مأرب تودع الشيخ محمد قاسم بحيبح.. عمود اجتماعي ووطن عميق
أهلي
منذ 6 أيام
مشاركة

يمن مونيتور/ مأرب / من عبدالله العطار

لم يكن مساء الرحيل عادياً في البيوت الطينية والحديثة على حد سواء في مأرب.

الهواتف لم تتوقف عن الرنين، ومجالس القات تحولت فجأة إلى مجالس عزاء، والوجوه التي اعتادت الصلابة خفّ بريقها.

وصل الخبر صاعقًا: وفاة الشيخ محمد قاسم بحيبح، الرجل الذي لم يكن مجرد مرجع قبلي، بل ذاكرة حية لفترة كاملة من تاريخ المحافظة.

رحيله أشبه بإطفاء مصباح ظل مضاءً لعقود في طرقات الناس قبل بيوتهم.

سيرته مثل سريرته: بدأ من الناس وانتهى في قلوبهم.

شيخ قبلية بروح إنسانية

وُلد الشيخ في بيئة قبلية محافظة، لكنه لم يكن أسيرًا للتقاليد، بل وسّع مفهوم “الشيخ” من مجرد وجاهة اجتماعية إلى مسؤولية إنسانية.

عرف منذ شبابه المبكر بالوساطة في قضايا الثأر وإصلاح ذات البين، وكان يرفض إغلاق باب مجلسه أمام أي صاحب حاجة مهما كان انتماؤه أو طبقته.

لم يكن خطيبًا صاخبًا، بل صاحب كلمة قليلة المفردات، حاسمة الغايات. وكان يقول لمن حوله: “القبيلة ليست سلاحًا… القبيلة أمان”.

لهذا، تحوّل مجلسه إلى محطة عبور للمتخاصمين قبل أن تتحول الخلافات إلى نزاعات مسلحة.

من الرهينة إلى مناضل الجمهورية

لم تقتصر سيرة الشيخ على الدور الاجتماعي، فقد بدأت مبكرًا مواجهة مع الحكم الإمامي، إذ كان أحد أطفال نظام الرهائن الذي فرضته الإمامة على القبائل لضمان ولائها.

لم يتجاوز الخامسة من عمره حين اقتيد بعيدًا عن أهله، وهناك تعلّم القراءة والكتابة… لا في مدرسة، بل في السجن، ومن تلك التجربة تشكل وعيه بأن الظلم لا يمكن أن يكون قدراً دائمًا.

لم يبلغ الثانية عشرة حتى اندلعت ثورة الدستور عام 1948 بقيادة علي ناصر القردعي، فشهد التحول القبلي من الخضوع إلى التمرد.

وعندما اندلعت ثورة 26 سبتمبر 1962، كان الشيخ من الشخصيات الوطنية المناصرة لها في مأرب، وساهم في تثبيت وجودها حتى أطراف المحافظة، وسهّل تمركز القوات المصرية في مديرية الجوبة، التي أصبحت نقطة ارتكاز لمواجهة فلول الإمامة.

زمن البناء والتعليم

خلال مرحلة الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي، قاد الشيخ جهود التعاونيات المحلية وأسهم في بناء الطرقات والمدارس، بعضها على نفقته الخاصة.

لم يرَ التعليم رفاهية بل حماية مستقبلية للمجتمع؛ فاهتم بتعليم أبنائه وأبناء منطقته، وشجّعهم حتى نال كثير منهم درجات عليا، معتبرًا أن “المدرسة أقوى من المتراس”.

دور اجتماعي في زمن الحرب

مع اندلاع الحرب في اليمن، اتسع دور الشيخ ليصبح خط دفاع اجتماعي أكثر من كونه مقاتلًا على الجبهات.

أعاد نازحين إلى بيوتهم، وتكفّل بعشرات الأسر التي فقدت عائلها، ووسّط لوقف اشتباكات داخلية، وجمع تبرعات للمحتاجين دون إعلان، مؤمنًا أن المعركة الكبرى هي الحفاظ على تماسك المجتمع.

مواجهة الحوثيين… الشيخ المرابط

عندما سيطرت جماعة الحوثي على مؤسسات الدولة، لم يقف الشيخ موقف المتفرج، بل كان من أوائل من دعوا القبائل لتشكيل النواة الاجتماعية الأولى للمقاومة.

صودرت ممتلكاته وبيوته في صنعاء للضغط عليه، لكنه اعتبر أن الوطن أغلى من أي ملك شخصي.

وبرغم تجاوزه الخامسة والثمانين، ظل من المشايخ الفاعلين أثناء اقتحام مديريات مأرب الجنوبية، واستشهد بعض أبنائه في المواجهات، فصار الفقد عنده شخصيًا كما هو وطني.

مجلسه… مدرسة غير مكتوبة

لم يكن مجلس الشيخ مجرد مكان للضيافة، بل أشبه بمحكمة عرفية ومركز استشارات اجتماعية؛ يدخل إليه المتخاصمون متوترين ويخرجون متصافحين.

يروي أحدهم: “أحيانًا كان يتكفل بدفع الديات من ماله الخاص فقط ليمنع دماء جديدة… حتى الشباب الذين لا يعرفون تاريخ القبيلة وجدوا فيه أبا لا شيخًا.”

شهادات رسمية ومجتمعية

قال عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ مأرب، سلطان العرادة: “فقدت مأرب اليوم أحد صمامات أمانها الاجتماعية… لم يكن شيخ قبيلة فقط، بل رجل دولة بحكمته، حافظ على السلم الأهلي في أصعب مراحل المحافظة.”

ووصف وكيل المحافظة، علي الفاطمي، الراحل: “كنا حين تتعقد الملفات الاجتماعية نقول: اذهبوا إلى أبو قاسم… كنا نعرف أن المشكلة انتهت قبل أن تبدأ.”

وقال نجله، وزير الصحة، قاسم محمد بحيبح: “خسرنا ركنًا من أركان الحكمة المجتمعية… كان صوته دائمًا مع الإنسان قبل السياسة.”

وأضاف وكيل محافظة الجوف ورئيس مجلس الجوف الوطني، الشيخ سنان العراقي: “برحيله خسرت القبيلة مرجعها العاقل، وخسرت الدولة رجلاً كان يسبق المؤسسات أحيانًا في إخماد النزاعات، وكان وجوده يختصر طريق الدماء إلى طريق الصلح.”

شهادات نضالية وقبلية

مفرح بحيبح، قائد محور بيحان سابقًا: “كان من أبرز المدافعين عن الثورة والجمهورية، وشارك في الإعداد لها ثم في الدفاع عنها خلال حصار السبعين يومًا، وأسند القوات المصرية في الجوبة، إضافة إلى أدواره الكبيرة في إصلاح ذات البين ودفعه من ماله الخاص لمنع الدماء.”

صادق صالح القردعي، رئيس حركة أحفاد القردعي: “نودع شيخًا سبتمبريًا ومناضلًا جسورًا من جيل سبأ… رجل البر والإحسان والاعتدال والسلام، إرثه يمتد إلى جده الذي قاتل مع القردعي في ثورة 1948، وكان من الرجال الذين وقفوا في المراحل المفصلية.”

شهادة سياسية وتنموية

قال رئيس حزب التضامن الوطني بمأرب، عدنان الولص: “وُلد محمد قاسم بحيبح عام 1939، وأسهم في التعليم مبكرًا بتأسيس أول مدرسة ثانوية علمية في مأرب عام 1972، وتخرج منها أطباء ووزراء ومهندسون.

دخل العمل السياسي منذ 1965، وكان من أوائل من نشروا الوعي السياسي في المناطق الشرقية، وبنى المساجد ومشاريع المياه وتعامل مع الجميع على مسافة واحدة.”

الإنسان قبل الشيخ

بعيدًا عن المشهد العام، كان للشيخ تفاصيل صغيرة صنعت صورته الكبيرة:

رفض أن يأكل قبل ضيوفه، وخرج فجراً لزيارة المرضى، وأرسل مساعدات دون ذكر اسمه، وشارك الفقراء أفراحهم كما أحزانهم.

تلك التفاصيل جعلت نبأ وفاته ينتشر كخبر عائلي قبل أن يكون سياسيًا.

لحظة الرحيل… والفراغ

لم يكن البكاء مرتفعًا بقدر ما كان صامتًا… تحدث الناس عنه بصيغة الحاضر، كأنهم يؤجلون الاعتراف بالفقد.

قال أحد كبار السن: “الآن… من سيوقف الخصام قبل أن يكبر؟”

كان السؤال أبلغ من كل المراثي.

إرث لا يدفن

يرحل الرجال عادة وتبقى سيرتهم، لكن بعضهم يترك طريقة حياة.

لم يترك الشيخ منصبًا ولا ثروة ظاهرة، بل قاعدة اجتماعية: أن الهيبة الحقيقية تصنع بالعدل لا بالخوف.

وفي محافظة اعتادت على الرجال الأقوياء، بقي الرجل الذي اختار أن يكون قوياً في إصلاح الناس لا في خصومتهم.

رحل جسده، لكن الكثير من المشاكل التي لم تقع بعد ربما لن تقع، لأن حكمته ما زالت تُروى.

خلّف الفقيد أحد عشر ابنًا وابنة، حملوا من سيرته ما يجعل حضوره ممتدًا في الناس كما في أسرته.

رحمه الله رحمة واسعة، وألهم أهله ومحبيه الصبر… فبعض الرجال حين يغيبون، تشعر المدن أنها أصبحت أكبر سِنًا فجأة.

The post مأرب تودع الشيخ محمد قاسم بحيبح.. عمود اجتماعي ووطن عميق appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية