه اعتبارات أمنية
فتح غياب الزُبيدي الباب أمام تأويلات متعددة، من بينها إعادة ترتيب إقليمي للأوراق، أو تحميله مسؤولية إخفاقات أمنية وسياسية، أو حتى التخلي عنه لصالح بدائل أكثر قابلية للضبط.
الكاتب والناشط الجنوبي ناصر المشارع قال لـ”يمن مونيتور” إن غياب رئيس المجلس الانتقالي تحكمه اعتبارات أمنية وسياسية، في ظل ما يتداول عن ضغوط وملاحقة سعودية عقب أحداث حضرموت وانسحاب قوات الانتقالي من عدن، وما تبع ذلك من هجمات عسكرية وطلعات للطيران المسيّر التابع للمملكة في عدد من المناطق الجنوبية.
وأوضح المشارع أن توصيف الحالة على أنها غياب لدور الزُبيدي قد لا يكون دقيقًا، مشيرًا إلى أنه لا يزال قادرًا على تحريك قاعدته الشعبية، ويتجلى ذلك – بحسب قوله – في خروج حشود كبيرة في عدد من المحافظات الجنوبية، بينها محافظات الشرق وسقطرى، بما يعكس استمرار حضوره السياسي رغم غيابه العلني.
وبشأن اكتفائه بالبيانات المكتوبة دون الظهور المرئي، أرجع المشارع ذلك إلى دوافع أمنية ورغبة في تجنب التصعيد مع السعودية، معتبرًا أن أي خطاب مباشر قد يفرض على الزُبيدي مواقف تصعيدية أو خيارات سياسية وعسكرية معقدة، من شأنها توسيع دائرة التوتر وإغلاق قنوات التواصل الإقليمي.
وأشار إلى أن الغموض المحيط بوضع الزُبيدي، وما يُتداول عن ضغوط سعودية لإبعاده، انعكس – وفق رأيه – إيجابًا على صورته، إذ أسهم في تعزيز رمزيته لدى أنصاره، مؤكدًا أن قاعدته الشعبية لا تزال متمسكة به، ولا تبدي مخاوف كبيرة من غيابه في ظل رسوخ القضية الجنوبية في الوعي العام.
وأضاف أن الشارع الجنوبي لا يمارس ضغطًا واسعًا للكشف عن موقعه، انطلاقًا من قناعة لدى البعض بأنه لا يزال داخل البلاد، وأن غيابه المؤقت قد يخدم مسار الحوار الجنوبي–الجنوبي، ويمنح القضية الجنوبية فرصة أفضل في أي تسوية سياسية قادمة.
مطالبات بكشف مصيره
سُجل أول ظهور منسوب للزُبيدي منذ يناير 2026 عبر مكالمة صوتية بُثت خلال اجتماع لإحدى القبائل الموالية له في 12 فبراير الجاري، غير أن التسجيل لم يبدد الجدل حول مصيره، بل أعاد طرح الأسئلة بشأن حقيقة وضعه.
ومن بين أبرز المشككين في التسجيل السياسي الجنوبي خالد سلمان، الذي أكد في منشورات على صفحته في “فيسبوك” أن المقطع لم يُزل علامات الاستفهام، ولم يجب عن الأسئلة المتعلقة بملابسات الغياب.
وأشار سلمان إلى أن تقنيات المونتاج تتيح تجميع عبارات من خطابات سابقة وإعادة تركيبها، لافتًا إلى أن التسجيل خلا من إشارات مباشرة إلى أحداث سياسية راهنة يمكن أن تثبت حداثته، مثل تطورات الحكومة أو طبيعة الموقف من السعودية.
وفي منشور آخر، عشية الذكرى الخامسة عشرة لثورة الحادي عشر من فبراير، علّق سلمان على بيان سياسي صدر باسم الزُبيدي بالقول إن “الشارع لا يحتاج إلى بيانات صادرة من مطابخ إعلامية، بل إلى ظهور بصوته وصورته”، معتبرًا أن إثبات الحضور يتطلب التفاعل المباشر مع الوقائع السياسية الراهنة.
وحذر من أن استمرار الغموض سيُبقي الزُبيدي في دائرة التكهنات، سواء تعلق الأمر بإقامة جبرية أو اعتقال أو غير ذلك، متسائلًا عن الأسباب التي تحول دون تسجيل رسالة مرئية مباشرة تحسم الجدل القائم.
The post مطابخ إعلامية أم واقع سياسي؟.. بيانات الزُبيدي المكتوبة تفشل في إقناع الشارع الجنوبي appeared first on يمن مونيتور.