في بلد مثل اليمن، حيث يعيش معظم السكان تحت وطأة الفقر والتهميش والبؤس والظلم، تصبح أي دعوات لمظالم مناطقية هنا أو هناك بلا معنى حقيقي، إذ إنه إذا كان هناك من عدالة أو مساواة قائمة في البلاد، فهي تكاد تقتصر على توزيع الظلم. ومن هذا المنطلق، فإن أي دعوات تتقمّص طابعًا مناطقيًا لا تمثل سوى بذور للتمرد أو الانفصال أو تقويض الوحدة الوطنية، أو مشروع فوضى محتمل متى ما توفرت له الإمكانيات والدعم.
إن دعوات المظالم المناطقية، مهما استندت إلى أسس أو حجج تبدو مشروعة، لا تقل خطورة عن المشاريع العنصرية، لأنها تعزز نزعات الكراهية لدى سكان هذه المنطقة أو تلك، وتخلق لديهم شعورًا بالمظلومية المبالغ فيها، يعزلهم عن بقية المواطنين، ويكرّس لديهم إحساسًا بالنقص أو التفوق، تبعًا لما إذا كانت منطقتهم تفتقر إلى الموارد أو تمتلكها.
وإذا أخذنا ما يُسمّى بـ”القضية الجنوبية” مثالًا على هذه الفكرة، سنجد أن ثمة مسارًا واضحًا لا تخطئه العين، عمل على تعزيز مشاعر الكراهية والحقد، وصولًا إلى نزعات عنصرية لدى من تبنّوا هذه المظلومية المناطقية، التي كانت في معظمها مصطنعة.
وقد انتقلت عدواها الخطيرة إلى المواطنين البسطاء عبر سنوات طويلة من التعبئة والتحريض والدعاية والافتراءات، حتى بات المواطن العادي ينسى ماضيه، ويتوهم أن تغيير حياته لن يتحقق إلا عبر كراهية أخيه المواطن في الجزء الآخر من الوطن، وأن لا مستقبل له إلا بالانفصال.
وهنا نلاحظ، وفقًا للمنطق الذي تزّعم به خطاب هذه القضية، أنه يستند إلى ما يسمونه حقوقًا سياسية تتمثل في الانفصال، وإن حاولوا تلطيف المصطلح بتسميته “استعادة الدولة”، وهي دولة لا وجود لها من حيث الشخصية الاعتبارية والقانونية منذ يوم توحيد شطري الوطن في 22 مايو 1990. فكيف تحوّلت هذه المطالب السياسية إلى خطاب عنصري ومناطقي، يعادي ليس فقط كل ما هو “شمالي”، بل كل ما يمت بصلة إلى اليمن كهوية وثقافة وتاريخ وحضارة وعادات؟
تكمن خطورة المناطقية في أن كل دعوة تتبناها شخصية أو حزب أو جماعة أو مجموعة أطراف باسمها، تستخدم غطاء المظلومية لتحقيق أهداف محددة: أولها إيجاد أساس متين للدعاوى، وثانيها تشكيل قاعدة صلبة مؤهلة نفسيًا وثقافيًا لتكون قوة محتملة للفوضى والعنف، وثالثها التمدد نحو مناطق أخرى تعيش ظروفًا مشابهة بغرض خلق تحالفات مستقبلية، خصوصًا عند مواجهة حكومة قوية أو دولة مركزية.
وإذا توقفنا عند ما جرى منذ عام 2015، حين سيطرت أطراف جنوبية كانت جزءًا مما يسمى بالحراك الجنوبي، وتحوّلت إلى قوى مسلحة بعد طرد الحوثيين من عدن والمحافظات الجنوبية، نجد أنهم أصبحوا المتحكمين فعليًا في مفاصل الدولة وأجهزتها.
وبعد أكثر من أحد عشر عامًا، ما النتيجة؟ إذا كان منطقهم يقوم على الشراكة، فقد باتوا شركاء مهيمنين، ومع ذلك لم ينجحوا حتى في إدارة مؤسسة خدمية واحدة لإثبات مصداقية شعاراتهم، لا تجاه خصومهم ولا حتى تجاه أنصارهم. وكل ما فعلوه هو استغلال مشاركتهم في مؤسسات الدولة لتحقيق الثراء الشخصي، وممارسة النفوذ، ونهب الأراضي والموارد، مكررين بذلك نموذج كل من تصدّر خطاب المناطقية دون أن يساهم في بناء الدولة، رغم امتلاكه اليد الطولى في قرارها.
بل ولم يتوقفوا عن خوض الحروب، سواء ضد الدولة التي أصبحوا جزءًا منها، أو ضد أطراف أخرى لم تقاتلهم أصلًا، ويكفي التأمل في عدد المواجهات التي خاضها المجلس الانتقالي منذ تأسيسه عام 2017، بما في ذلك صدامه مع حلف قبائل حضرموت ومحاولته فرض السيطرة بالقوة.
وحتى الأطراف السياسية التي تماهت معهم وأيدت مطالبهم الانفصالية لم تكسب رضاهم، وهم جميعًا لا يملكون تعريفًا واضحًا لهذه “القضية”: ما طبيعتها؟ وما مضمون مطالبها السياسية غير الانفصال؟ وإذا كانت حقوقية، فما هي هذه الحقوق تحديدًا؟ علمًا أن بدايتها كانت بشعارات حقوقية تتعلق بالمتقاعدين المدنيين والعسكريين وتسوية أوضاعهم، رغم أن هذه الملفات جرى التعامل معها ومعالجتها على مدى سنوات.
هذه القوى التي تماهت مع مشروع المظلومية المناطقية، ودعمت تمكين أصحابه دون مطالبتهم بالتخلي عن مشروعهم السياسي، على خلاف ما يحدث في معظم دول العالم حيث لا يُدمج أي متمرد في السلطة دون تخليه الصريح عن مشروعه المسلح وتسليم سلاحه، لم تجنِ سوى الخيبة والخسران.
لقد جرى إشراك المجلس الانتقالي، في السلطة مع احتفاظه بسلاحه ومشروعه السياسي، فكانت النتيجة أنه أصبح دولة داخل الدولة، تستنزف الموارد، وتفرض أمرًا واقعًا. ولولا تقاطع خطر هذا المشروع في حضرموت والمهرة مع مصالح السعودية، لما جرى كبحه، إذ اضطرت المملكة للتدخل دفاعًا عن أمنها، فتقاطعت مصالحها مع مصالح اليمنيين، وجرى كسر كبير لهذا المشروع المدعوم إماراتيًا.
لقد أثبت التعامل القائم على الدلال والاحتواء السياسي، واستيعاب هذه القوى في مفاصل الدولة دون تقديم أي تنازل حقيقي، فشله الذريع على مدى أكثر من أحد عشر عامًا، ذلك أن هذه القضية، وإن كانت تهدف للانفصال، فقد تحولت إلى مصدر ابتزاز دائم للانتهازيين جيلًا بعد جيل.
ورغم ذلك، لم يُستفد من هذا الدرس، إذ كان من المفترض أن يكون واضحًا أن أي مشاركة في الحكومة يجب أن تقترن بالتخلي عن المشروع الانفصالي. لكن ما حدث أن التشكيلة الحكومية الجديدة منحتهم ست وزارات، مع احتفاظهم بالسيطرة العسكرية والأمنية في عدن وغيرها، دون أي تغيير في القيادات أو محاسبة، رغم أن الظروف الحالية تسمح بذلك، خصوصًا في ظل إدراك السعودية أن هذا المشروع، بارتباطه الخارجي، يمثل خطرًا مباشرًا عليها.
إن تكرار النهج ذاته الذي أثبت فشله في السنوات الماضية سيقود حتمًا إلى النتائج نفسها، لا سيما وأن هذه القوى لا تزال تتبنى الخطاب ذاته، وتعلن صراحة عدم اعترافها بالحكومة التي تشارك فيها.
وإذا عدنا إلى تجربة شمال اليمن، سنجد أن خلط ما سُمي بـ”مظلومية صعدة” بقضية الحوثيين، وتبرير تمردهم المسلح، أسهم في تضخيم هذه المظلومية وتحويلها إلى قضية وطنية مفروضة، رغم أنها لم تعبّر عن معاناة المواطنين بقدر ما اختُزلت في مشروع جماعة مسلحة. وكانت النتيجة تمدد الحوثيين من صعدة إلى عمران ثم صنعاء، وكادوا أن يسيطروا على عدن لولا تدخل السعودية عبر التحالف العسكري. ولا تزال حروبهم مستمرة منذ بداية تمردهم المسلح عام 2004، ما يؤكد أن نهج الاحتواء والحوافز، أو الاعتقاد بأن إشراكهم في السلطة سيجعلهم يتخلون عن مشروعهم الابتزازي، كان رهانًا خاطئًا.
ورغم كل هذه التجارب، لا تزال بعض القوى السياسية تتعامل بإيجابية مع المظلوميات المناطقية، متجاهلة أنها تشكل دائمًا مشروع حرب وفوضى، وتكرّس العنصرية داخل المجتمع. لذلك، ينبغي تجريم خطاب المظلومية المناطقية، حتى وإن استند في ظاهره إلى مطالب مشروعة بنسبة كبيرة، لأن ارتداءه عباءة المناطقية يجعله خطرًا وجوديًا.
ومن حق سكان أي منطقة يشعرون بالظلم أن يدافعوا عن حقوقهم كمواطنين متساوين، بالاستناد إلى الدستور لا إلى المناطقية، حتى وإن لم يُطبق الدستور أو يُحترم في الواقع، فذلك لا يبرر التخلي عن الإطار الدستوري الذي ينظم علاقة الحقوق والواجبات بين الحاكم والمحكوم لصالح خطاب مناطقي مدمر.
صحيح أن المناطقية قد تتحوّل إلى قوة قادرة على انتزاع الحقوق عندما تتوفر لها الإمكانيات المادية والعسكرية والدعم الخارجي، ويتزامن ذلك مع ضعف الدولة، لكن هذا لا يبرر التساهل معها في أي منطقة كانت. وإذا لم يُستوعب هذا الدرس، فإننا سنظل نخلق مظلوميات جديدة في كل منطقة، حتى في المناطق التي تنعم اليوم بالوئام، ما دامت ترى أن رفع شعار المظلومية المناطقية في أماكن أخرى يُقابل بالاستجابة والتنازلات.
The post كيف تصنع المظلومية المناطقية حربًا دائمة في اليمن؟ appeared first on يمن مونيتور.