يمن مونيتور/ وحدة التحقيقات/ من بشرى عبدالرحمن
خلف ستائر قماشية متهالكة وأبواب “شتر” حديدية كانت بالأمس القريب منافذ للرزق والتجارة، توارى اليوم آلاف اليمنيين في العاصمة صنعاء، محولين تلك المساحات الضيقة إلى “ملاذات أخيرة” للعيش.
لم تعد الدكاكين مجرد مساكن عابرة للعمال أو العزاب كما جرت العادة، بل تحولت بفعل عشر سنوات من الحرب والنزوح الطاحن إلى ظاهرة اجتماعية صارخة، تسكنها عائلات بكامل أفرادها، حيث تلتحف بستر رقيق يتحول إلى حصن هش ضد نظرات الفضوليين وقسوة الشتاء، في مشهد يختزل أعمق صور الانكسار الإنساني والتحول الهيكلي للمجتمع اليمني.

انكسار الهيبة: حين تتحول “المجالس” إلى زوايا إسمنتية ضيقة
تجسد قصة الشيخ “محسن الروضي” (56 عاماً) فداحة الانهيار الذي أصاب الطبقة الوسطى والوجاهات الاجتماعية في اليمن؛ فالرجل الذي كان يوماً صاحب ديوان عامر بالضيوف والذبائح، وجد نفسه منكمشاً أمام باب دكان صغير في شارع الثلاثين، يداري وجهه بشاله خشية أن يتعرف عليه أحد من “عزه القديم”.
يقول الروضي لـ”يمن مونيتور” بنبرة يملؤها الشجن: “كنا ملوكاً في بيوتنا، واليوم والله إني أغلق بابي مع أذان المغرب؛ خشية أن يمر بي من يعرفني فلا أجد ما أقدمه له”. إنها ليست مجرد أزمة سكن، بل هي طعنة في كرامة رجال وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها خلف أبواب كانت مخصصة للبضائع، لا للبشر.
وعلى عتبات هذه الدكاكين، تتكدس أحذية الصغار لتعلن عن حياة تخطت حدود “الستر” التقليدي، حيث تتداخل روائح الطبخ مع عوادم السيارات التي تقتحم غرف النوم بلا استئذان. تصف الطفلة “أروى” هذا الواقع المرير بقولها: “الشارع يسكن معنا.. أبواق السيارات تسرق مني سطور الدرس”، بينما يضطر الطفل “أكرم” لنسج أكاذيب بيضاء أمام رفاقه، موهماً إياهم بأنه يسكن في عمارة مجاورة ليداري خجله من “بيت الدكان” الذي كسر هيبته الطفولية قبل الأوان.
أما الصغير “أيمن”، فقد قذفه ضيق المكان إلى خطر السيارات في الخارج، لأنه ببساطة كما يقول: “لو تحركتُ في الدكان لدهستُ أواني الطبخ أو رِجل أبي المريض”. إنها ليست مجرد أزمة سكن، بل “تعرية” قسرية لخصوصية الإنسان، حوّلت البيت من مأوى إلى مساحة مستباحة تفتك بكرامة الطفولة.
في منطقة “حزيز”، يقدم “صالح الفتيني” (50 عاماً) نموذجاً آخر لعزة النفس وسط الركام، فبعد أن طرقت قدماه أبواباً كثيرة وصُدّت في وجهه بسبب عجز مادي أو غلاء فاحش، لم يجد سوى هذا الدكان ليستر عائلته.
يقول الفتيني بمرارة لـ”يمن مونيتور”: “لم يكن الخيار لنا، مشيت حتى تورمت أقدامي وأقدام أطفالي، ولم يرض أحد أن يفتح بابه لنا سوى صاحب هذا الدكان”. هذا القبول القسري بالحد الأدنى من العيش الآدمي يعكس حالة “النزوح الحضري” التي أجبرت الأسر على المقايضة بخصوصيتها مقابل سقف يحميها من التشرد المطلق في الشوارع.
تعرية الخصوصية: “سكان الدكاكين” كطبقة اجتماعية جديدة
يقرع الباحث الأكاديمي منصور القدسي جرس الإنذار حيال هذه الظاهرة، مؤكداً أننا لسنا بصدد أزمة عابرة، بل نشهد تشكلاً لطبقة اجتماعية جديدة أطلق عليها “سكان الدكاكين”.
ويرى القدسي في حديثه لـ”يمن مونيتور” أن هذه الفئة تضم في طياتها “موظفين وكوادر نزلت بهم الحال”، محذراً من أن هذا التحول الهيكلي يمسح الطبقة الوسطى تماماً من الخارطة الاجتماعية اليمنية. إن تحول المعلم والطبيب والموظف إلى ساكن في “مربع إسمنتي” يفتقر لأدنى المعايير الصحية والبيئية يمثل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي وقيمه المستقرة.
وفي مساحات لا تتجاوز (4×6) أمتار، تتكدس حياة كاملة لأسرة “محسن مناع” بالقرب من جولة عمران، حيث يلتصق المطبخ بحمام بلا باب، ويتداخل فراش المرض مع أماكن نوم الأطفال المتسربين من التعليم. يعترف مناع بمرارة أن ضيق الحال أجبره حتى على التوقف عن شراء دوائه، قائلاً: “أنا أمرض هنا، والطبخ فوق رأسي، والعيال ينامون عند قدمي.. ما عاد بقي غير نبيع أنفسنا”. هذا الاكتظاظ لا يسلب الإنسان خصوصيته فحسب، بل يحوله إلى كيان مكشوف أمام ضجيج المجتمع وقسوة أحكامه.
كما تعيش داخل هذه الجدران الصماء، “أم وضاح” مع أطفالها الأربعة، مكافحةً برد صنعاء القارس بموقد بدائي من أحجار مرصوصة وقدر أسود قديم. تخرج كل صباح لجمع قناني البلاستيك لتأمين إيجار الدكان البالغ 15 ألف ريال (حوالي 29 دولاراً).
وتضيف بحزن: “البرد نهش أجساد أطفالي.. الحمد لله على كل حال”. تعكس حالة أم وضاح واقع آلاف الأرامل والنازحات اللواتي وجدن في الدكاكين الكاسدة تجارياً ملجأً وحيداً، رغم افتقارها لأبسط الخدمات الأساسية للصيانة أو الصرف الصحي.

عزلة “الشتر” الصدئ: تنمر مجتمعي وقطيعة أسرية
تتجاوز مأساة السكن الجدران الإسمنتية لتصل إلى تدمير الروابط العائلية، حيث تروي الجدة “أمينة عبدالجبار” كيف قطعها أقاربها “كأنها وباء” بعد سكنها في الدكان. تقول أمينة وصوتها يرتجف: “أهلي يخجلون من المجيء إلينا.. لقد قطعونا لأننا افتقرنا، وتركونا نمرض ونجوع وكأن لا أحد يرانا”. هذا الخذلان الاجتماعي يمتد ليصل إلى النخبة المثقفة، كالأستاذ أمين البشري الذي أحرقت زوجته مكتبته في موقد الطبخ للتدفئة، ويقول بحسرة: “المجتمع صار يراني ساكن دكان لا معلماً، وما أحرق قلبي حقاً هو تنمرهم على أطفالي”.
وفي حي الحصبة، تحولت “أرقام الدكاكين” إلى أحكام بالإعدام على المستقبل الاجتماعي للفتيات والشباب؛ فالعرسان يفرون بمجرد رؤية السكن المتواضع، متجاهلين الشهادات الجامعية والأخلاق.
تروي “أم سلوى” كيف يُرفض تزويج بناتها لأن “الدكان” صار وصمة عار تلغي أصل الإنسان ومعدنه، بينما تعرضت “العنود” لفسخ خطبتها بعد عام من الانتظار حين رأى خطيبها واقع سكنها المرير، مما يترك فتيات هذه الأسر في مهب رعب العنوسة وفقر المكان.
على الجانب الآخر، يشير فؤاد المليكي (دلال عقارات) إلى أن الملاك يستغلون حاجة الأسر المعدمة لإيجار دكاكينهم الكاسدة دون أدنى اهتمام بالصيانة، مما يضطر الأسر لتصريف المياه إلى الشوارع، وهو ما يعرضهم لإهانات الجيران.
ويكشف عاقل الحارة محمد الحاج عن وجود أكثر من 40 أسرة في حيه فقط تعيش هذا الواقع، مشيراً إلى معضلة حرمانهم من المساعدات الإنسانية بسبب “عدم الاستقرار”؛ إذ يضطرون لتغيير أمكنتهم باستمرار بسبب العجز عن السداد، ليظلوا “منسيين” في كشوفات المعونات كما هم منسيون في زوايا المدن.
الحل الصفري
حين يعجز 85% من المحتاجين في اليمن عن دفع إيجارات المنازل، ويغرق 80% من الشعب تحت خط الفقر، تصبح “الدكاكين” هي الحل الصفري لمعادلة البقاء الصعبة. إن ما يحدث خلف تلك الأبواب الحديدية في صنعاء ليس مجرد أزمة سكنية، بل هو “احتراق صامت” لكرامة الإنسان اليمني، وقصص لأسر كريمة اختارت “الستر القاسي” لتواجه مدينة لم تعد ترحم فقرهم، في انتظار عدالة قد تأتي وقد تتأخر كثيراً.
The post خلف “شتر” الحديد.. حكايا “الستر القاسي” في دكاكين صنعاء appeared first on يمن مونيتور.