سبتمبر نت/ القاضي صلاح القميري
في نسيج الدستور اليمني، تتربع أربع مواد (36، 39، 40، 111) كحجر زاوية في بناء الدولة ، وترسم معالم العلاقة بين السلطة والقوة، وتؤسس لضوابط حاكمة تصون المؤسستين العسكرية والأمنية من العبث والاختراق. إنها ليست مجرد نصوص جامدة، بل روح النظام الجمهوري التي تحتكر بها الدولة وحدها حق امتلاك القوة، وتجرم أي وجود عسكري خارج إطارها القانوني، وتُحصن الجيش والشرطة من ولاءات ضيقة تفتت الوطن وتُعيد إنتاج منطق المليشيات والفوضى التي مزقت اليمن طويلاً.
النصوص الدستورية الحاكمة:
– المادة (36): “الدولة هي التي تنشئ القوات المسلحة والشرطة والأمن وأية قوات أخرى، وهي ملك الشعب كله، ومهمتها حماية الجمهورية وسلامة أراضيها وأمنها، ولا يجوز لأي هيئة أو فرد أو جماعة أو تنظيم أو حزب سياسي إنشاء قوات أو تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية لأي غرض كان وتحت أي مسمى.”
– المادة (39): “الشرطة هيئة مدنية نظامية تؤدي واجبها لخدمة الشعب، وتكفل للمواطنين الطمأنينة والأمن، وتعمل على حفظ النظام والأمن العام والآداب العامة، وتنفيذ ما تصدره إليها السلطة القضائية من أوامر.”
– المادة (40): “لا يجوز تسخير القوات المسلحة والأمن والشرطة وأية قوات أخرى لصالح حزب أو فرد أو جماعة، ويجب صيانتها عن كل صور التفرقة الحزبية والعنصرية والطائفية والمناطقية والقبلية، وذلك ضماناً لحيادها وقيامها بمهامها الوطنية على الوجه الأمثل، ويحظر الانتماء والنشاط الحزبي فيها وفقاً للقانون.”
– المادة (111): “رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة.”
– في جوهر النصوص: قراءة في الدلالات الدستورية
– في المادة (36).. ملك الشعب كله:
تؤسس هذه المادة لمبدأ دستوري لا يقبل المساومة: الدولة وحدها مصدر إنشاء القوات المسلحة. والقوات المسلحة ليست ملكاً لسلطان أو حزب أو منطقة، بل هي “ملك الشعب كله” – عنوان السيادة الوطنية. وهي تتضمن حظراً مطلقاً على أي تشكيل مسلح خارج وزارتي الدفاع والداخلية، مهما تعددت المبررات والأغطية، لتجعل من أي وجود عسكري موازٍ جريمة دستورية تستوجب المساءلة.
– في المادة (39).. الشرطة بين المدنية والنظام:
تضع هذه المادة الشرطة في موقع فريد، فهي “هيئة مدنية” بوظيفتها ورسالتها، و”نظامية” بانضباطها وتنظيمها. وهي ليست جهاز قمع، بل ضامن لطمأنينة المواطن وحافظ للنظام العام، كما أنها منفذة لأوامر السلطة القضائية، مما يعزز سيادة القانون ويخضع العمل الأمني للرقابة القضائية.
– في المادة (40).. الحياد الوطني حصانة للوطن:
تحظر المادة تسخير القوات المسلحة لصالح حزب أو فرد أو جماعة، وتوجب صيانتها من كل أشكال التفرقة. إنها تطالب بعقيدة عسكرية وطنية جامعة، تقوم على ولاء واحد للوطن، وتُجرد المؤسسة العسكرية من الانتماءات الحزبية والمناطقية، لتكون قادرة على حماية الجمهورية بكل حياد وكفاءة.
– في المادة (111).. القيادة الموحدة:
تقر المادة أن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، مجسدة بذلك وحدة الدولة وسيادتها. وهي تحظر قيادة عسكرية موازية أو متعددة، وتعتبر أي إعلان لقيادة خارج سلطة رئيس الدولة خروجاً على الدستور وجريمة قانونية.
آليات التصحيح: العودة إلى الدستور
– التوحيد والاحتكار: البدء الفوري بدمج جميع التشكيلات المسلحة تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية، وإعلان أن أي وجود عسكري خارج هاتين الوزارتين هو وضع غير دستوري وغير شرعي.
– التسجيل والفرز: تشكيل لجان عليا في المحافظات المحررة لتسجيل المنتسبين طوعاً وفق استمارات موحدة، تمهيداً لإدماجهم في المؤسستين النظاميتين.
– الربط المالي الموحد: اعتماد الرقم العسكري الموحد الصادر عن وزارتي الدفاع والداخلية كأساس وحيد لصرف الرواتب، وإيقاف أي كشوفات مالية مستقلة.
– التدريب المختلط: إعادة توزيع الأفراد على معسكرات تدريبية مختلطة، لكسر التكتلات المناطقية وبناء عقيدة وطنية جامعة.
– المسؤولية الدستورية:
أي تشكيل يرفض الامتثال لهذه الإجراءات يُعد قوة خارجة عن الدستور والقانون، وتتحمل قياداته المسؤولية الدستورية القانونية ،
– الوفاء الدستوري لأصحاب الحق :
– سرعة إصدار قرار جمهوري بإنشاء الهيئة العامة لرعاية الجرحى وأسر الشهداء، وتحديد مهامها ومواردها.
– دمج كشوفات شهداء وجرحى القوات (بمختلف مسمياتهم) في هذه الهيئة، وفاءً وعرفاناً لمن قدموا أرواحهم دفاعاً عن الجمهورية. وتسويتهم بالرتب المستحقة تقديرا لتضحياتهم
الخاتمة:
الدستور ليس وثيقة شكلية، بل عقد اجتماعي يجمع اليمنيين على أسس دولتهم الحديثة. والمواد المنظمة للمؤسسة العسكرية والأمنية هي لب هذا العقد، لأنها تحدد من يملك حق القوة ولأي غرض. والخروج عليها ليس مجرد مخالفة قانونية، بل نقض للعقد الاجتماعي وإعادة إنتاج للفوضى. واستعادة الضبط الدستوري لهذه المؤسسات هو الشرط الأول لاستعادة الدولة واستقرارها ووحدتها. إن وحدة القوات المسلحة في قيادة واحدة، وتجريدها من الولاءات الضيقة، واحتكار الدولة للقوة، هي الضمانة الوحيدة لاستقرار اليمن وسلامة أراضيه. هذا هو معنى الالتزام الدستوري الحقيقي.