تحقيق حصري: صندوق عدن الأسود.. كيف سقطت إمبراطورية “أبو سعيد الإماراتي” في قبضة السيبرانية السعودية؟ 
أهلي
منذ ساعتين
مشاركة

​يمن مونيتور/ وحدة التحقيقات/ خاص:

​بينما كان المغادرون من مقرات المجلس الانتقالي ومكاتب حلفائهم الإماراتيين يسابقون الزمن لإتلاف أدلة نفوذهم، كانت ثغرة تقنية واحدة كفيلة بانهيار كل شيء. ففي منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي، أتمّت فرقة سيبرانية سعودية ترميم وتحليل “كنز رقمي” استُخرج من سيرفرات لم تُدمر كلياً؛ بيانات ضخمة أزاحت الستار عن “إمبراطورية الظل” وخرائط العمليات السرية التي هندسها اللواء الركن عوض سعيد الأحبابي، الملقب بـ “أبو سعيد”، الرجل الذي يمسك بخيوط النفوذ الإماراتي من أزقة عدن وصولاً إلى سواحل القرن الأفريقي.

​وقال اثنين من المسؤولين العسكريين الكبار الذي أطلعوا على تقرير داخلي، لـ”يمن مونيتور”، حول المعلومات التي تم استخراجها من سيرفرات تم إصلاحها بواسطة (المركز الوطني للأمن السيبراني السعودي)، وشارك في تحليلها فريق لهيئة تحليل البيانات السعودية إن المعلومات كشفت تغلغل “الأحبابي” قائد العمليات المشتركة بوزارة الدفاع الإماراتية في البنية التحتية والتقنية في اليمن. وقال أحد المسؤولين العسكريين: إذا كان المجلس الانتقالي هو “الواجهة السياسية والأساسية” للإمارات، فإن اللواء الركن الأحبابي هو المهندس الفعلي لـ (الطابق الثاني) من النفوذ. لم يكن مجرد ضابط استخبارات، بل هو مدير “منظومة هجينة” التي تدمج بين العمل العسكري/الأمني، القرصنة الرقمية، والإدارة المالية الموازية.”

​يبرز اللواء الركن عوض سعيد الأحبابي كمهندس استراتيجي يجسد تحول العقيدة العسكرية الإماراتية من الدفاع التقليدي إلى صناعة النفوذ الإقليمي العابر للحدود عبر مفهوم “القدرة على الوصول”. وبفضل الثقة المطلقة التي يوليها إياه صُناع القرار في أبوظبي (وهو قريب للغاية من رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد)، يتولى الأحبابي إدارة العمليات المعقدة والملفات الاستخباراتية واللوجستية الحساسة في مناطق النزاع الممتدة من اليمن إلى القرن الأفريقي وليبيا، مما يجعله المحرك الميداني الأول لطموحات الإمارات الجيوسياسية ونضج قوتها العسكرية الهجينة.

​تشير التسريبات إلى تعرض مؤسسات الدولة اليمنية لأكبر اختراق استخباراتي في تاريخها الحديث، وتكشف كيف تم تحويل “عدن” إلى غرفة عمليات للتجسس على تحركات التحالف نفسه. هذه البيانات هي التي تفسر “اللهجة الحازمة” والمفاجئة التي تعاملت بها السعودية مع قيادات الصف الأول في الانتقالي خلال النصف الثاني من يناير/كانون الثاني الماضي. وقالت المصادر إنه جرى اقتحام والسيطرة على مكتب خارجي في عدن كان يقيم فيه “الأحبابي” خلال تواجده في عدن، وحصلت فرقة خاصة على أقراص صلبة وأجهزة تم إتلافها، لكن تمكنت الفرق السعودية من إعادة إصلاحها وتحمل اسم “بيانات البصمة”! “فيها معلومات وبيانات عديدة جرى حفظها خلف صور ورموز عادية وتحمل شفرات دخول معقدة”-حسبما أفادت المصادر.

​قيادات تحت الخدمة

​حسب التسريبات من التقرير الذي أطلعت مصادر “يمن مونيتور” على أجزاء من محتوياته، فإن هناك أربعة مسارات رئيسية جرى من خلالها تفكيك البنية الاستخباراتية التي أوجدها “اللواء الأحبابي” في جنوب اليمن: الأمني (تمرير اللوجستك/اغتيالات/اعتقالات/ سجون..)، التقني (زرع العمود الفقري الرقمي في المحافظات والموانئ والمعسكرات والمقرات الحكومية لجمع المعلومات)، الولاءات (شراء قادة عسكريين وأمنيين وإعلاميين وناشطين في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي)، والمسار المالي (تحريك الأموال دون رصد)، وتعمل جميعها معاً لتجعل “مكتب اللواء الأحبابي” هو المصدر الرئيس -تقريباً- لكل شيء.

​كما تكشف البيانات أن عيدروس الزُبيدي (رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل) لم يكن المرتبط بالوحيد ب”أبو سعيد”، حيث كشفت الأقراص عن قائمة تضم أكثر من 120 ضابطاً وكادراً أمنياً وعسكرياً في عدن ولحج وأبين والضالع وحضرموت وشبوة، لديهم وحدات عسكرية أمنية موجودة إسمياً تحت مضلة المجلس الانتقالي الجنوبي، لكنهم كانوا يتلقون تعليماتهم مباشرة من “أبو سعيد” خارج إطار التسلسل القيادي الرسمي لوزارة الداخلية أو الدفاع؛ إضافة إلى شيوخ وشخصيات اجتماعية من محافظات جنوبية وناشطين على شبكات التواصل الاجتماعي، ومعلومات أخرى حول قيادات ومسؤولين حكوميين غير موالين للإمارات.

كما شمل معلومات حول شركات أمنية وتجارية، وشركات أخرى وهمية، بعضها مرتبط بتجارة النفط أو الشحن لتخليص شحنات الأسلحة أو دخول معدات تشويش إلكترونية وردارية وتجسسيه. كما تشير بيانات إلى دخول أجهزة استخباراتية حساسة بحجة وصولها إلى مستشفى إماراتي كبير تموله في عدن؛ وأخرى بأنها معدات شركة حراسة أمنية لتأمين حماية منشآت نفطية في شبوة وحضرموت. ومعلومات أخرى تشير إلى شقق آمنة لإقامة خبراء تقنيين أجانب في حي السفارات بعدن؛ وخرائط تحركاتهم لتركيب معدات مراقبة متطورة في عدن ومناطق أخرى؛ كما أُشير إلى معلومات حول رادارت متحركة لرصد تحركات القوات الحكومية أو المسؤولين بما في ذلك القوات والقيادات السعودية في عدن والمحافظات.

​وتقول المصادر إن أسماء شركات أمنية وجدت فيما وصفوه بـ”الكنز المعلوماتي” تعمل في جنوب اليمن، مرتبطة بـشركة “بلاك شيلد” وفروعها المحلية، والتي تقدم نفسها كشركات تأمين منشآت النفط، وحقيقة نشاطها هو العمل كخلايا نائمة تمتلك أسلحة نوعية ومنظومات تشويش إلكتروني لا تخضع لرقابة وزارة الدفاع أو وزارة الداخلية اليمنية، مما خلق حالة من “السيادة المجزأة” في المناطق الحيوية والحساسة -حسبما ما كتب في الملحق التحليلي.

​وأظهرت البيانات الرقمية تقارير “رصد وتحرّي” لعدد من الشخصيات الاجتماعية وخطباء المساجد وقادة المقاومة الشعبية الذين تم اغتيالهم في عدن. رغم أن الأقراص لم تذكر صراحة “أوامر بالقتل”، إلا أنها احتوت على خرائط تحركات الضحايا قبل اغتيالهم بفترات وجيزة، مما أثبت أن جهاز “أبو سعيد” كان يوفر “المعلومات الاستخباراتية” للجهات المنفذة (التي كانت تظهر كطرف مجهول). وقالت المصادر لـ”يمن مونيتور” إن أقراص صلبة أخرى جرى استخراجها من مقر للمجلس الانتقالي في عدن تكشف كيف كانت تُترجم المعلومات المقدمة من الأحبابي إلى عمليات يقوم بها المجلس الانتقالي الجنوبي والأدوات التابعة له.

أفراد وحدة شرطة عسكرية موالية للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات يقومون بتأمين شارع في عدن ، اليمن ، في 10 ينا

المسار التقني

​أشرف الأحبابي على زرع “العمود الفقري الرقمي” للنفوذ في معظم المحافظات المحررة جنوب اليمن وساحل البلاد الغربي. هذا المسار هو الذي كشفته السعودية مؤخراً في “الأقراص الصلبة”، حيث تبين وجود نظام رصد مرتبط مباشرة بمركز العمليات في أبوظبي.

وقال المسؤول العسكري لـ”يمن مونيتور”: إن المعلومات كشفت عن استقطاب كفاءات بشرية يمنية تم تدريبها بعناية في الخارج على تقنيات الرصد والتنصت، لتعمل خارج إطار الأجهزة الأمنية الرسمية مثل الأمن القومي أو السياسي. ولفت إلى أن “جيش الظل” هذا “يدين بالولاء المطلق للأحبابي شخصياً، حيث تُمول رواتبهم ومكافآتهم عبر قنوات مالية مستقلة تضمن بقاءهم كأداة ضغط استراتيجية في حال تغيرت موازين القوى السياسية، مما يجعل عملية تفكيك هذه الخلايا مهمة بالغة التعقيد تتجاوز مجرد إصدار قرارات إدارية أو عسكرية”.

​أدت هذه الاستراتيجية التراكمية إلى خلق حالة من الاعتماد المتبادل بين القيادات الميدانية في الجنوب وبين مكتب الأحبابي، حيث أصبح الأخير هو المورد الأساسي للمعلومات والتمويل والدعم اللوجستي. هذا الارتباط العضوي هو الذي يفسر سر الصمود التنظيمي للمجلس الانتقالي أمام الضغوط السياسية لسنوات، إذ كانت شبكة الأحبابي توفر “شبكة أمان” تقنية ومالية تتيح للزبيدي ورفاقه المناورة في أحلك الظروف، قبل أن تصطدم هذه الشبكة بحائط السعودية في مطلع عام 2026.

 

​الشريان المالي

​لعل أبرز ما أثار تساؤلات عديدة، هو كيف تتحرك الأموال إلى شبكة الأحبابي دون رصد؟ تشير البيانات المستخرجة إلى أن الجنرال العسكري الإماراتي كان يدير “شبكة مقاصة” تعتمد على شركات صرافة محلية أو شركات تجارية محلية. يبدأ الأمر عند إيداع الأموال في حسابات تجارية في دبي، وتصرف في اليمن لـ” عملائهم، والناشطين والقادة الميدانيين” كأرباح تجارية أو مساعدات إنسانية نقدية.

وقالت المصادر العسكرية: إن هذا النوع من الشبكات السوداء الموجودة في الظل يصعب تعقبها، ولعل هذه المعلومات (الجديدة) تكشف أسباب مقاومة الإمارات والموالين لها لإجراءات البنك المركزي اليمني خاصة في تنظيم قطاع المال. وبدأت الحكومة اليمنية بالفعل إجراءات تجفيف وجود الشركات الإماراتية في البلاد، ومكافحة التمويل الخفي الذي تديره شبكة الأحبابي في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

 

​لماذا سقط “الأخطبوط”؟

​جاء الانهيار الجزئي لشبكة الأحبابي نتيجة لخطأ استراتيجي فادح تمثل في “الغرور التقني” والاعتماد المطلق على أنظمة تشفير إماراتية وإسرائيلية ظنت الشبكة أنها غير قابلة للاختراق.

قال المسؤول العسكري المطلع على تفاصيل التقرير: اعتقد الأحبابي والقادة الإماراتيين الأخرين أن السعودية لن تملك القدرة على فك شفرات الخوادم الموجودة في عدن وفي سقطرى، كان هذا الغرور وراء عدم الاهتمام بالإتلاف الكامل للأجهزة، وبقاء بعض الخوادم الموجودة، والثغرة التي نفذ منها الفريق السيبراني السعودي وتمكن من استعادة “الأقراص الصلبة” التي تحتوي على معظم أسرار الشبكة وتفاصيل عملياتها منذ عام 2016.

​عندما تدخل فريق للهيئة السعودية للبيانات اكتشف أن شبكة الأحبابي كانت تحتفظ بـ “سجل رقمي” لكل عملية اغتيال أو تمويل أو تواصل خارجي، كنوع من ضمانات الولاء أو “الابتزاز المتبادل” بين أطراف الشبكة. وقوع هذا السجل في يد الرياض لم ينهِ النفوذ الميداني فحسب، بل نزع الغطاء الأخلاقي والسياسي عن الشبكة، حيث أصبحت السعودية تملك أدلة دامغة تدين قيادات الصف الأول في الانتقالي بتهم تتجاوز السياسة لتصل إلى الإرهاب وغسيل الأموال الدولي.

​تقدر المصادر أن شبكة “الأحبابي” امتصت الصدمة، وبدأت العمل منذ نهاية يناير/كانون الثاني، وأن الخلايا النائمة بدأت التحرك بالفعل لتقويض الأمن واستهداف القوات اليمنية الموالية للمملكة العربية السعودية. لكنها تؤكد أن المعلومات التي لم يكشف عنها واسعة للغاية وقادرة على تفكيك الخلايا وأدوات التخريب الممولة من أبوظبي.

The post تحقيق حصري: صندوق عدن الأسود.. كيف سقطت إمبراطورية “أبو سعيد الإماراتي” في قبضة السيبرانية السعودية؟  appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية