(بيروت) – قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن الولايات المتحدة نقلت 5,700 معتقلا بتهمة الانتماء المزعوم إلى "داعش" من شمال شرق سوريا إلى العراق، حيث يواجهون خطر الإخفاء القسري، والمحاكمات الجائرة، والتعذيب، وسوء المعاملة، وانتهاكات الحق في الحياة.
بدأت الولايات المتحدة نقل المعتقلين، ومنهم سوريون وعراقيون ومواطنون من دول ثالثة، في 21 يناير/كانون الثاني 2026، وسط هجوم عسكري تشنه الحكومة السورية لانتزاع السيطرة على شمال شرق سوريا من "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) بقيادة الأكراد. نفذت الولايات المتحدة رحلات النقل في إطار عملية "العزم الصلب" العسكرية، التي تندرج تحتها عمليات مكافحة الإرهاب في المنطقة. قال مسؤولون عراقيون إن الولايات المتحدة وافقت على تغطية تكاليف سجن المعتقلين في العراق ومحاكمتهم في المستقبل، بحسب "نيويورك تايمز".
قالت سارة صنبر، باحثة العراق في هيومن رايتس ووتش: "بغضّ النظر عن انتماءاتهم أو أفعالهم المزعومة، احتُجز هؤلاء المعتقلون لسنوات دون مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة، وهم الآن محتجزون في بلد آخر دون ضمانات كافية. ضحايا جرائم داعش يستحقون عدالة حقيقية، وهذا يتطلب محاكمات عادلة للمتهمين".
نظرا لوجود خطر جسيم يتمثل في التعذيب في العراق، يفترض أن عمليات النقل هذه تنتهك مبدأ عدم الإعادة القسرية في القانون الدولي: أي عدم إعادة أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه لسوء المعاملة. في ضوء الانتهاكات العراقية الموثقة جيدا للإجراءات القانونية الواجبة في عمليات مكافحة الإرهاب، فإن الدور الأمريكي في احتجاز هؤلاء الأشخاص وتنفيذ عمليات النقل عبر الحدود قد يجعلها شريكة في أي انتهاكات ناتجة عن ذلك، بحسب هيومن رايتس ووتش.
أفادت "ذا ناشونال" أن السلطات العراقية تحتجز المعتقلين المنقولين في سجنَيْ الناصرية والكرخ في انتظار نتائج التحقيقات التي يجريها "مجلس القضاء الأعلى". قال المجلس إن من بين المنقولين قادة كبار في تنظيم داعش متهمون بارتكاب إبادة جماعية واستخدام أسلحة كيميائية.
ارتكب داعش فظائع كثيرة في العراق بين 2014 و2017. قالت هيومن رايتس ووتش إن المعتقلين المنقولين الذين ثبتت مشاركتهم في مثل هذه الجرائم ينبغي محاكمتهم ومساءلتهم في محاكمات عادلة تحترم ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة.
سألت هيومن رايتس ووتش "القيادة المركزية الأمريكية" (سنتكوم) عمّا إذا كان المعتقلون يتمتعون بحق التواصل مع محام، أو الحصول على مراجعة قضائية أو فرصة الطعن في نقلهم. رفضت سنتكوم التعليق.
يشمل ذلك ضمان احتجاز جميع المعتقلين وفقا للقانون ولأسباب قانونية فقط. ينبغي تقديم جميع المعتقلين على وجه السرعة إلى محكمة أو سلطة قضائية مماثلة لمراجعة شرعية استمرار احتجازهم وضرورته والأمر بالإفراج الفوري عنهم إذا كان الاحتجاز غير مبرر. على الدول التي يُنقَل رعاياها إلى العراق استعادة مواطنيها ومحاكمتهم إذا توفرت أدلة على ارتكابهم تجاوزات.
قال إيان موس، المنسق السابق لمكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية والمسؤول عن معتقلي داعش وأفراد أسرهم، لـ هيومن رايتس ووتش: "هذه ليست محاولة مدروسة لتحقيق العدالة والمساءلة مع احترام الحقوق والقواعد. هذه محاولة مريحة لغسل اليدين من الوضع".
كانت آخر مرة أجرى فيها العراق محاكمات إرهاب واسعة في 2018-2019، بعد أن استعادت القوات الحكومية العراقية الأراضي التي كان يسيطر عليها داعش. اعتقلت السلطات عشرات آلاف الرجال لمقاضاتهم في محاكمات انتهكت حقوقهم بشكل جسيم. حُكم على العديد منهم بالإعدام بعد محاكمة استغرقت 10 دقائق، دون حضور محام، وبناء على شهادات مخبرين مجهولين أو اعترافات منتزعة تحت التعذيب.
وثّقت هيومن رايتس ووتش على نطاق واسع المشاكل المنهجية في القضاء العراقي، لا سيما في محاكمات مكافحة الإرهاب، بما يشمل الاستخدام الاعتيادي للاعترافات المنتزعة تحت التعذيب، والاعتماد على مخبرين سريين، والحرمان من الإجراءات القانونية الواجبة، وغياب استقلال القضاء.
قالت هيومن رايتس ووتش إنه دون ضمانات موثوقة وإصلاحات ملموسة، بما فيها تحقيقات مستقلة في مزاعم التعذيب، وإتاحة الوصول إلى محام، ومراجعة قضائية لجميع حالات الاحتجاز، ومراقبة المحاكمات من قبل مراقبين مستقلين، وضمانات المحاكمة العادلة، فإن العراق يخاطر بتكرار الانتهاكات الحقوقية نفسها.
نظام السجون العراقي مليء أيضا بحالات الاختفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة. سجون العراق مكتظة، والتقارير عن ظروف السجون مروعة. من المرجح أن يؤدي تدفق أعداد كبيرة من السجناء إلى زيادة الضغط على نظام السجون، ما يُعرّض السجناء والموظفين على حد سواء للخطر.
حتى فبراير/شباط 2026، كان في العراق 30 سجنا تضم حوالي 67 ألف سجين، بينهم حوالي 1,600 أجنبي، وفقا لوزارة العدل العراقية. إلا أن هذه الأرقام لا تشمل السجون في إقليم كردستان العراق أو المعتقلين الذين تحتجزهم قوات الأمن ومختلف الجماعات المسلحة في أماكن أخرى من العراق.
في 8 فبراير/شباط، أعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي أن المشتبه بهم – الذين يحملون جنسيات42 دولة – سيحاكمون بموجب القانون العراقي، ولن يُسلَّم أي منهم حتى الانتهاء من التحقيقات في الجرائم المزعومة المنسوبة إليهم.
يعتمد العراق بشكل كبير على استخدام عقوبة الإعدام، لا سيما في قضايا مكافحة الإرهاب. ويقدّر عدد السجناء المحكوم عليهم بالإعدام بنحو 8 آلاف. في 10 فبراير/شباط، أعدم العراق ستة أشخاص، في أول إعدام جماعي منذ وقف تنفيذ عقوبة الإعدام عقب إقرار قانون العفو العام في يناير/كانون الثاني 2025.
في يونيو/حزيران 2024، قالت مجموعة من خبراء الأمم المتحدة إن الإعدامات المنهجية التي يقوم بها العراق بناءً على اعترافات انتُزعت تحت التعذيب وقانون مكافحة الإرهاب الغامض تُشكل حرمانا تعسفيا من الحياة بموجب القانون الدولي وقد ترقى إلى جريمة ضد الإنسانية.
لا يزال العراق يفتقر إلى قانون يُجرّم الجرائم الدولية الأساسية، بما فيها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. بدلا من ذلك، يُحاكَم مقاتلو داعش بموجب قانون مكافحة الإرهاب العراقي لسنة 2005، الذي يقضي بإعدام المتهمين الذين ينتمون إلى جماعة إرهابية.
العام 2017، كلّفت الأمم المتحدة فريق تحقيق يُعرف بـ "يونيتاد" بجمع الأدلة على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية المزعومة التي ارتكبها داعش في العراق وحفظها، وتخزينها. أدت مشاكل النظام القانوني العراقي إلى عدم مشاركة هذه الأدلة مع السلطات العراقية.
قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي للعراق سنّ تشريع محلي شامل يُجرّم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب بما يتماشى مع القانون الدولي، لتحقيق العدالة التي تعكس خطورة الجرائم التي ارتكبها داعش وطبيعتها المنهجية. تم المضي قدما في القضايا المتعلقة بجرائم داعش في العراق وسوريا في كل من البرتغال وألمانيا وغيرها من الولايات القضائية الأوروبية.
تظل الدول التي يُنقل رعاياها من شمال شرق سوريا إلى العراق ملزمة قانونا باتخاذ خطوات لمنع التعذيب والمحاكمات الجائرة والإعدامات ضد رعاياها. ومن المرجح أن يكون أولئك الذين يساهمون بشكل جوهري وعن علم في مثل هذه الانتهاكات، بما يشمل المساعدة في عمليات النقل دون ضمانات موثوقة، متواطئين فيها.
قال المتحدث باسم الحكومة العراقية باسم العوادي في 29 يناير /كانون الثاني 2026 إن نقل معتقلي داعش من سوريا إلى العراق هو خطوة استباقية للدفاع عن الأمن القومي العراقي، نظرا إلى خطر هروب السجناء وسط القتال.
قال قائد سنتكوم الأدميرال براد كوبر في 13 فبراير/شباط: "نقدر قيادة العراق وإدراكه أن نقل المعتقلين أمر ضروري للأمن الإقليمي".
لم يتضمن الإعلان الأمريكي أي ذكر لأكثر من 28ألف شخص، يُزعم أنهم أقارب عناصر داعش، لا يزالون محتجزين بشكل غير قانوني في ظروف تهدد حياتهم في مخيمَيْ الهول وروج في شمال شرق سوريا. حوالي 12,500 منهم أجانب من أكثر من 60 دولة.
كتبت هيومن رايتس ووتش إلى مجلس القضاء الأعلى العراقي، ووزارة العدل، وجهاز الأمن الوطني في العراق، لكن رفضت هذه الجهات جميعها التعليق.
قالت صنبر: "العراق يتعامل مع مشكلة كان ينبغي للمجتمع الدولي حلها منذ سنوات. على الحكومات التوقف عن المماطلة، وتحمل مسؤوليتها تجاه مواطنيها، ومنح ضحايا داعش عدالة حقيقية من خلال محاكمات عادلة".