لماذا يهدد اعتراف إسرائيل بـ “أرض الصومال” بمزيد من زعزعة الاستقرار في البحر الأحمر؟
أهلي
منذ 5 أيام
مشاركة

ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”

عندما أعلنت إسرائيل أواخر ديسمبر/كانون الأول اعترافها بـ “أرض الصومال” (صوماليلاند)، صوّر القادة في هرجيسا هذه الخطوة على أنها اختراق دبلوماسي كبير.

ومع ذلك، قوبل هذا الإعلان في منطقة القرن الأفريقي والمجتمع الدولي بنظرة مختلفة تماماً؛ إذ اعتبر علامة تحذير على أن البحر الأحمر بات الجبهة التالية للتفتيت العسكري، حيث يتم استغلال ضعف الدول لتأمين موطئ قدم استراتيجي، مع ما يترتب على ذلك من عواقب زعزعة الاستقرار في منطقة هشة بالفعل.

وباعتبارها الدولة الأولى التي تعترف بـ “أرض الصومال”، أثارت إسرائيل مخاوف عميقة من أن الخطوة لا تتعلق بالتطبيع الدبلوماسي بقدر ما تتعلق بالتموضع الاستراتيجي على طول أحد أكثر الممرات البحرية حيوية في العالم.

وقد جاء رد فعل الحكومة الفيدرالية الصومالية سريعاً، حيث أطلقت تدابير دبلوماسية مضادة، واندلعت احتجاجات شعبية في مدن عدة، فيما أكدت منظمات إقليمية، بما في ذلك الاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، دعمها لسيادة الصومال ووحدة أراضيه. وبالمثل، أدانت أكثر من 30 دولة الاعتراف الإسرائيلي وجددت تأكيدها على سيادة الصومال.

وبالنظر إلى السجل التاريخي الأوسع لإسرائيل، فإن هذا الإعلان الأخير لا يكاد يكون مفاجئاً. فمنذ تأسيسها في عام 1948، صنفت منظمات حقوق الإنسان والباحثون القانونيون إسرائيل كدولة استعمار استيطاني. وقد عززت الحملات العسكرية المتكررة ضد الفلسطينيين هذا التصور بمرور الوقت، وكان آخرها حرب الإبادة الجماعية على غزة، التي عمقت العزلة الدبلوماسية لإسرائيل وسط غضب دولي متزايد.

 

تاريخ من التحالفات

إن وضع إسرائيل المثير للجدل في السياسة الدولية دفعها مراراً إلى التحالف مع دول وكيانات أخرى معزولة ومنبوذة. ويبرز مثال تاريخي جلي في تحالفها الوثيق مع نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) في جنوب أفريقيا.

فمنذ سبعينيات القرن الماضي، وطدت الحكومتان شراكة سياسية وأيديولوجية وعسكرية قوية، صاغتها حالتهما المشتركة كـ “منبوذين دولياً”. وأصبح قطاع الدفاع في جنوب أفريقيا، على وجه الخصوص، يعتمد بشكل كبير على الخبرة والتكنولوجيا الإسرائيلية، وهي حقيقة أقر بها لاحقاً ألون ليل، السفير الإسرائيلي السابق لدى جنوب أفريقيا، الذي صرح في عام 2021 بأن “إسرائيل هي من أنشأت صناعة الأسلحة في جنوب أفريقيا”.

ولم يرتكز التحالف بين إسرائيل ونظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا على المصالح الاستراتيجية المشتركة فحسب، بل عكس تقارباً أيديولوجياً أعمق؛ حيث بُنيت شرعية الدولة في كلتا الحالتين من خلال سرديات تمحو حقوق وتاريخ السكان الأصليين.

تماماً كما وصفت الخطابات الصهيونية فلسطين ذات يوم بأنها “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، صاغ “الأفريكانيون” في جنوب أفريقيا سرديات تنكر أو تقلل من وجود السكان السود الذين كانوا يعيشون بالفعل على تلك الأرض. وقد ساعد هذا الإطار الأيديولوجي المشترك في ترسيخ شراكتهم السياسية والعسكرية.

ويعد انحياز إسرائيل للكيانات الشاذة والمعزولة جزءاً من استراتيجية متعمدة لتفتيت الدول التي تراها معادية استراتيجياً. ومن مظاهر هذا النهج انخراط إسرائيل مع الحركات الانفصالية في أنحاء الشرق الأوسط لتقويض تماسك الدول؛ وشمل ذلك التواصل مع تطلعات الاستقلال الكردية في شمال العراق، وإقامة علاقات غير مباشرة مع فصائل كردية في تركيا، ومؤخراً تقديم مساعدات إنسانية ودعم ضمني -حسب التقارير- للإدارات التي يقودها الأكراد في شمال شرق سوريا، وكذلك للمجتمعات الدرزية في جنوب سوريا.

 

تفتيت الصومال

يمثل الاعتراف بـ “أرض الصومال” أحدث تجلٍ لاستراتيجية إسرائيل القائمة منذ فترة طويلة في التقسيم والتفتيت، حيث تسعى إسرائيل لاستغلال المظالم الناجمة عن فشل الدولة في الصومال.

ومع ذلك، فإن الوضع في “أرض الصومال” يختلف نوعاً ما؛ إذ تواجه الإدارة هناك تناقضات داخلية عميقة، لاسيما على أسس قبلية، مع غياب الإجماع على الانفصال. ففي أوائل عام 2023، انتفضت قبائل وحدوية ضد إدارة “أرض الصومال” في صراع عنيف تركز في مدينة “لاسعنود”. وأدت هذه المواجهة إلى انهيار سلطة “أرض الصومال” في أجزاء من مناطق “سول” و”سناج” و”عين”، وما تبع ذلك من تأسيس إدارة جديدة تتماشى مع الحكومة الفيدرالية الصومالية.

هذا الكيان، الذي عُرف في البداية باسم “إس إس سي-خاتومو”، اعترفت به مقديشو رسمياً كإدارة مؤقتة، وتطور لاحقاً ليصبح “ولاية شمال شرق الصومال”، مجهزاً ببرلمان وقيادة تنفيذية خاصة به.

ورغم سعي “أرض الصومال” المستمر للحصول على اعتراف دولي، لم تستجب أي دولة ذات سيادة رسمياً لهذا المسعى حتى الآن. ويعود هذا التحفظ إلى مبادئ أساسية في القانون الدولي، لاسيما قاعدة احترام سيادة الدول القائمة وسلامة أراضيها.

إن الوجود الإسرائيلي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر ليس جديداً، لكن ما تغير هو حالة الاستعجال التي تدفع انخراطها الإقليمي بسبب الحرب على غزة. فقد كشفت هجمات الحوثيين على السفن المرتبطة بإسرائيل عن نقاط ضعف في هذا المضيق البحري الحيوي، مما تسبب في خسائر اقتصادية كبيرة وعزز ضرورة تأمين موطئ قدم ونفوذ موثوقين على طول ممر البحر الأحمر. ويتماشى هذا أيضاً مع تأكيدات نتنياهو المتكررة بأنه ينوي “إعادة هيكلة” الشرق الأوسط بشكل جذري.

ووفقاً لعديد من وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الإسرائيلية، فإنه مقابل الاعتراف، ستقوم إسرائيل بإنشاء مرافق عسكرية ومنشآت مراقبة على طول ساحل “أرض الصومال” المطل على البحر الأحمر لمراقبة الحركة البحرية والتأثير عليها. وفي حين أن هذا سيمكن إسرائيل من مواجهة الحوثيين في أي مواجهة مستقبلية مع إيران -وهو أمر مرجح جداً- فإنه سيؤدي أيضاً فعلياً إلى تطويق مصر والسعودية ودول الخليج الأخرى، التي يمثل البحر الأحمر بالنسبة لها حديقة خلفية استراتيجية واقتصادية بالغة الأهمية.

 

التداعيات الإنسانية والإقليمية

تتسم هشاشة البحر الأحمر المتزايدة بالتفتيت الوشيك لثلاث دول حاسمة هي: الصومال واليمن والسودان. ويهدد هذا عدم الاستقرار الأوسع الأمن الإقليمي؛ فالوجود الإسرائيلي في صومال مجزأ من شأنه أن يهدد مصر مباشرة، تماماً كما فعل تقسيم السودان. وبينما أدى التدخل العسكري السعودي الأخير، في الوقت الحالي، إلى وقف التقسيم الكامل لليمن، إلا أن انقسامه يعيد تشكيل ديناميكيات البحر الأحمر، مما يشكل تحدياً خطيراً للأمن القومي للسعودية والمنطقة ككل.

كما تصطدم الاستراتيجية الإقليمية لإسرائيل بتركيا، المنافس الرئيسي والحليف الاستراتيجي الأول للصومال. ويظهر تنافسهما بوضوح في المقاربات المتعارضة تجاه سوريا، حيث تفضل إسرائيل التقسيم بينما تدعم تركيا الحكومة الجديدة في دمشق، وفي شرق المتوسط، حيث يهدف الحلف الإسرائيلي اليوناني القبرصي إلى تهميش أنقرة.

وقبل أشهر من الاعتراف الإسرائيلي، ظهرت تقارير تشير إلى أن “أرض الصومال” قد تقبل إعادة توطين الفلسطينيين المهجرين من غزة. وقد اكتسبت هذه الادعاءات وزناً جديداً مع التطورات الأخيرة، خاصة وأن إسرائيل لم تظهر أي نية للتخلي عن مشروعها للتهجير القسري للفلسطينيين من وطنهم.

ومن المؤكد أنه إذا استمرت استراتيجية إسرائيل دون عوائق، فإن المنطقة وامتداداتها الاستراتيجية تخاطر بالوقوع في فوضى عدم استقرار طويل الأمد. ومن المرجح أن تشتد الحروب بالوكالة بين الجهات الفاعلة المتنافسة، مما يوفر بيئة خصبة للجماعات المتطرفة للتوسع، ويؤدي إلى تراجع سنوات من الاستثمارات الأمنية التي قام بها المجتمع الدولي.

كما سيواجه الصومال خطر التورط في صراعات بين قوى إقليمية ودولية متنافسة، بحيث تصبح أراضيه هدفاً مشروعاً للأطراف المنخرطة في أعمال عدائية ضد إسرائيل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تنشر إسرائيل أنظمة دفاعها الجوي المتقدمة، مثل “القبة الحديدية”، لحماية الصومال.

ونتيجة لذلك، ستعاني جهود بناء الدولة الهشة والممتدة في الصومال من نكسات شديدة، وقد تدخل “أرض الصومال” في اضطرابات متجددة، مع وجود خطر حقيقي لاندلاع صراع أهلي.

 

المصدر الرئيس: عبدي ولي سيد، ميدل آيست آي

 

The post لماذا يهدد اعتراف إسرائيل بـ “أرض الصومال” بمزيد من زعزعة الاستقرار في البحر الأحمر؟ appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية