الرشادبرس_ مقالات
بقلم / محمد الأحمدي
رغم حداثة نشأة حزب الرشاد اليمني مقارنةً بالقوى والمكونات السياسية التي راكمت حضورها عبر عقود طويلة، إلا أن الحزب قدّم تجربة لافتة في التعاطي مع الشأن العام، تجاوزت منطق “التمثيل السياسي” إلى اختبار حقيقي في إدارة الوظيفة العامة وتحمل أعباء الدولة في واحدة من أعقد المراحل التي عرفها اليمن الحديث.
لقد مثّل تولي الحزب حقيبة الأوقاف والإرشاد محطة فارقة في مسيرته السياسية، ليس بوصفها مشاركة رمزية في السلطة، بل مسؤولية ثقيلة تتقاطع فيها السياسة بالدين، والإدارة بالوجدان الجمعي، والدولة بالمجتمع. ومن خلال هذه الحقيبة، خاض حزب الرشاد تجربة بناء مؤسسي حقيقية، إذ نجح – في ظروف حرب وتشظٍ وانقسام غير مسبوقة – في إنشاء مؤسسة حكومية شبه متكاملة من العدم، ورفدها بكوادر مهنية من تخصصات متعددة، ووضع أسس عمل إداري لم تكن متوفرة حتى في فترات السلم.
لقد كان من الطبيعي، بل والمفهوم، أن يرافق بروز حزب الرشاد اليمني في المشهد السياسي قدرٌ من التوجس في أوساط سياسية وإعلامية واسعة، بحكم كونه أول حزب ذي مرجعية سلفية يدخل المعترك الحزبي في اليمن، في بلدٍ خبر طويلاً توترات العلاقة بين الدين والسياسة، واعتاد أن يرى السلفية خارج الأطر الحزبية والتنظيمية. وقد انصبت تلك المخاوف حول طبيعة الخطاب، وحدود القبول بالتعددية، وآليات التعاطي مع الدولة المدنية، وإمكانية الاندماج في منظومة العمل السياسي دون صدامات أيديولوجية أو نزعات إقصائية.
غير أن حزب الرشاد، منذ مشاركته في مؤتمر الحوار الوطني وما تلاه من استحقاقات، تعامل مع هذه المخاوف بقدرٍ عالٍ من الوعي السياسي والنضج العملي، لا عبر الخطاب الدفاعي أو محاولة طمأنة شكلية، بل من خلال السلوك السياسي الواقعي، والانخراط المسؤول في القضايا الوطنية الكبرى. فقد قدّم نفسه كحزب وطني ذي مرجعية فكرية واضحة، دون أن يحوّل هذه المرجعية إلى أداة صراع أو معيار إقصاء، واحترم قواعد التعددية السياسية، ومنطق الشراكة، ومفهوم الدولة الجامعة.
وبمرور الوقت، نجح الرشاد في تفكيك النظرة النمطية التي ظلت تلاحق التيار السلفي لعقود، وأثبت أن الانتقال من الدعوة إلى السياسة لا يعني بالضرورة القطيعة مع قيم الاعتدال أو الانغلاق على الذات، بل يمكن أن يكون مدخلاً لوعي سياسي متقدم، يستوعب تعقيدات الواقع، ويوازن بين الثوابت الدينية ومتطلبات الدولة الحديثة. وهو ما جعل كثيرًا من الأصوات التي كانت متحفظة أو متوجسة تعيد النظر في أحكامها المسبقة، وتتعامل مع الحزب باعتباره فاعلًا سياسيًا طبيعيًا ضمن المشهد الوطني، لا استثناءً إشكاليًا أو حالة عابرة.
جاء حزب الرشاد إلى المعترك السياسي من رحم التحولات التي شهدها اليمن والمنطقة عام 2011، متخففًا من أثقال صراعات الماضي ودورات العنف التي أنهكت البلاد لعقود. غير أن ما يميّز هذه التجربة أنه لم يبقَ أسير لحظة تلك التحولات وخطاباتها الثورية، بل امتلك شجاعة المراجعة وإعادة تعريف المخاطر وفق متطلبات اللحظة التاريخية الراهنة. وفي مقدمة تلك المخاطر، برز مشروع الإمامة بنسخته الحوثية الدموية، بوصفه تهديدًا وجوديًا للجمهورية والدولة والمجتمع معًا.
في هذا السياق، أظهر الحزب قدرًا عاليًا من المرونة السياسية والواقعية الوطنية، مكّنته من إعادة ضبط علاقاته مع مختلف القوى السياسية، بما في ذلك القوى المحسوبة على المؤتمر الشعبي العام، ولا سيما جناح الشرعية، حيث بدا الرشاد أكثر قربًا وانسجامًا مع هذا التيار من غيره، انطلاقًا من قواسم مشتركة تتعلق بالدولة والجمهورية ومواجهة المشروع الحوثي.
وتجسدت هذه المقاربة السياسية في الأداء الحكومي لوزير الأوقاف والإرشاد السابق الشيخ الدكتور محمد بن عيضة شبيبة، الذي قدّم خلال توليه الحقيبة نموذجًا لرجل الدولة، لا لرجل الحزب. فقد أدار الوزارة بكفاءة واضحة، وجمع بين الحزم في القضايا الوطنية الكبرى، والمرونة الإنسانية في التعاطي مع الموظفين والعاملين، واضعًا نصب عينيه أن الوظيفة العامة تكليف لا تشريف.
كان الوزير شبيبة جمهوريًا صلبًا، واضح البوصلة في مواجهة مشروع الإمامة والمشروع الإيراني، وهو وضوح لم يكن شعاريًا أو إنشائيًا، بل انعكس في قراراته، وخياراته الإدارية، وطبيعة الخطاب الديني والإرشادي الذي عمل على ضبط إيقاعه، وتوجيهه نحو تعزيز القيم الوطنية الجامعة، وفي مقدمتها النظام الجمهوري، والدولة، والعيش المشترك.
وفي بعدٍ آخر لا يقل أهمية، أعاد شبيبة الاعتبار لمفهوم العمل الحكومي نفسه، عبر مزيج نادر من حسن الإدارة، والنزاهة، والعمل المؤسسي، والأخلاق الرفيعة، والشهامة، ومراعاة البعد الإنساني في التعامل مع الموظفين وإكرامهم، في بيئة إدارية اعتادت – للأسف – القسوة والإقصاء والعبث.
وخلال فترة وجيزة نسبيًا، أعاد تفعيل قطاعات كانت شبه ميتة داخل الوزارة منذ عقود، وفتح آفاقًا جديدة للحضور اليمني في المحافل القرآنية الدولية، حيث وصل قرّاء اليمن إلى العالمية، وحصدوا مراكز متقدمة، أعادت الاعتبار لصورة اليمن الثقافية والدينية في الخارج، في وقت كانت فيه البلاد تُستنزف بالحرب والصور النمطية القاتمة.
وليس من الإنصاف الادعاء بأن هذه التجربة كانت معصومة من الخطأ؛ فالعمل العام بطبيعته محفوف بالعثرات، ومن يعمل لا بد أن يخطئ. غير أن ما يُحسب لهذه التجربة أنها جرت بروح الاجتهاد، ومن داخل ديوان وزارة لم يكن له وجود فعلي في العاصمة المؤقتة عدن، وفي ظل شح الإمكانات، وضغط السياسة، واستقطابات الحرب.
لقد تعرض الوزير شبيبة، ومعه تجربة حزب الرشاد في الوزارة، لحملات تشويه ظالمة، اختلط فيها السياسي بالشخصي، والخصومة بالتجني. ومع ذلك، ظل ثابتًا على مبادئه، محافظًا على رصيده الوطني، عاملًا من أجل الجميع دون نزعة انتقام أو إقصاء، ومغادرًا موقعه كما دخله: بقدر من الاتساق الأخلاقي والسياسي.
إن تجربة حزب الرشاد في إدارة وزارة الأوقاف والإرشاد، بكل ما لها وما عليها، تظل واحدة من التجارب القليلة التي تستحق التوقف عندها بإنصاف، لا باعتبارها تجربة حزب بعينه، بل كنموذج لما يمكن أن تقدمه القوى السياسية حين تتعامل مع الدولة بوصفها مسؤولية وطنية، لا غنيمة سياسية، وحين تجعل من الجمهورية معيارًا، ومن الإنسان غاية، ومن العمل المؤسسي طريقًا.