أشجار “الضبر المعمرة” وجود يتحدى الانقراض
تقارير وتحليلات
منذ 4 ساعات
مشاركة

على امتداد الطرق الرئيسية التي تشق السهول الجبلية وصولا إلى أعماق الأرياف التهامية غربي اليمن، ترافق الزائر واحة بيئية غنية ومتنوعة من الأشجار والنباتات، من بينها أشجار الضبر والسدر وغيرها، في مشهد يعكس طبيعة زراعية أصيلة تستند إلى إرث تراثي وإنساني عريق يمتد لمئات السنين.

هذه اللوحة الطبيعية بدأت تفقد بعض ملامحها، إذ كشفت عمليات البحث والزيارات الميدانية التي أجراها معدّ التقرير عن تراجع مقلق في أعداد وأحجام أشجار الضبر المعمرة، وهي أشجار تحتاج إلى فترات زمنية طويلة للنمو.

يشكل هذا التراجع تهديدا مباشرا للتنوع البيولوجي والزراعي، ولسبل عيش السكان المحليين الذين يعتمدون عليها في تغذية بعض المواشي ودعم المناحل، ولا تزال بعض الأسر في القرى التهامية تحاول الحفاظ على ما تبقى من هذه الأشجار، في مساع فردية لمواجهة خطر اندثارها.


مواضيع مقترحة


يقول الباحث الزراعي حسن زايد، وهو أحد أبناء تهامة، في حديثه لـ”ريف اليمن”، إن شجرة الضبر تنتج بذورا وثمارا صالحة للأكل تجمع عادة للبيع في الأسواق المحلية.

لافتا أن هذه الأشجار تستخدم أيضا للزينة في المنازل كونها توفر مساحة واسعة من الظل، وتتميز بقدرتها على تحمل الظروف المناخية القاسية، ولا تتأثر بشكل كبير بتأخر هطول الأمطار يمنحها قيمة غذائية وشعبية محلية تستحق الدعم والإسناد.

رحلتنا في السهول الجبلية القريبة من تهامة قادتنا إلى جملة من التساؤلات حول تأثر سكان المناطق التهامية بالتغير المناخي، وكيف يمكن للمزارعين الحفاظ على هذه الأشجار في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي يشهدها العالم؟

بنظرة فاحصة إلى هذه الأشجار، سعينا إلى جمع معلومات حول أهميتها الزراعية والاقتصادية، نظرا لدورها الحيوي في الحفاظ على التوازن البيئي، وما توفره من غذاء للإنسان والمواشي، فضلا عن دورها في توفير الظل لسكان القرى والمناطق الريفية التي تشتهر بارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، كما أنها تعتبر مصدر مهما للأخشاب والحطب الذي يستخدم كثيرا في الأرياف اليمنية كبديل للغاز المنزلي.

التوصيف العلمي

تنمو أشجار الضبر بشكل أساسي في المناطق الصحراوية والجافة، وهي أشجار دائمة الخضرة ومتفرعة، يتراوح ارتفاعها ما بين 4 إلى 7 أمتار، وتتميز بقدرتها على التكيف مع التغيرات المناخية القاسية ولا تتأثر بتأخر مواسم هطول الأمطار.

كما أن للضبر أزهار صغيرة وبيضاء اللون، فيما تكون بذورها بيضاء مغطاة بقشرة حمراء لزجة، وتُطهى وتؤكل في العديد من المناطق التهامية، في حين تؤكل نيئة في مناطق أخرى فور قطفها من الشجرة.

يشير خالد مكي وهو مواطن لديه شجر ضبر في منزله إلى أن التغير المناخي أثر على الكثير من الأشجار المعمرة في تهامة وأن الجفاف وانعدام مادة الغاز دفع بعض السكان إلى قطع أشجار الضبر وبيعها لاستخدامها كحطب، نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة، متجاهلين السنوات الطويلة التي تحتاجها الشجرة لتنمو من جديد، ما جعل الحفاظ عليها يمثل تحديا حقيقيا.

يجلس خالد بجوار جذع شجرة ضبر ورث العناية بها عن والده وجده، اللذين أوصياه بالحفاظ عليها وحمايتها من أي عوامل قد تؤثر على نموها، ورغم انحصارها داخل فناء المنزل، تظل الشجرة خضراء على مدار العام، وأشار إلى أن أطفال القرية يجتمعون حولها خلال موسم الجني للحصول على ثمارها.

الحلول وسبل الحماية

يشير مختصون إلى أن تكثير شجرة الضبر يمكن أن يتم عبر نثر بذورها مباشرة بعد استخراجها، ويفضل أن يكون ذلك قبل موسم هطول الأمطار، وعلى الرغم من أن الشجرة بطيئة النمو، إلا أنها تصبح شديدة التحمل بمجرد اكتمال نموها.

تنبت البذور الطازجة، في حال توفرت الظروف المناسبة، خلال فترة تتراوح بين 40 و60 يومًا، ويُنصح بزراعتها في المناطق الجافة، ويفضّل أن تكون التربة طينية مالحة أو ثقيلة أو جيرية، ما يعزز فرص بقائها واستدامتها.

في جولة سريعة بالمنطقة، تحدثنا مع الكثير من كبار السن عن أسباب تناقص أعداد أشجار “الضبر”، والتي أوعز الكثير منهم ذلك إلى أن مشكلة التوسع العمراني تسببت بحالة من عمليات التدمير التي طالت العديد من الأشجار المعمرة في مناطق تهامة، في ظل غياب الرؤية الواضحة للمحافظة على هذا النوع من الأشجار.


تنمو أشجار الضبر في المناطق الصحراوية ويتراوح ارتفاعها ما بين 4 إلى 7 أمتار، وتتميز بقدرتها على التكيف مع التغيرات المناخية القاسية


يوضح السكان المحليون في عدد من قرى عزلة الدانعي بمحافظة حجة، ومنها دير الضبري والمسلام، أن شجرة الضبر تعد من الأشجار ذات الأهمية الكبيرة للحيوانات، وخصوصا الإبل، ويؤكد الأهالي أن هذا النبات يُستخدم كعلف جيد، ويعرف بكونه مكملا طبيعيًا للمعادن التي تحتاجها الإبل، ما يمنحه قيمة عالية.

ويحظى نبات الضبر بتقدير واسع لدى السكان المحليين، باعتباره مصدرًا مهمًا للغذاء وعلفًا للماشية، إضافة إلى قدرته العالية على التكيف مع البيئة المحلية القاسية، غير أن الرعاة يشيرون إلى وجود مشكلات حرجة تهدد بقاء هذا النبات القيم، من بينها تراجع أعدادها بشكل لافت.

يؤكد الأهالي أن ما تبقى حاليًا يقتصر في الغالب على الأشجار القديمة، في حين لا تشاهد أجيال جديدة أو شتلات صغيرة من نبات الضبر، وهو ما يعد مؤشرا خطيرا على أن هذا النبات بات مهددا بالانقراض بشكل شديد، ويحذر السكان من أن اختفاء الضبر خلال المستقبل القريب قد يصبح أمرا حتميا، ما لم تتخذ إجراءات عاجلة للحفاظ عليه وإعادة تكاثره.

غذاء متنوع

وبسؤال المزارع يحيى عبدالله، عن أهمية أشجار الضبر، أجاب”: كانت من أهم النباتات التي توفر مأوى للطيور المهاجرة والكبيرة والتي كانت لا تتواجد إلا لفترات زمنية مؤقتة، كما أن الكثير من الأسر اعتمدت عليها في رعي الأغنام والمواشي خصوصا خلال فترات القحط أو أثناء انحسار الغطاء النباتي نتيجة لقلة هطول مياه الأمطار.

وأضاف لـ”ريف اليمن” كنا نعتمد عليها كثيرا حتى في أثناء خروجنا لرعي الأغنام كانت تمثل أشجار ظل مميزة وكنا لا نعود للمنازل، بل نعتبرها مكانا للاستراحة من وقت صلاة الظهر حتى العصر لنعود مرة أخرى لرعي المواشي، كما كنا نجمع منها الثمار (المصع) والبعض يطلق عليها “فاكهة البادية”، ونقوم بأكلها وهي تحتوي على مادة حمراء تخفف الشعور بالعطش، وكثيرا ما كنا نقوم بطباخة البذور ونعتبرها طعاما و مكملا غذائيا.

خلال الحديث، أشار إبراهيم عبدالرحمن سبتان، الذي يعمل في تربية النحل، إلى أن أشجار الضبر تمثل موردا مهما في تربية النحل، إذ تتميز أزهارها بأنها مريحة للنحل وخفيفة عليه؛ لأنها تزهر بعد شجرة السلم، التي تنمو في شدة الحر ويكون رحيقها مرهقا للنحل الضعيف ما يؤدي أحيانا إلى إنهاكه ونقص أعداده.

متذكرا أن والده كان يكلفه بنقل المناحل إلى مناطق انتشار أشجار الضبر، ليستعيد النحل نشاطه وحيويته، وتنتعش الخلايا بإنتاج نحل جديد، لتزداد قوتها وتصبح مهيأة لإنتاج ملكات جديدة، ما يبرز الأهمية البيئية والاقتصادية لهذا النوع من الأشجار في دعم منظومة تربية النحل.

حلول ومعالجات

المهتم بالشأن الزراعي صالح المري، قال إن عملية انحسار أشجار الضبر عائد إلى عمليات القطع العشوائي من أجل استخدامه في عمليات التحطيب، وأن ما شجع هذه الطرق هي غياب رقابة ومتابعة الجهات المعنية بالحفاظ على البيئة والهيئات الزراعية.

لا تزال عدد من المناطق في محافظة الحديدة، من بينها الزهرة والضحي والكدن وباجل، وعلى وجه الخصوص قاع الجريزي، تحتفظ بأعداد ملحوظة من أشجار الضبر. كما تمتد هذه الأشجار إلى مناطق أخرى تتبع محافظة المحويت، أبرزها منطقة الخبت والمناطق المجاورة لها.

يؤكد مزارعون محليون أن قاع الجريزي بمديرية باجل يتميز بانتشار كثيف لأشجار الضبر مقارنة ببقية المناطق، وفي هذا السياق، أوضح المزارع أحمد الزيلعي، أن عدم زيادة أعداد هذه الأشجار يعود إلى جملة من التحديات، أبرزها قيام الحيوانات بإتلاف عدد من الشتلات الصغيرة.

وطالب الزيلعي الجهات الرسمية بالتدخل العاجل لحماية أشجار الضبر، والحد من الممارسات السلبية التي تتعرض لها، وعلى رأسها الاحتطاب الجائر، لما لذلك من أثر مباشر في تراجع انتشارها وتهديد استدامتها.

سن قوانين وتشريعات

ويرى الباحث حسن زايد الدانعي، أنه لضمان عملية الاستدامة لمثل هذه الأنواع يتطلب التوعية المجتمعية بأهميتها الغذائية والاقتصادية، مع الدعوة لسن القوانين والتشريعات التي تحمي مثل هذه الأنواع من الأشجار وتفعيل الرقابة واتخاذ الإجراءات اللازمة حيال ذلك.

وقال إنه يمتلك خطة بحثية للعمل على إنشاء عدد من المشاتل القروية، في خطوة مهمة للحفاظ على استدامة هذه الأشجار، إلى جانب تركيز الأبحاث العلمية المختصة للاستفادة أكثر منها.

تشير البيانات الزراعية إلى أن شجرة الضبر تتميز بسهولة زراعتها وإكثارها بالبذور، وقدرتها العالية على التكيف مع مختلف أنواع التربة، بما فيها الصخرية والرملية، فضلًا عن تحمّلها للجفاف ودرجات الحرارة المرتفعة.

وكما كانت تستخدم قديما كمعلم بارز للمسافرين والتجار على طول الطرق التجارية القديمة في اليمن، لا تزال شجرة الضبر تمثل منارة طبيعية تساعد على تحديد المسارات في الصحراء، وشاهدًا حيًا على ارتباط الإنسان ببيئته.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية