يمن مونيتور/ وحدة التحليلات/ خاص:
في تطور دراماتيكي يعكس حجم التحولات العميقة داخل المشهد السياسي والعسكري في جنوب اليمن، برز عبدالرحمن المحرمي “أبوزرعة”، عضو مجلس القيادة الرئاسي، كلاعب محوري يسعى لملء الفراغ الذي خلفه غياب عيدروس الزبيدي.
فبعد أقل من 45 يوماً على تواري الأخير عن الأنظار ومغادرته المشهد، أطلق الإعلام الموالي للمحرمي تعريفاً جديداً يصفه بـ “القائد العام للقوات المسلحة الجنوبية”؛ في خطوة قرأها مراقبون على أنها إعلان صريح لوراثة التركة العسكرية والسياسية للمجلس الانتقالي “المنحل”، وبداية مرحلة جديدة من إعادة تموضع الولاءات الإقليمية داخل العاصمة المؤقتة عدن.
صعود من الظل: إعادة تعريف “العمالقة” وتحول الولاءات
لم يكن أبوزرعة المحرمي، المولود مطلع الثمانينيات، وجهاً مألوفاً في الشاشات، إذ ظل لسنوات “قائداً بلا صورة” يقود قوات العمالقة السلفية. هذه القوات التي بدأت كتشكيلات ضمن الجيش الوطني لمواجهة الحوثيين من عدن إلى المخا، تحولت لاحقاً بدعم إماراتي إلى قوة مستقلة. ومع ذلك، شهد عام 2022 نقطة التحول الكبرى بإعادة تسميتها “العمالقة الجنوبية”، وانخراطها في صراعات ميدانية في شبوة وأبين، وصولاً إلى مواجهات حضرموت والمهرة في مطلع العام الجاري، والتي انتهت بهزائم عسكرية فرضت واقعاً جديداً على الأرض.
أظهر المحرمي مرونة تكتيكية عالية في استيعاب المتغيرات الدولية والإقليمية. فبينما كان الزبيدي يراهن على الدعم الإماراتي المطلق، يبدو أن المحرمي التقط إشارات التغيير مبكراً، محولاً بوصلة ولائه نحو الرياض عقب انسحاب القوات الإماراتية وفشل المحاولة الانفصالية في يناير الماضي. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في التحالفات، بل كان استثماراً لـ “الهزيمة” لتحويلها إلى فرصة شخصية لتبوء مقعد القيادة الأول، متجاوزاً إرث الزبيدي الذي غادر المشهد تاركاً خلفه تساؤلات حول مصير قواته التي سحبها إلى مسقط رأسه في الضالع.
إن هذا الصعود يرتكز بالأساس على القوة العسكرية الميدانية؛ حيث تولت فرق من “العمالقة” بقيادة العميد حمدي شكري تأمين عدن عقب انسحاب ألوية “العاصفة” و”المشاة” التابعة للزبيدي. وبحكم الانتماء المناطق والقرب الأيديولوجي، باتت قوات “الحزام الأمني” أكثر ميلاً للمحرمي، مما منحه السيطرة الأمنية الفعلية على الأرض. هذا التفوق الميداني عزز من طموحات الرجل الذي لم يُعرف له سابقاً أي تصريح صحفي أو ظهور علني إبان وجود الزبيدي، ليصبح اليوم الرجل القوي الذي يتحدث باسم “القضية الجنوبية” من أروقة القرار في الرياض.

هيكلة النفوذ: من الحقائب الوزارية إلى التلفزيون
تجاوزت طموحات المحرمي السيطرة العسكرية لتصل إلى مفاصل الدولة والإعلام. ففي التشكيل الحكومي الأخير المكون من 35 وزيراً، برز بوضوح استئثار المحرمي باختيار الوزراء المقربين منه أو أولئك الذين يتشاركون معه الروابط المناطقية، لاسيما في وزارات خدمية وسيادية مثل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ومنصب محافظ عدن. هذا التغلغل في الجهاز الإداري للدولة يمنح المحرمي أدوات نفوذ تتجاوز البندقية، وتمكنه من تقديم نفسه كـ “رجل الخدمات” القادر على انتشال عدن من أزماتها المزمنة.
وفي سياق متصل، تتسارع الخطوات لإطلاق منصة إعلامية ضخمة من الرياض تحت اسم قناة “الجنوب اليوم”، والتي استقطبت عشرات الكوادر من قناة “عدن المستقلة” التي انهارت مع حل المجلس الانتقالي. ويهدف هذا الذراع الإعلامي الجديد إلى صياغة سردية تفرق بوضوح بين “المشروع الجنوبي” وبين شخوص المرحلة السابقة. وبحسب مصادر إعلامية، فإن الرواية التي يسوقها أنصار المحرمي تقوم على أن “المشروع الانفصالي غير مرتبط بعيدروس الزبيدي”، محملين الأخير مسؤولية الفشل العسكري والسياسي الذي أدى إلى حظر أنشطة المجلس.
علاوة على ذلك، يستفيد المحرمي من تحسن نسبي في الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه في عدن، مدعوماً بتعهدات سعودية بصرف المرتبات. هذا الاستقرار النسبي يُستخدم كرافعة سياسية لتعزيز شعبية المحرمي على حساب “الخطاب الشعاراتي” السابق. ويؤكد أنصاره في مجالسهم الخاصة أن “السعودية، على عكس الاعتقاد السائد، قد تتبنى تطلعات الجنوبيين عبر قيادة جديدة تتسم بالعقلانية والارتباط الوثيق بالعمق الخليجي”، وهي الرواية التي تحاول استمالة القواعد الشعبية المحبطة من وعود الزبيدي السابقة.
تحديات الشرعية ومخاطر الصدام المناطقي
رغم السيطرة الظاهرية، يواجه المحرمي تحديات وجودية قد تعصف بطموحاته؛ أولها الرفض القاطع من أنصار الزبيدي الذين يصفون تحركات المحرمي بـ “الانتحال” لصفة القائد العام. وقد بدأت ملامح هذا الصراع تطفو على السطح من خلال إعادة تفعيل اجتماعات المجلس الانتقالي في بعض المحافظات، وبث تسجيلات صوتية للزبيدي يجدد فيها شعاره “عهد الرجال للرجال”، مما ينذر بصدام مناطقي بين تكتل “يافع” الذي ينتمي إليه المحرمي وتكتل “الضالع” الموالي للزبيدي.
التعقيد الآخر يكمن في التناقض الأيديولوجي للمحرمي نفسه؛ فالرجل ينتمي للتيار السلفي الذي يتبنى “الوحدة” شرعاً، خاصة في ظل الفتاوى الأخيرة الصادرة من المرجعيات السلفية، بينما يحاول اليوم التزعم باسم “الانفصال” لتحقيق مكاسب سياسية. هذا “الارتباك الهوياتي” يجعله في مرمى نيران الخصوم الذين يشككون في صدق توجهاته الجنوبية، ويرون فيه مجرد أداة لتنفيذ أجندات إقليمية تهدف لتفكيك القوى المحلية التي كانت مهيمنة في السابق.
وعلى الصعيد الميداني، لا تبدو الساحة خالية للمحرمي، حيث تبرز قوى منافسة مدعومة من “درع الوطن” في حضرموت والمهرة بقيادة سالم الخنبشي وعمرو بن حبريش، بالإضافة إلى الحضور الوازن للقائد حمدي شكري في الصبيحة، والذي يحظى بتقدير خاص لحياده ونزاهة سجله العسكري. إن قدرة المحرمي على الصمود أمام هذه التحديات ستعتمد بشكل أساسي على مدى قدرته على تحويل “الشرعية الدولية” التي يكتسبها من موقعه في مجلس القيادة إلى “قبول شعبي” في شارع جنوبي لا يزال ينظر بريبة إلى صعود القادة من خلف الستار.
وقال المحرمي في بيان خلال اللقاء التشاوري في الرياض: “إن المرحلة الراهنة تتطلب واقعية سياسية بعيداً عن الأوهام، والجنوب اليوم يخطو نحو استعادة دوره ضمن منظومة الاستقرار الإقليمي بقيادة تدرك حجم المسؤولية.”
يقف أبوزرعة المحرمي اليوم على أعتاب مرحلة حاسمة؛ فإما أن ينجح في هندسة “جنوب جديد” بعباءة شرعية وتوافق إقليمي، أو يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع إرث الزبيدي الذي لا يزال متجذراً في أوساط المليشيات المناطقية. الأيام القادمة في عدن لن تكون مجرد صراع على الألقاب، بل هي إعادة صياغة كاملة لخارطة القوى في اليمن.
The post سباق السيادة في عدن: المحرمي “يرث” نفوذ الزبيدي بشعار القائد العام appeared first on يمن مونيتور.